الخطأ في نقل الفتوى 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2082


ــ[313]ــ

   [ 48 ] مسألة 48 : إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأ يجب عليه إعلام من تعلّم منه وكذا إذا أخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الاعلام ((1))  (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واحد وشرائطه ، وذلك لأن صحة الأجزاء في المركبات الارتباطية إرتباطية لا محالة وصحة كل جزء من أجزائها مقيدة بصحة الجزء الآخر فمع بطلان أحد أجزاء المركب تبطل بقية أجزائه، وعليه لو أتى بالصلاة فاقدة للسورة مع الاكتفاء في التسبيحات الأربع بالمرة الواحدة ، واحتمل بعد ذلك فساد صلاته لعلمه في كل من السورة والتسبيحات بمخالفة المجتهد الآخر ، وجب أن يستند في تركه الاعادة أو القضاء إلى ما  هو حجة في حقه كفتوى المجتهد ، لأن مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم الاعادة أو القضاء وعدم فراغ الذمة بما أتى به من الصلاة للشك في صحتها ، وليس في البين من يفتي بصحة عمله وعدم وجوب الاعادة لأن ما أتى به غير صحيح عند كل من المجتهدين ، وإن كان الوجه في فساده مختلفاً عندهما فإن أحدهما يرى بطلانها مستنداً إلى الاخلال بالسورة ويراه الآخر مستنداً إلى الاخلال بالتسبيحات الأربع ثلاثاً ومع بطلان العمل عند كليهما وعدم الفتوى بالصحة لا بدّ من إعادته أو قضائه كما عرفت .

    حكم الخطأ في بيان الفتوى :

   (1) يقع الكلام في هذه المسألة تارة فيما إذا نقل فتوى المجتهد بالاباحة ثمّ ظهر أن فتواه هو الحرمة أو الوجوب أو أن المجتهد أخطأ في بيان فتواه فافتى بالاباحة مع أن فتواه الحرمة أو الوجوب ، كما إذا سئل عن العصير العنبي إذا غلى فأفتى بعدم حرمته وظهر بعد ذلك أن فتواه حرمته وإنما الجائز عنده هو العصير الزبيبي واشتبه أحدهما بالآخر .

   واُخرى فيما إذا نقل فتوى المجتهد بالحرمة أو الوجوب ثمّ ظهر أن فتواه هي الاباحة أو أنه أفتى السائل بهما ثمّ التفت أن فتواه الجواز ، كما لو سئل عن الانتفاع بالميتة فأفتى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأظهر هو التفصيل بين ما إذا نقل فتواه باباحة شيء ثمّ بان أن فتواه هي الوجوب أو الحرمة وبين ما إذا نقل فتواه بالوجوب أو الحرمة ثمّ بان أن فتواه كانت الاباحة ، فعلى الأوّل يجب الاعلام دون الثاني ، وكذا الحال بالإضافة إلى المجتهد نفسه .

ــ[314]ــ

بحرمته ثمّ انكشف أنه يفتي بجوازه وإنما يرى حرمة بيع الميتة واشتبه عليه الانتفاع بالبيع . ويقع الكلام في هاتين الصورتين في أن الناقل أو المجتهد هل يجب عليهما إعلام الجاهل بالحال وبيان أن الأمر قد اشتبه عليهما أو لا يجب ؟

   أما الصورة الاُولى : فلا ينبغي التوقف في وجوب الاعلام في تلك الصورة لأنه بفتواه بالاباحة أو بنقله الفتوى بها قد سبّب إلى الوقوع في الحرام أعني ترك الواجب أو فعل الحرام . وقد ذكرنا في محلّه أن المستفاد حسب المتفاهم العرفي من دليل الحرمة في جميع الموارد إنما هو مبغوضية انتساب العمل المحرّم إلى المكلفين ، بلا فرق في ذلك بين الانتساب بالمباشرة والانتساب بالتسبيب ، ومن هنا قلنا إن تقديم الطعام النجس إلى الجاهل ليأكله أمر حرام ، لأن النهي والتحريم وإن كانا قد تعلقا بأكل النجس إلاّ أن العرف يفهم من ذلك أن أكل النجس مبغوض مطلقاً سواء صدر ذلك عن المكلّف بالمباشرة أم صدر بالتسبيب ، كتقديمه الطعام النجس إلى من يحرم عليه أكل النجس واقعاً وإن كان بالفعل معذوراً لجهله ، وكذلك الحال فيما إذا نهى عن الدخول عليه فإن العرف يفهم من مثله عدم الفرق في مبغوضية الدخول عليه بين صدوره بالمباشرة كما إذا دخل عليه بنفسه وبين صدوره بالتسبيب كما إذا أدخل الغير عليه .

   إذن مقتضى أدلة المحرّمات عدم جواز التسبيب إلى الحرام . بل العقل أيضاً مستقل بذلك لأن ما هو الملاك في المنع عن العمل بالمباشرة موجود في العمل بالتسبيب، وبما أن المجتهد أفتى باباحة الحرام أو الواجب أو أن الناقل نقل الفتوى بالاباحة فيهما فقد سبّبا إلى وقوع المكلّف في ترك الواجب أو فعل الحرام ، وغاية الأمر أنهما ما داما غافلين ومستمرين في اشتباههما معذوران في التسبيب إلى الحرام ، فإذا ارتفعت غفلتهما والتفتا إلى الحال وجب عليهما إعلام الجاهل وبيان أن الفعل واجب أو حرام وأن الافتاء بالاباحة أو نقلها إنما صدرا غفلة ونحوها .

   ويؤيد ذلك بل يدل عليه ما ورد من أن المفتي ضامن كما في صحيحة عبدالرحمان ابن الحجاج قال : «كان أبو عبدالله (عليه السّلام) قاعداً في حلقة ربيعة الرأي فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه فلما سكت قال له الأعرابي : أهو في عنقك ؟ فسكت عنه ربيعة ، ولم يردّ عليه شيئاً فأعاد المسألة عليه ، فأجابه بمثل ذلك

ــ[315]ــ

فقال له الأعرابي : أهو في عنقك ؟ فسكت ربيعة ، فقال أبو عبدالله (عليه السّلام) هو في عنقه قال أو لم يقل ، وكل مفت ضامن» (1) والمراد بالمفتي مطلق من ينقل الحكم فيشمل المجتهد والناقل كليهما .

   بل ورد في بعض الأخبار أن كفارة تقليم المحرم أظفاره على من أفتى بجوازه (2) وتدل عليه أيضاً صحيحة أبي عبيدة الحذاء قال : «قال أبو جعفر (عليه السّلام) : من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، ولحقه وزر من عمل بفتياه» (3) وكذلك غيرها من الأخبار الدالة على حرمة الفتوى بغير علم وذلك لأن الفتوى بالاباحة في المقام أيضاً من غير علم وإن كان المجتهد أو الناقل معذورين ما داما مشتبهين أو غافلين إلاّ أنه إذا ارتفعت الغفلة وجب عليهما إعلام الجاهل بالحال كما مرّ، هذا .

   وقد أسبقنا عند التكلّم على معنى التقليد أن كون المفتي ضامناً هو الموافق لمعنى التقليد ومفهومه ، لأنه بمعنى جعل الشخص ذا قلادة فكأنّ العامّي جعل أعماله الّتي استند فيها إلى فتوى ذلك الشخص قلادة ووضعها على رقبته ، وإذا كان الأمر كذلك فلا مناص من الحكم بوجوب الاعلام في المقام ، لأنه لو تركه بعدما زالت غفلته ضمن ما أتى به الجاهل من المحرّمات أو ما تركه من الواجبات وكان وزر ذلك عليه .

   نعم ، لا مجال للاستدلال في المقام بما دلّ على وجوب تبليغ الأحكام الشرعية وحفظها عن الاندراس ، وذلك لأنها إنما دلت على وجوب تبليغها فحسب ويتحقق ذلك ببيان الأحكام الشرعية على نحو يتمكن العامّي من الوصول إليه حتى لا يندرس الدين بلا فرق في ذلك بين المجتهد وغيره من المكلّفين ، وأما إيصالها إلى كل فرد فرد من آحاد المكلّفين ولو بدقّ أبوابهم فلم يقم على وجوبه دليل ولم يلتزم به الأئمة (عليهم السّلام) فما ظنك بغيرهم ، وإنما التبليغ كذلك كان لازماً على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمقدار الممكن منه دون بقية المكلّفين ، ويتحقق بيان الأحكام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27 : 220 / أبواب آداب القاضي ب 7 ح 2 .

(2) وسائل الشيعة 13 : 164 / أبواب بقية كفارات الاحرام ب 13 .

(3) وسائل الشيعة 27 : 20 / أبواب صفات القاضي ب 4 ح 1 .

ــ[316]ــ

الشرعية على النحو المزبور في حق المجتهد بطبع رسالته العملية وجعلها مورداً يتمكن من الوصول إليه ، أو بجلوسه في بيته وتهيئه للجواب عند السؤال عن الأحكام الشرعية . وهذا بخلاف المقام لأن المطلوب فيه ليس هو التحفظ على الأحكام الشرعية عن الاندراس ببيانها على نحو يتمكن المكلّف من الوصول إليها ، بل المراد إيصال الحكم إلى العامّي الجاهل بشخصه ، وهذا مما لا تقتضيه الأدلة الواردة في وجوب تبليغ الأحكام الشرعية فالاستدلال بتلك الأدلة مما لا وجه له في المقام، هذا كلّه في الصورة الاُولى .

   أما الصورة الثانية : فالصحيح أن الاعلام غير واجب حينئذ ، إذ لا دليل على وجوبه ، فإذا سئل المجتهد عن الصوت المرجّع مثلاً فأفتى بحرمته وأنه غناء وظهر بعد ذلك أن فتواه فيه الاباحة وأن المحرّم هو الصوت المرجّع المطرب ، لم يجب عليه إعلام السائل بالحال ، لأنه أو الناقل وإن سبّب ترك العمل للمكلّف إلاّ أنه تسبيب إلى التزام المكلّف بترك أمر مباح أو باتيان عمل غير واجب ولا حرام وهو مما لا محذور فيه بل هو أمر مستحسن لأنه موافق للاحتياط ، فما استدللنا به على حرمة التسبيب غير جار في المقام .

   وأما الاستدلال على وجوب الاعلام في هذه الصورة بما دلّ على وجوب تبليغ الأحكام وحفظها عن الاندراس فيرد عليه :

   أوّلاً : ما قدّمناه من أن تلك الأدلة إنما تقتضي وجوب تبليغ الأحكام بمعنى بيانها على نحو يتمكن من الوصول إليها ولا دلالة لها على وجوب إيصالها إلى آحاد المكلّفين الّذي هو المطلوب في المقام .

   وثانياً : أن الآيات والأخبار المستدل بهما على وجوب تبليغ الأحكام مختصة بالأحكام الالزامية ، ولا تعمّ الأحكام الترخيصية إما لاقترانها بالقرينة في نفسها كقوله عزّ من قائل : (إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّناه للنّاس في الكتاب اُولئك يلعنهم الله ... )(1) فإنه يدل على أن كتمان ما هو سبب للهداية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 159 .

ــ[317]ــ

   [ 49 ] مسألة 49 : إذا اتفق في أثناء الصّلاة مسألة لا يعلم حكمها يجوز له أن يبني على أحد الطرفين ((1)) بقصد أن يسأل عن الحكم بعد الصلاة ، وأنه إذا كان ما أتى به على خلاف الواقع يعيد صلاته ، فلو فعل ذلك وكان ما فعله مطابقاً للواقع، لا يجب عليه الاعادة (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هو المبغوض المحرّم لدى الله، وما به الهداية الأحكام الالزامية فحسب وقوله : (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون )(2) لوضوح أن الانذار لا يتحقق إلاّ ببيان الأحكام الالزامية ، إذ لا إنذار في الأحكام الترخيصية . وإما لما أسلفناه من أن التعلّم واجب طريقي وليس بواجب نفسي ، والوجه في هذا الوجوب الطريقي هو التحفظ على المصالح لئلاّ تفوت ، والتجنب عن الوقوع في المفاسد ، ومن الظاهر عدم وجوب التعليم إلاّ فيما وجب فيه التعلّم ، لأنه لا معنى لوجوبه من دون وجوب التعلّم ، ثمّ إن التعليم إنما يجب ـ وجوباً طريقياً ـ في خصوص الأحكام الالزامية لما مرّ من أن الأحكام الترخيصية من المباحات والمستحبات والمكروهات لا يجب فيها التعلّم والتقليد ، لأنه لا مفسدة في ارتكابها أو تركها ، ومع عدم وجوب التعلّم لا معنى لوجوب التعليم .

   والمتلخّص : أن الأدلة المستدل بها على وجوب تبليغ الأحكام وتعليمها مختصة بالأحكام الالزامية ولا تعمّ الترخيصية بوجه ، ومن هنا لا يجب على المجتهد الافتاء بالاباحة في المباحات بل له الافتاء فيها بالاحتياط لمكان أنها خلاف المشهور أو لغير ذلك من الوجوه المناسبة للاحتياط .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net