هجاء المؤمن 

الكتاب : مصباح الفقاهة في المعاملات - المكاسب المحرمة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 777


حرمة هجاء المؤمن

قوله : السابعة والعشرون : هجاء المؤمن حرام بالأدلّة الأربعة(3).

أقول : الهجو في اللغة(4) عدّ معائب الشخص ، والوقيعة فيه ، وشتمه . ولا خلاف بين المسلمين في حرمة هجاء المؤمن ، وإن اختلفت الشيعة مع غيرهم فيما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المتقدّم في ص676 .

(2) راجع الوسائل 17 : 207 / أبواب ما يكتسب به ب49 ، والمستدرك 13 : 141 / أبواب ما يكتسب به ب42 .

(3) المكاسب 2 : 117 .

(4) المنجد 856 مادّة هَجا .

ــ[693]ــ

يراد بكلمة المؤمن ، بل في كلام بعض العامّة(1) تعميم الحرمة إلى هجاء أهل الذمّة أيضاً .

وقد استدلّ المصنّف على حرمته بالأدلّة الأربعة ، بدعوى أنّه ينطبق عليه عنوان الهمز واللمز وأكل اللحم والتعيير وإذاعة السر ، وكل ذلك كبيرة موبقة وجريمة مهلكة بالكتاب والسنّة والعقل والإجماع .

وتحقيق المقام : أنّ الهجو قد يكون بالجملة الإنشائية ، وقد يكون بالجملة الخبرية . أمّا الأول فلا شبهة في حرمته ، لكونه من اللمز والهمز ، والإهانة والهتك وقد دلّت الروايات المتواترة على حرمة هتك المؤمن وإهانته(2)، ونطق القرآن الكريم بحرمة الهمز واللمز(3).

وأمّا الثاني فإن كان الخبر مطابقاً للواقع ـ كهجو المؤمن بما فيه من المعائب ـ كان حراماً من جهة الغيبة والهتك والإهانة والتعيير والهمز ، وإن كان الخبر مخالفاً للواقع كان حراماً أيضاً من نواح شتّى ، لكونه كذباً وبهتاً ، وإهانة وظلماً ، وهمزاً ولمزاً.

ولا فارق في أفراد المؤمن بين العادل والفاسق غير المعلن ، وقد تقدّم الكلام عنه في مبحث الغيبة(4)، بل يمكن أن يقال بحرمة هجو الفاسق المعلن بفسقه ، فقد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 42 : ولا يحلّ التغنّي بالألفاظ الدالّة على هجاء الناس مسلمين كانوا أو ذمّيين .

(2) راجع الوسائل 12 : 265 / أبواب أحكام العشرة ب146 وغيره ، والوافي 5 : 959 / ب162 وغيره من الأبواب .

(3) وهو قوله تعالى : (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَة لُمَزَة) الهمزة 104 : 1 .

(4) في ص523 .

ــ[694]ــ

تقدّم في البحث عن مستثنيات الغيبة(1) أنّ عمدة الدليل على جواز غيبة المتجاهر في الفسق خروج ذلك عن دائرة الغيبة موضوعاً ، فإنّها أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه ، وما ارتكبه الفاسق المتجاهر من المعائب والمعاصي ليس ممّا ستره الله عليه ولكن لا قصور في شمول ما دلّ على حرمة الهجو لانتقاص المتجاهر وذكره بما فيه من العيوب عدا ما دلّ على حرمته من حيث كونه غيبة .

نعم يجوز هجو الفاسق المتجاهر بالفسق إذا ترتّبت على هجوه مصلحة أهم من مصلحة احترامه ، أو كان ممّن لا يبالي بما قيل فيه ، وبذلك يحمل ما ذكره المصنّف من الخبر « محّصوا ذنوبكم بذكر الفاسقين »(2).

وأمّا هجو المخالفين أو المبدعين في الدين فلا شبهة في جوازه ، لأنّه قد تقدّم في مبحث الغيبة(3) أنّ المراد بالمؤمن هو القائل بإمامة الأئمّة الاثني عشر ، وكونهم مفترضي الطاعة .

ومن الواضح أنّ ما دلّ على حرمة الهجو مختصّ بالمؤمن من الشيعة ، فيخرج غيرهم عن حدود حرمة الهجو موضوعاً ، وقد تقدّم في المبحث المذكور ما يرضيك في المقام ، ويقنعك بتخصيص حرمة الهجو بما ذكرناه .

وهل يجوز هجو المبدع في الدين أو المخالفين بما ليس فيهم من المعائب ، أو لابدّ من الاقتصار فيه على ذكر العيوب الموجودة فيهم ؟ هجوهم بذكر المعائب غير الموجودة فيهم من الأقاويل الكاذبة ، وهي محرّمة بالكتاب والسنّة ، وقد تقدّم ذلك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص522 .

(2) ] لم نعثر عليه في مظانه [ .

(3) في البحث عن اشتراط الإيمان في حرمة الغيبة ص496 ـ 497 .

ــ[695]ــ

في مبحث حرمة الكذب(1)، إلاّ أنّه قد تقتضي المصلحة الملزمة جواز بهتهم والإزراء عليهم ، وذكرهم بما ليس فيهم ، افتضاحاً لهم ، والمصلحة في ذلك هي استبانة شؤونهم لضعفاء المؤمنين حتّى لا يغترّوا بآرائهم الخبيثة وأغراضهم المرجفة وبذلك يحمل قوله (عليه السلام) : « وباهتوهم كي لا يطمعوا في الإسلام  »(2) وكل ذلك فيما إذا لم تترتّب على هجوهم مفسدة وفتنة ، وإلاّ فيحرم هجوهم حتّى بالمعائب الموجودة فيهم .

وقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنّ هجو المخالفين قد يكون مباحاً ، وقد يكون مستحبّاً ، وقد يكون واجباً ، وقد يكون مكروهاً ، وقد يكون حراماً ، وبهذا الأخير يحمل قوله (عليه السلام) في رواية أبي حمزة عن قذف المخالفين : «  الكفّ عنهم أجمل  »(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ] لم نعثر عليه [ .

(2) قد تقدّمت هذه الرواية في البحث عن حرمة سبّ المؤمن ص435 ، وفي البحث عن جواز الاغتياب لحسم مادّة الفساد ص543 .

(3) في الكافي 8 : 285 / 431 والوافي 10 : 331 / 5 من باب تحليل الخمس للشيعة من أبواب الخمس عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال « قلت له : إنّ بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم ، فقال لي : الكفّ عنهم أجمل » الحديث . وهي مجهولة بالحسن ابن عبدالرحمن ، وضعيفة بعلي بن العبّاس .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الرسائل العملية
  • كتب أخرى
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net