المقدّمة 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 10997

 

ــ[1]ــ

 بسم الله الرّحمن الرّحيم

كلمة المؤسّسة

   ترى «مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي»  من الواجب عليها أن تنهض بإخراج هذه الآثار العلميّة ، في مسلسلات فقهيّة واُصوليّة وتفسيريّة ـ  من أبحاث الإمام الخوئي التي ألقاها على الفضـلاء ، من طلاّب الحـوزة العلميّة في النجف الأشرف  ـ بتنسيق فريد ، ومزايا تليق بهذا المستوى من الآثار العلميّة .

   وكان شروعه (قدس سره) بتدريس فروع العروة الوثقى في 27  / ربيع الأوّل من سنة 1377هـ  ، مبتدئاً بكتاب الاجتهاد والتقليد .

 المجموعة الفقهيّة  :

   تقدِّم المؤسّسة الأبحاث الفقهيّة في مسلسلات وحلقات ومجلّدات مترابطة :

   1 ـ ( التّنقيح )  في شرح العروة الوثقى : تقرير تلميذه آية الله الشيخ ميرزا علي الغروي ، في مجلّد واحد يبحث عن ( التقليـد ) ، وتسع مجلّدات اُخريات في موضـوع (الطّهارة) .

   2 ـ ( المُستند )  وهو تقرير آية الله الشيخ مرتضى البروجردي ، في عشر مجلّدات تبحث عن ( الصّلاة ) ومجلّدان في ( الصّوم ) ، ومجلّدان آخران في ( الزّكاة ) ، ومجلّد واحد في ( الخُمْس ) ، ومجلّد واحد في بحث ( الإجارة ) .

   3 ـ ( المُعتمد )  وهو تقرير آية الله السيِّد محمّدرضا الموسوي الخلخالي ، في أربع مجلّدات ، تبحث في ( الحج ) .

ــ[2]ــ

   4 ـ ( المباني )  وهو تقرير الشهيد السعيد حجّة الاسلام والمسـلمين السيِّد محمّد تقي الخوئي ، نجل الامام الخوئي ، في مجلّدين في مبحث ( النِّكاح ) ، ومجلّد واحد في ( المُضاربة ) و  ( المُساقاة ) .

   وتبلغ مجموعة القسم الفقهيّ في هذه الموسوعة الكبرى أربعاً وثلاثين مجلّداً مع الفهارس .

 مزايا هذه الموسوعة  :

   1 ـ بذل الجهد في تقويم المتن والشّرح ، وضبطه وتصحيحه ، مع التحفّظ والتحرّز ـ  مهما أمكن  ـ على حفظ نصوص هذه الكتب ، واُسلوبها البياني .

   2 ـ تحديد النصوص ، وجعل العلامات المناسبة لها .

   3 ـ ضبط وإلحاق تعليقات الإمام الخوئي على حاشية العروة الوثقى .

   4 ـ تخريج الآيات والأحاديث ، والأقول والآراء ، وغيرها ، وإرجاعها إلى المصادر الاُم .

   5 ـ تعيين ما اُشير إليه في الكتب من صفحات حول : (ما تقدّم) و  (ما يأتي) ، وما اُحيل فيه إلى سائر الأبحاث الفقهيّة والاُصوليّة والرِّجاليّة وغيرها .

   6 ـ تنظيم فهارس عامّة تشمل أهم موضـوعات الكتب ومصـادرها وآياتها ورواياتها .

   وجميع هذه الكتب الفقهيّة في الوقت الحاضر بيد التحقيق والإخراج .

   هذا ونسأله تعالى أن يحالفنا التوفيق إلى إنجاز هذا العمل العلمي إحياءً لفقه العترة الطاهرة ، حسبة لله وطلباً لمرضاته ، والله ولي التوفيق .

 

مؤسّسة

إحياء آثار الإمام الخوئي

 10 / ذي الحجّة الحرام / 1417 هـ  ق

ــ[3]ــ

 مقدّمة

موسوعة الإمام الخوئي

 للعلاّمة السيِّد مرتضى الحكمي

 ــ[4]ــ

المرجعيّة بدايتها ونهايتها . مقوّمات المرجعية ومراحلها . دعم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) . ركائز الحكم الاسلامي . مفهوم النيابة العامّة . مفهوم الولاية المطلقة . الولاية في القرآن . مناقشات حول الولاية المطلقة . ولاية الفقيه . المرجعيّة العُليا . مُعطيات مرجعيّة الإمام الخوئي العُليا . مسؤوليّات مرجعيّة الإمام الخوئي . بين الحكومة الاسلامية وحاكميّة الاسلام . حياته السياسيّة . خصائصه السلوكيّة والذاتيّة . سياسته الحوزويّة. سياسته الفتوائيّة. واقع الاجتهاد عند الامام الخوئي. موقف الامام الخوئي من الاجتهاد السياسي . الاتجاهات التجدّديّة . منهجيّة الإمام الخوئي في إحياء العلوم . إبداعاته في علوم القرآن . النهج التفسيري للإمام الخوئي . موضوع الناسخ والمنسوخ . إعجاز القرآن على مفهوم جديد . نزعة التعايش المذهبيّ في تفسيره . وجهات النظر حول تفسير البيان . تفاعلات حول القراءات والأحرف السبعة . مردودات الباحثين . اشادات المعنيِّين بعلوم القرآن . من إبداعاته في الاُصول . من إبداعاته في الفقه والقواعد الفقهيّة . من إبداعاته في الفلسفة الاسلامية . من إبداعاته في علم الرِّجال . خاتمة المطاف . عوداً على بدء .

ــ[5]ــ

 بسم الله الرّحمن الرّحيم

 

الإمام الخوئي

قائداً للدِّين ورائداً للعلم  (1)

    الواقع : إنّ الإشادة بشخصيّة الإمام الخوئي الكفوءة ، ذات الأبعاد الشاسعة ، المشحونة بالروائع والأحداث ، وملابسات الاُمور يصعب الإلمام بها ، والبتّ فيها .

   فإن أوفى المتحدِّث عن تاريخ حياته العامّة ، فانّه يقصر عن الإيفاء بمكانته العلمية ، وإن استطاع أن يلم بقدر من ذلك ، فانّه يذهل أمام بطولاته الجهادية والسياسية ، ومجمل مواهبه ، وميزاته ، وعبقريّاته .

   والحق : إنّ حياة الإمام الخوئي ـ  كلّها  ـ مزاياً علميّة ، وجهاديّة ، وسلوكيّة تفرّد بها ، كما تفرّد بما اُوتي من إبداعات علميّة ، كشفت عمّا وهبه الله من قوّة الابتكار ، وعمق التفكير ، وتوقّد الذهن ، ودقّة النظر ، تلك العوامل التي كوّنت منه الشخصيّة الملهمة ، وجمعت فيه عناصر النبوغ في العلوم العقليّة والنقليّة ، على مستوى القمّة من العلم والإبداع .

   كان يتحلّى بالجهد في رفع مستوى العلم والإجتهاد ، تذوب زعامته في الجهاد العلمي والسياسي والاجتماعي ، ودعم الصحوة الاسلاميّة بالرِّيادة والقيادة .

   تنزع شخصيّته إلى الوحدة الاسلاميّة ، والتعايش المذهبيّ في توحيد ثقافة المسلمين ، وعقيدتهم بالثوابت من الاسلام ، حاول في كلّ ذلك بلورة العقائد الاسلامية المأثورة حتّى أصبح موئلاً للمسلمين .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وُلِدَ عام 1317 هـ  ، وتوفِّي عام 1413 هـ  .

ــ[6]ــ

المرجعيّة ـ بدايتها ونهايتها  :

   بدأت المرجعيّة في الاسلام بالرجوع إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام) ، فيما شرّعه الله في هذه الآيات : (فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكِّموكَ فيما شجر بينهم ... )(1) (ولو ردّوه إلى الرّسول وإلى اُولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه... )(2) لخلافتهم عن الرسول ، وبما أودعهم من علم وقضاء وحكم ، ثمّ إلى النوّاب الأربعة في النيابة الخاصّة في الغيبة الصغرى ، ثمّ إلى الأمثل من الفقهاء الذين حقّت أهليّتهم للنيابة العامّة في عصر الغيبة الكبرى .

   وبذلك يحقّ لنا أن نقول : بدأ الدِّين بالوحي والبلاغ ، وانتهى إلى الفتوى والتقليد ، وبتعبير آخر بدأ بالتمسّك بالرسالة الإلهيّة ، وخُتِمَ بالأخذ من الرسالة العمليّة للفقهاء .

 مقوّمات المرجعية ومراحلها  :

   1 ـ المرجعيّة الدينيّة : وتستلزم القدرة على الإجتهاد والإفتاء ، وتيسير الأحكام للمكلّفين .

   2 ـ المرجعيّة العلميّة : وتتطلّب التأهّل لإدارة الحوزة العلمية ، ورفع مستواها ، ومحاولة تطوير العلوم الاسلامية ، وتحويرها ، بما يُلقى عليها من دروس اجتهاديّة حرّة مستجدّة، في مباني الفقه والاُصول، والتفسير، والرِّجال ـ  وهي من معدّات الإجتهاد  ـ وبما يعدّ لها من أبحاث ، ومجتهدين .

   3 ـ المرجعيّة العامّة : وتتحقّق بالتأهّل لتلك المقوّمات العلميّة والدينيّة ، لتكون قاعدة صلدة ، قادرة على أداء مسؤوليّاتها ، في تقوية الدين والإيمان ، والثّبات عليه .

   4 ـ المرجعيّة العُليا : وتستقر على ركائز القيادة العامّة ، التي تميِّزها الأعلميّة ، والاقتدار الفائق على حفظ رقعة الاسلام ، وتحصّن المسلمين ، في مختلف الأحداث العالميّة التي تهدِّدهم وتهدفهم ، وتحاول الإطاحة بهم ، وتعمل على نهب ثرواتهم ، وسحق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء : 65  .

(2) النساء : 83  .

ــ[7]ــ

مقدّساتهم ، والتّلاعب بمقدّراتهم ، كما تمكِّنهم من الوقوف صفّاً واحداً ، ويداً واحدة على أعدائهم ، بالتماسك ، والنفر ، والجهاد ، والوقوف وراء هذه المرجعيّة العليا التي تميّزت بأفضل ما تميّزت به المرجعيّات الاُخرى ، وأن تعدّ لهم ما استطاعوا من قوّة ، وفي مقدّماتها وحدة الكلمة ووحدة القيادة ، والتمسّك بكلمة التوحيد .

   وعلى ذلك تدرّج الإمام الخوئي من مرحلة إلى اُخرى ، حتّى حاز المرجعيّة العُليا ، بجَدارة ، وتفوّق ، وحتّى قاد الثورة على الظلم والطّغيان .

   وهكذا تدرّج الإمام الخوئي ، في نبوغه طالباً للعلم ، ثمّ اُستاذاً للعلوم ، ثمّ محقِّقاً يعدّ المجتهدين ، ثمّ زعيماً يقود المسلمين في العالم الاسلامي .

   فكان السيد الخوئي ـ  في مرجعيّته العالميّة  ـ شديد الاحتياط في الدين ، وشديد الحذر والتحفّظ في السياسة ، وحديد النظر فيما يجري من اُمور ، لا يقدم على شيء يستغلّه الحكّام في مجرى السياسة وحركاتها .

   وبقي طيلة حياته ; مدافعاً عن الاسلام والمسلمين ، مُسانداً للحوزات العلميّة من أن تمتد إليها يد الاستعمار وأذنابه بالتحرّف .

 دعم مدرسة أهل البيت :

   ومن الثابت أنّ لأهل البيت (عليهم السلام) مدرسة وطريقة ، وليست مذهباً  كسائر المذاهب التي نجمت عن اجتهاد المجتهدين ، وما يُسمّى بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ـ  تجوّزاً  ـ ليس إلاّ واقع الاسلام ، وأصله الذي بنى عليه الرسول رسالته التشريعيّة والاعتقاديّة .

   فإنّ أهل البيت (عليهم السلام) ليسوا إلاّ حملة الرسالة وحُماتها ، لا يختلفون في أقوالهم وأفعالهم عمّا جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولذلك اقتضت عصمتهم وإمامتهم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكانوا أحد الثّقلين المتماثلين الّذين يجب التمسّك بهما .

   والواقع : انّهم ليسوا برواة ـ  كغيرهم  ـ بل هم يفرغون عن سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، تلك التي ضاعت بين السّنن ، والمذاهب فأكّدوا عليها من غير رأي أو اجتهاد .

   وكان الإمام الخوئي يسعى جاهداً في أداء ما مضى عليه أهل البيت (عليهم السلام) . وكان

ــ[8]ــ

يتعامل مع هذه المسؤولية على مستوى ما يتطلّبه عصره ، من فهم وتحليل ، وإبداع في العلوم الاسلامية ، وقيام بالنيابة العامّة ، كما أحيى بفقاهته فقه آل محمّد في عصره .

   ويصرِّح في عقيدته الولائية لأهل البيت (عليهم السلام) عن عليّ وفاطمة وابنتهما (عليهم السلام) بقوله :

   1 ـ عليّ بن أبي طالب : ( انّه بمنزلة نفس الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وخليفته المنصوص عليه ، في حديث الغدير ، وغيره ) .

   2 ـ فاطمة الزهراء : ( وهي معصومة بضرورة مذهبنا ، ولولا عليّ لما وجد لها كفؤ ، لأ نّها سيِّدة نساء العالمين ، على ما نطقت به الروايات ) .

   3 ـ زينب : ( انّها شريكة أخيها الحسين (عليه السلام) في الذبّ عن الاسلام ، والجهاد في سبيل الله ، لا تخضع عند الجبابرة ... تقول حقّاً وصِدقاً )(1) .

   وانبرى الإمام الخوئي للإشادة بشيخ الأزهر الشريف على فتواه الشهيرة في جواز التعبّد بالمذهب الخامس الإماميّ ، فقهاً وعقيدةً ، دعماً للوحدة بين المسلمين ، ولمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، ولحقِّهم المُضاع .

 ركائز الحكم الاسلامي  :

   وعلى ضوء انّ الدين الاسلامي دين خالد ، كان ينبغي أن يؤزر بحجّة خالدة هما القرآن والعترة (عليهم السلام) ، ويعزّز بحكم اسلامي يرتكز على الإمامة والنيابة العامّة .

   ومن هذا المنطلق : يحقّ لنا أن نعرف : إنّ النيابة العامّة هي التي صدرت عن الإمام الغائب ، وهي الّتي أعطت الولاية العامّة للنوّاب ، وهي التي أوجدت المرجعيّة القائمة .

   ولهذا حقّ لنا أن نبحث عن اُمور ثلاثة على الترتيب :

   1 ـ النيابة العامّة

   2 ـ الولاية المطلقة

   3 ـ المرجعيّة العُليا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) معجم رجال الحـديث وطبقات الرّواة ، بتقديم الكاتب ، انظر تراجم رقم 7850 و 15661 و  15625 .

ــ[9]ــ

الأوّل  ـ مفهوم النيابة العامّة :

   ولا بدّ لنا من الخوض في تفصيل ذلك ، من أن نطرح ـ  قبل كل شيء  ـ موضوع النيابة العامّة التي نشأت عنها الولاية والمرجعيّة ، واحدة تلو الاُخرى .

   وعند انتهاء أمد النيابة الخاصّة بالنوّاب الأربع في الغيبة الصغرى ، وغياب الامام المهدي الغيبة الكبرى لحكمة من الله ، ومصلحة للمسلمين : «ما دامت دولة الدنيا للفاسقين»(1) حيث : «لا يجد المؤمن ملجأً يلتجئ إليه من الظّلم ، فيبعث الله رجلاً من عترتي فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما مُلئت ظلماً وجوراً»(2) .

   فلم يقطع الإمام الغائب عن الاُمّة هدايته وإمامته في مختلف العصور ، ولم يتركهم بلا راع يرعاهم ، ودون حجّة تأخذ بأيديهم ، وهو الإمام الّذي : «يستضيئون بنوره ، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشّمس ، وإن تجلاّها السّحاب»(3) . وقد أناب عنه رواة أحاديثهم بهذه التصريحات :

   1 ـ «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فانّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله
عليهم»(4)، ممّن يليق بهم أن يكونوا حجّة على الناس .

   وفي هذا النص دلالات واضحة لا يمكن الخروج عليها بحال من الأحوال :

   أ ـ إنّ هذه النيابة العامّة التي جعلت النوّاب حجّة على الناس ، إنّما أعطوها من دون أصالة ، أو استقلال .

   ب ـ وقد خصّوا بها ـ  بوصفهم  ـ رواة أحاديثهم ، ليرجعوا إليها في تصريف الأمور ، وتدبير الحوادث ، ممّن يستطيعون أن يصلوا إلى أحكام الله بالإجتهاد والفتوى .

   ج ـ لم تكن هذه النيابة التي أعطتهم الولاية على الناس مطلقة حدّ الإطلاق الذي يغنيهم عن أن يكون الامام الغائب حجّة عليهم ، وأن لا يحرزوا رضاه ، وهو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار 1 / 246 .

(2) المستدرك على الصحيحين 4 / 465 .

(3) تفسير البرهان 1 / 381 .

(4) وسائل الشيعة ج 18 باب 11 من صفات القاضي ح 9 ، وإكمال الدين 2 / 162 .

ــ[10]ــ

غائب عنهم .

   د ـ إنّ هذه الولاية لم تنتزع من المعصوم الولاية المطلقة التي تستدعي انتقال العصمة ، والعلم بالغيب ، والإعجاز ، والخصائص الاُخرى الخارقة التي خوّلته الولاية المطلقة على حدّها . غير أ نّه لا يمنع ذلك من انتقال هذه الولاية بحكم النيابة العامّة على مستوى الزّعامة الكبرى ، وعلى حدّ مسؤوليّة الحكم وسعتها ، ومختلف شؤونها (1) وأحوالها . وهذه الولاية ، وإن كانت من الموضوعات ، وليست من الأحكام ، إلاّ أ نّه لا يمكن أن يكون هؤلاء الرّواة نقلة إلى غيرهم ، وقد اُرجع إليهم ـ  بالذّات  ـ النّظر في الحوادث كلّها . ولذلك كان المقصود بهم المجتهدون من أصحاب الحكم والفتوى ، كما أنّ المقصود من الفقيه هو الأفقه في الدِّين والأبصر بمقدِّرات الاُمّة ومستلزماتها ، ليصحّ الرجوع إليه دون غيره ، ولأ نّه يشمله رجوع الجاهل إلى العالِم ، باعتباره أوصل ممّن يجهل مبلغ علمه وفقاهته .

   2 ـ «مجاري الاُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله ، الاُمناء على حلاله وحرامه»(2) ، وقد أعطى الفقهاء مسؤوليّة الحكم ، بما فيه التصدِّي للفتوى ، والاُمور العامّة التي تنتاب حياة المسلمين وبقاءهم .

   3 ـ «فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مُخالفاً على هواه ، مُطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أن يُقلِّدوه»(3) هذا المنصب الخطير .

   ولا يعنينا سند ذلك (4)، لأنّ العقل يحكم بضرورة هذه المزايا والشروط ، لمن يريد أن يحكم الناس بالنيابة وغيبة الإمام الغائب تقتضي أن يكون له نوّاب عامّون كما كان له نّواب خاصّون. والدليل على وجود النوّاب الأربعة هو الدليل على وجود نوّاب آخرين بالنيابة العامّة ، يُنتخبون بالوصف ، لا بالإسم . فإذا لم يحرز رضاه بالحاكم القائم ، أو إذنه له ، فلا دليل على نيابته أبداً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحاكمية في الاسلام ، لآية الله السيد محمّد مهدي الخلخالي / 192 .

(2) مستدرك الوسائل 3 / 188 باب 11 من أبواب صفات القاضي ح16، وتحف العقول/ 238.

(3) وسائل الشيعة 18 / 94 ح 20 .

(4) راجع الحاكميّة في الاسلام ، ملحق رقم 3 .

ــ[11]ــ

 الثاني  ـ مفهوم الولاية المطلقة  :

   وهل هناك اتجاه لبعض الفقهاء أن يساوي بين ولاية المعصوم ـ  نبيّاً كان أو إماماً  ـ وولاية الفقيه ، المبسوط اليد على المسلمين ، من دون أي تفاوت أو فرق بينهما ، على أنّ منها ما تكون على مستوى النبوّة والإمامة ، ومنها ما تكون على مستوى النيابة العامّة عن المعصوم (عليه السلام) .

   ومهما تكن هذه الولاية الممنوحة لهم ، فانّ احداهما حجّة على الاُخرى . إذ لا يمكن تصعيد النبوّة إلى مقام الربوبيّة في الولاية ، ولا تصعيد الإمامة إلى منزلة النبوّة فيها ، كما لا يمكن تصعيد الفقاهة إلى أيّة منزلة ولائيّة من هذه المنازل ، حتّى ولو كانت مجاري الاُمور على أيدي العلماء ، وحقٌّ للعوام أن يقلِّدوهم هذا المنصب الإلهي . فالولاية التي تقوِّمها العصمة ، والعلم بالغيب ، والقدرة على الإعجاز لا تكون كالولاية التي تقوِّمها العدالة ، وتبرِّرها النِّيابة العامّة هي نفسها التي اُعطيت للنبوّة والإمامة ، لمكانة الشروط التي لا يمكن أن تؤتى أحداً ، والشروط التي يمكن أن تتأتّى لكل أحد . وهذه المزايا ا لتي اُعطيت للنبوّة أو الإمامة كانت تأهّلاً لهم لهذه الولاية التي اختصّوا بها .

   وما ينتقل من الولاية عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الإمام (عليه السلام) ; عامله المشترك هو الإمامة التي تتواجد في النبيّ والإمام معاً . وأمّا ما ينتقل إلى الفقيه فلم تكن هذه الإمامة قاسمها المشترك بينهما ; بل هو النيابة العامّة ، وزعامة المسلمين ، في مجاري الاُمور ، وتصاريف الأحداث .

   وقد جعل الله في النبوّة والإمامة الولاية التكوينيّة ، دعماً لها ، ودليلاً على صدقها وتثبيتها . وأمّا الفقيه فليس له أيّة ولاية تكوينيّة ، أو تشريعيّة ، بل له ولاية الفتوى والحكم والزّعامة على قدر نيابته في قيادة الاُمّة وريادتها .

 الولاية في القرآن  :

   وقد فصّلت في هذه الآية : (يا أ يُّها الّذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول واُولي الأمر منكم )(1) الولاية بوضوح :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء : 59 .

ــ[12]ــ

   1 ـ ولاية الله : (هناك الولاية لله الحق )(1) وهي ولاية الإطاعة ، التي تشمل العبوديّة المختصّة بالله .

   2 ـ ولاية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : (النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم )(2) ولاية تمتدّ إلى الأعراض والنّفوس والأموال .

   3 ـ ولاية الإمام (عليه السلام) : (واُولي الأمر منكم )(3) والتلازم بين هذه الولاية والإطاعة ، واشتراكهما بين النبيّ والأئمة للمشاكلة في الولاية ، والمسانخة بين النبيّ وبين خلفائه في العلم ، والقدرة على الإعجاز بإذن الله ; وذلك تصديقاً للنبوّة ، وتثبيتاً للإمامة ، وشرط العصمة ، باعتبارها القائمة على الرسالة على واقعها ، والمحافظة لها .

   4 ـ ولاية الفقيه : فبإذن من الإمام الغائب الذي نصبهم نوّاباً عنه ، ليكونوا حجّة على الناس ، ويكون حجّة عليهم ، وولاية الأفقه هو القدر المتيقّن من الفقهاء  كما مرّ .

   وهكذا تتّسع الولاية المطلقة من غير حدود لله ، وفي حد النبوّة والإمامة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام (عليه السلام) ، وفي حد النيابة العامّة للفقيه الذي قد يُخطئ في فقاهته ويُصيب ، وهو معذور في ذلك . أمّا النبيّ والإمام فهما النص الإلهي الذي لا ريب فيه . وبسط يد الفقيه لا يجعله في مصاف الأنبياء والأئمّة في الحكم والتشريع . والولاية المطلقة لا يمكن انتقالها ـ  بإطلاقها  ـ إلى النيابة الخاصّة ، فضلاً عن النيابة العامّة ، إلاّ على قدر الزّعامة ، وبسط اليد والقدرة .

   ويفصِّل الإمام الصادق (عليه السلام) الفارق بين مدارج هذه الولاية ، واختصاصاتها في هذه الرواية : «إنّ الله تبارك وتعالى أدّب نبيّه، فانتهى إلى ما أراد، قال : وإنّك لعلى خلق عظيم ، ففوّض إليه دينه ، فقال : ما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا»(4). ومعنى ذلك أنّ هذه الولاية لا تنتقل بعينها إلى غيره ; لأ نّه يفقد هذا الخُلق العظيم في الدِّين .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكهف : 44 .

(2) الأحزاب : 6 .

(3) النساء : 59 .

(4) البحار 17 / 5 ـ 6 .

ــ[13]ــ

   وكان يرى الإمام الخوئي : ولاية الله مطلقة بإطلاق ذاته ، وولاية الرّسول متّسعة باتِّساع نبوّته وخاتميّتها ، وولاية الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) قائمة على مستوى إمامتهم ، وولاية الفقيه محدّدة بحدود فقاهته ومسؤوليّته في الزّعامة . إلاّ أ نّه يفقد اُموراً فتقيّد بأمثال هذه الفوارق :

   1 ـ البداءة بالجهاد مختص بالإمام الأصل(1) .

   2 ـ ليس للفقيه ولاية على الفقهاء الآخرين(2).

   3 ـ لا يعفو عن الحدود التي لله من هو دون الإمام (عليه السلام) (3).

   4 ـ للنبيّ والإمام الولاية التكوينيّة (4) .

   5 ـ وحقّ التصرّف في بعض الأحكام الإلهيّة على أساس: (ولاية التفويض) كما مرّ.

   6 ـ إطلاق ولاية التصرّف في الأموال والنفوس للنبيّ والإمام دون غيرهم(5) ، ونفي هذه الولاية للفقيه الجامع للشرائط (6).

   7 ـ لم يُعط الفقيه الولاية التكوينية ، فإنّها مختصّة بالنبيّ تصديقاً للنبوّة ، وبالامام المعصوم تثبيتاً للإمامة .

   8 ـ وليس للفقيه ولاية التشريع ، بل له ولاية الحكم والفتوى ، وهي أقلّ درجة من ولاية التفويض .

 مناقشات حول الولاية المطلقة :

   يذهب عامّة الفقهاء إلى أنّ ولاية النبيّ والأئمة ولاية مطلقة ، تشمل التصّرف في النفوس والأموال . إلاّ أنّ بعضهم يشترط في ذلك مصلحة المسلمين(7) .

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تحرير الوسيلة ، للإمام الخميني 1 / 463 مسألة 2 .

(2) ولاية الفقيه ، للإمام الخميني / 66 .

(3) مباني تكملة المنهاج ، للإمام الخوئي / 177 و 244 .

(4) الحاكميّة في الاسلام / 61 ، نقلاً عن اُصول الكافي 1 / 265 .

(5) المكاسب المحرّمة ، للشيخ الأعظم الأنصاري / 153 .

(6) كتاب البيع ، للإمام الخميني 2 / 489 .

(7) الحاكمية في الاسلام ، موضوع ولاية التصرّف في النفوس والأموال ، نقلاً عن المحقِّق الأيرواني في حاشية المكاسب / 155 .

ــ[14]ــ

   والواقع : انّ مقتضى النبوّة والإمامة : أن يتصرّف النبيّ والإمام في النفوس والأموال بكلّ ما هو من مصلحة المسلمين . على أنّ ولاية الله المطلقة ـ  عدا ولاية العبوديّة  ـ هي التي انتقلت إليهم ، فلا يمكن تحديدها ، أو تقييد اطلاقها بشيء من التضييق .

   ومن الغفلة عن مقام النبوّة والإمامة أن نتصرّف في ولايتهم ، بمصلحة ـ  نقدِّرها نحن بعقولنا  ـ وإن أمكن من جهة اُخرى ، إناطة ذلك بما هو الضروريّ من التصرّف . ومن المصلحة أن تكون ولايتهم نافذة على الاُمّة ، من دون تصرّف منّا في إطلاقها وسعتها .

   ويفرِّق العلاّمة بحر العلوم بين ولاية التصرّف بمعنى نفوذ تصرّف النبيّ والإمام في نفوس الرعيّة وأموالهم ، فله ذلك ، وبين أن تكون له أنحاء التصّرف فيهم ، حسبما تتعلّق به إرادته ، لعدم نهوض الأدلّة عليه(1) . وذلك بمعنى الفرق بين فعليّة النفوذ وشأنيّته ، ولعلّه يشير بذلك إلى اقتضاء التصرّف وضرورته ـ  كما قلنا  ـ وحينئذ يلزمه اطاعته .

 ولاية الفقيه  :

   أمّا عن الولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط ، فيجيب الإمام الخوئي على ذلك بقوله : (في ثبوت الولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط خلاف ، ومعظم فقهاء الإماميّة يقولون بعدم ثبوتها . وإنّما تثبت في الاُمور الحسبيّة فقط) (2) .

   وهو وإن لم يرجِّح أحد القولين في هذا المقام ، إلاّ أ نّه يوجب إقامة الحدود (حفظاً للنظام) ، والحدود لا يمكن أن يقيمها إلاّ الحاكم المبسوط اليد . ولا يتأتّى ذلك بيسر إلاّ بعد إقامة حكم إسلامي يقوى على ذلك . ولهذا نعرف مدى رأيه في اتّساع الاُمور الحسبيّة ، وولاية الفقيه .

   ففي كتاب القضاء يصرِّح : (القضاء واجب كفائيّ ، وذلك لتوقّف حفظ النظام المادي والمعنوي عليه)(3).

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بلغة الفقيه 3 / 217 .

(2) مسائل وردود 1 / 5 ، فتاوى الإمام الخوئي وآراؤه .

(3) مباني تكملة المنهاج 1 / 40 .

ــ[15]ــ

   وفي مكان آخر يصرِّح أيضاً : (يجوز للحاكم الجامع للشرائط إقامة الحدود ... إنّ إقامة الحدود إنّما شرّعت للمصلحة العامّة ، دفعاً للفساد ، وانتشار الفجور والطّغيان بين الناس . وهذا ينافي اختصاصه بزمان دون زمان . وليس لحضور الإمام دخل في ذلك قطعاً . فالحكمة المقتضية لتشريع الحدود تقتضي بإقامتها في زمان الغيبة ، كما تقتضي بها زمان الحضور ...) (1) .

   وعلى هذا الاتساع في ولاية الاُمور الحسبيّة تفرّد الإمام الخوئي بالقول ـ  في عصرنا الحاضر  ـ بوجوب الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة : (... إنّ الظاهر عدم سقوط وجوب الجهاد في عصر الغيبة ، وثبوته في كافّة الأعصار لدى توفّر شروطه ... إنّا لو قلنا بمشروعيّة أصل الجهاد في عصر الغيبة فهل يعتبر فيها إذن الفقيه الجامع للشرائط أو لا ؟ يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) ، اعتباره بدعوى عموم ولايته بمثل ذلك زمن الغيبة . وهذا كلام غير بعيد ... فانّه يتصدّى لتنفيذ هذا الأمر من باب الحسبة ، على أساس أنّ تصدِّي غيره يوجب الهرج والمرج ، ويؤدِّي إلى عدم تنفيذه بشكل مطلوب كامل) (2) .

   وفي أهميّة حفظ النظام ، وحتى في توقّفه على لزوم تعاطي حرفة الطبابة ، يُفتي : (فانّها وإن كانت واجبة بالعرض باعتبار توقّف النظام عليها ، كسائر أنواع الحرف والصناعات الدخيلة في حفظ النظام...) (3) ، يجوز أخذ الاُجرة على الطّبابة ، وإن كانت من الواجبات الكفائيّة ، ضماناً لحقوق الفرد والمجتمع ، وذلك لاستتباب النظام .

   ثمّ على أساس شمول هذه الولاية الحسبيّة ـ  أيضاً  ـ جميع الاُمور العامّة للمسلمين ، السياسيّة منها ، والاجتماعيّة ، والدينيّة والجهاديّة والقضائيّة : قام الإمام الخوئي ـ  فيما قام به  ـ من إصدار أحكام سياسيّة ، عُرِفَ بها .

   وولاية الحسبة كما عرّفها تلميذه ومقرِّره في التعليق على أبحاثه في الاجتهاد والتقليد :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مباني تكملة المنهاج 1 / 224 مسألة 177 .

(2) منهاج الصالحين ، للإمام الخوئي ، ج 1 ، قسم العبادات ، 365 ـ 366 .

(3) مستند العروة الوثقى ، كتاب الإجارة ، باب أخذ الاُجرة على الطبابة ، من تقريرات الأبحاث الفقهيّة للإمام الخوئي . رجعتُ إليها (سلسلة مفاهيم اسلامية) برقم (50) في كرّاسة (الملامح الأساسيّة لنظريّة السوق التجارية في الاسلام) / 6 .

ــ[16]ــ

(هي بمعنى القربة المقصود منها التقرّب إلى الله تعالى ، وموردها هي : كلّ معروف علم إرادة وجوده في الخارج شرعاً من غير موجد معيّن) (1) .

 الثالث  ـ المرجعيّة العُليا :

   والحق : أنّ المرجعيّة العُليا ـ  تلك التي تمثِّل النيابة العامّة  ـ وإن لم تكن كالحكومة الاسلاميّة في بسط يدها ، إلاّ أ نّها استطاعت ـ  طوال التاريخ  ـ أن تسعى لحاكميّة الاسلام في أعماق المجتمع الاسلامي .

   وكانت هذه المرجعيّة منذ عصر الغيبة الكبرى تنوب عن الإمامة ، بالنيابة العامّة . فكان الكيان الديني الذي خلّفه الإمام الغائب ، فأصدر توقيعه الشريف فيها : (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنّهم حجّة عليكم ، وأنا حجّة الله عليكم) (2) .

   وممّا يبعث على التفسير والتحليل أكثر فأكثر هو الإشعار بـ (الحوادث الواقعة التي لا بدّ وأن تكون الحوادث السياسيّة والاجتماعيّة ، وهي من أهم ما ينتاب حياة المسلمين في كلّ عصر ، وإلاّ فإنّ أحكام العبادات ـ  مثلاً  ـ لا يعنيها هذا النص ، كما أنّ الاشعار بقوله : (فارجعوا فيها) إليهم هو الذي ولّد لهم أرضيّة هذه المرجعيّة ، فأطلق عليهم ـ  بعد ذلك  ـ مراجع الدِّين ، تسمية خاصّة بهم .

   فالمرجعيّة المتأصِّلة ـ  كانت ولا تزال  ـ هي الحافِظَة للاسلام وكيان المسلمين ، تُدافع عن حقوقهم ، وترعى مصالحهم ، وتدير الحوزات العلميّة ، ومراكز التعليم والثفاقة ، وتُعدّ الفقهاء ، والنوّاب المأذونين ، ومراجع التقليد ، وقادة المسلمين الذين يقفون دون انهيارهم في الفكر والعقيدة ، ويدعمهم باستقلال الرأي أمام المذاهب والتيّارات ، وحيال السلطات الجائرة ، والحكومات الظّالمة ، يحكم فيهم بشرائع الله وسننه ، وهي التي تقيم لهم الحكومة الاسلامية العتيدة .

   وأمر التقليد في هذه المرجعية ، كان العامل الجذري في هذه الحاكميّة ، إذ لم تُقبل أفعال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فقه الشيعة (الاجتهاد والتقليد) ، تقرير آية الله الخلخالي لأبحاث اُستاذه الإمام الخوئي .

(2) وسائل الشيعة ج 18 باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 9  .

ــ[17]ــ

المكلّفين إلاّ بالتقليد ، والرّجوع إلى الفقيه الجامع للشرائط ، وهو معنى حاكميّة الاسلام على المسلمين ، كما هو السبيل الأقوم إلى وحدة المسلمين تحت راية واحدة ، وشدّهم إلى الاسلام .

   وهذه المرجعيّة ـ  منذ الغيبة الكبرى  ـ هي التي اُذِنَ لها أن تخلف الإمام الغائب ، وتُباشر حاكميّة الاسلام ، وتُفقِّه المسلمين ، وتوعِّيهم بالدِّين .

   وقد عهد إلى المسلمين أن يستظلّوا بها ، إنقياداً للنيابة العامّة ، في إطار المرجعيّة العُليا ، التي وضع خطوطها وخيوطها الإمام الغائب (عليه السلام) ، فهي وإن لم تكن لتقيم الحكومة الاسلامية في أكثر أدوارها ، إلاّ أ نّها كانت تُعنى بحاكميّة الاسلام ، وإعلاء كلمة المسلمين .

   والواقع : إنّ هذه المرجعيّة العُليا : هي التي أقامها الإمام الغائب لشيعته خلفاً له على المسلمين .

 مُعطيات مرجعيّة الإمام الخوئي العُليا  :

   وعندما انتهت إلى الإمام الخوئي هذه المرجعيّة العُليا ـ  بكل معضلاتها وثقلها  ـ في جيل مُثقل بالضغوط والإعصار والملابسات ، أخذ يتابع في خطواته سيرة الأئمّة المجاهدين ، وسياستهم في مختلف أدوار حياتهم وإمامتهم في إدارة هذه المرجعيّة ، والنهوض بها ، لهدف حاكميّة الاسلام ذاتها .

   فكان من الأئمّة من يُجاهد في سبيل الله بالسيف ، وكان منهم من يُصالح أعداء الاسلام ومناوئيه حقناً للدِّماء ، وصلاحاً للمسلمين ، وكان منهم من يشهر سلاح العلم والعقيدة ، وكان آخرهم من جعل النيابة العامّة سبيلاً إلى إمامته حتّى ميعاد ظهوره وقيامه .

   وكان الإمام الخوئي ـ  وهو عالم بزمانه  ـ (1) يقيِّم هذه الأدوار التي عاشها ، وقام بمسؤوليّاته فيها ، قد تبنّى كل ذلك ، من دعم للجهاد ، ونهوض بالعلم ، واستجابة لحاجات المسلمين العقيديّة ، والثقافيّة ، والسياسيّة ، والإجتماعيّة . كلّ ذلك في اطار هذه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تحف العقول ، للحرّاني  / 261 .

ــ[18]ــ

المرجعيّة ، تلك التي اتّسعت أرجاء العالم ، الذي يعيش فيه المسلمون ، تحت وطأة مختلف الأنظمة والسّلطات الجائرة .

   وظلّ الإمام الخوئي المرجع الأعلى للمسلمين ، يحتل صدارة المرجعيّة علماً وعملاً وجهاداً ، وسيظلّ ما تركه من آثار لا تمحوها الأيّام ، مناراً على قمّة الحوزات العلميّة الخالدة . وقد ألحق بها  كثيراً من الجهد الاجتماعي والثقافي ، يتّسع لمشاريع إنسانيّة ترعى مصالح المسلمين في أنحاء العالم .

   وكانت تتّسع مرجعيّة الإمام الخوئي ما اتّسع الاسلام من شموليّة وتعميم لكل الشؤون ، في كل ما يرجع إلى نصرة الاسلام ، في عامّة الميادين ، ويتمثّل في :

   1 ـ الجهاد العلمي : فيما خلّف من آثار علميّة ، أعدّ بها العلماء والمجتهدين ، ومراجع الدِّين ، وفيما خلّف من ابتكارات في الرأي والمبنى ، وإبداعات في العلوم الاسلامية وتطويرها .

   2 ـ الجهاد السياسي : في دعم الحركات الاسلاميّة ، التي لاذت بالمرجعيّة ، وانطلقت منها لصالح الاسلام والمسلمين .

   3 ـ الدّعم الثقافي : في إيجاد المؤسّسات الثقافية ، والتعليميّة ، ومكتبات عامّة ، ومدارس مرحليّة ، ودور للنّشر ، ومراكز للعبادة في مختلف عواصم العالم . وفي المحتوى الثقافي أيضاً ، أن أناط إلى أحد تلاميذه : أن يضع رسائل مشبعة في الاُصول الاعتقاديّة : من المبدأ والمعاد ، والنبوّة ، والإمامة ، والعدل الإلهي ، وحياة المهدي المنتظر ، بإسلوب عصري يلائم ثقافة الشباب المتطلِّع في البلاد الاسلامية . فتناولها الشباب الجامعي قبل غيرهم ، بكل إعجاب وتقدير (1) .

   4 ـ الدّعم الإجتماعي : في إيجاد مبرّات خيريّة ، ومراكز صحيّة ، وإمدادات إجتماعيّة ، ومجتمعات سكنيّة انتشرت في عواصم العالَم (2).

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتبها العلاّمة الشيخ محمّد حسن آل ياسين ، نجل آية الله العظمى شيخ الفقهاء  الشيخ محمّد رضا آل ياسين ، ووضع مقدّمتها الكاتب .

(2) وأهم هذه المؤسّسات : مؤسّسة الإمام الخوئي المركزيّة في لندن ، بنظارة نجليه الفاضلين الاستاذ السيِّد عبدالصاحب والعلاّمة السيِّد عبدالمجيد الخوئي .

ــ[19]ــ

   5 ـ الدّعم الإقتصادي : في تدويل الأموال والوجوه الشرعيّة من الطّبقات المُتْرفة والمُرفّهة إلى الطّبقات المُعدمة والمُعسرة . والعمل على أن يكون بيت المال ثروة عامّة تجري في عروق المجتمع ، وتدور في قلب الحوزاة العلميّة ، لتكون غنيّة عن سطوة السلطان ، بعيدة عن نفوذه .

 مسؤوليّات مرجعيّة الإمام الخوئي  :

   وكان الإمام الخوئي : زعيماً حكيماً ، حديد النظر ، عالماً بزمانه ، يترسّم خطى الأئمّة الهداة (عليهم السلام) واحداً بعد آخر ، فيما يشبه زمانه بزمانهم ، يتصرّف في الاُمور وفق تصرّفهم حراسةً على حياة المسلمين العقليّة والثقافيّة والعقيديّة .

   كما كان يرى : أنّ الحوزة العلميّة حصناً للإسلام ، ومنطلقاً للصمود ، باعتبارها وديعة الإمام الغائب ، على امتداد الغيبة الكبرى .

   كان يرى أنّ المرجعيّة هي المسؤولة عن المسلمين ، وهي ترعى واقعيّتين :

   1 ـ واقعيّة مكنونة : (وليكون الدِّين كلّه لله )(1) والله هو الحافظ لها : (وإنّا نحن نزّلنا الذِّكر وإنّا له لحافظون )(2) وقد أوعد أ نّه يحفظه بحراسته وصيانته .

   2 ـ واقعيّة إعتقاديّة : وهي التي ينبغي للناس أن يحافظوا هم عليها (إنّ الله لا يغيِّر ما بقوم حتّى يغيِّروا ما بأنفسهم )(3) .

   فإنّ ما يداهم الناس من أخطار على الدِّين فهي على ما عند الناس من دين وإيمان وعقيدة . وأمّا ما هو الحجّة عليهم ، فلا تناله الأخطار : (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه )(4) ، وإنّما يأتي الباطل ـ  من كلّ حدب وصوب  ـ على ما عند الناس من دين وإيمان .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأنفال : 39 .

(2) الحجر : 9 .

(3) الرّعد : 11 .

(4) فصِّلت : 42 .

ــ[20]ــ

   وقد أدرك الإمام الخوئي هذه الأخطار فأقدم على دعم الدِّين على صعيدين :

   1 ـ صعيد الكتاب والسنّة بما أحيى من علوم القرآن ، وبما بنى على الكتاب والسنّة من أحكام .

   2 ـ وعلى صعيد الدعّوة إلى الاسلام ، ونصرة الدِّين وإعزازه ، ونصرة المسلمين وحمايتهم .

 بين الحكومة الإسلاميّة وحاكميّة الإسلام  :

   كانت ولا تزال ـ  هذه المرجعيّة العُليا  ـ تستهدف حاكميّة الإسلام في أوساط المسلمين . ومن هذا المنطلق : يظهر أنّ هناك فرقاً بين الحكومة الاسلاميّة ، كدولة ذات سيادة واستقلال، وبين حاكميّة الاسلام، كعقيدة ومبدأ يعتنقه المسلمون، ويتعبّدون به .

   وعلى أساس هذا الفارق ، فأيّتهما تكون : الهدف والغاية وأيّتهما تكون الوسيلة والطريق :

   1 ـ البُنية الشكليّة : وهي التي تتقوّم بالسلطات التنفيذيّة ، والأنظمة الإداريّة ، والطّاقات البشريّة ، المجنّدة لها .

   2 ـ البُنية التحتيّة : وتتقوّم بالرسالة الاسلاميّة ، المتمثِّلة في التشريعات الإلهيّة ، والأحكام الدينيّة ، والمفاهيم الإعتقاديّة .

   وفي الحقيقة : إنّ البنية الاُولى : هي الوسيلة والطريق ، والبنية الثانية هي الهدف والغاية .

   وكلّما كانت الوسيلة أتقن وأقوم كان الوصول إلى الهدف أقرب إلى المستوى المنشود . ثمّ إنّه قد لا تتوقّف حاكميّة الاسلام ونفوذه الواقعي على إقامة حكومة إسلاميّة ذات بنية شكليّة ، عندما تتعذّر إقامتها ، شأن جميع الأديان السماويّة ، التي فقدت شكليّة الحكم في عمل الأنبياء ، خلافاً للدين الإسلامي ، الذي كُتِبَ له الخلود ، فاقتضى ذلك إقامة خلافة إلهيّة تحكم المسلمين ، كما تحكمهم الرسالة الاسلامية نفسها .

   ومن المسلّم : أنّ محتوى الرسالة الاسلامية يبتني على ثلاثة اُمور :

   1 ـ العقائد الاُصول  ، وما نشأ عنها من الفلسفة الاسلاميّة (علم الكلام) وهي تبتني

 

ــ[21]ــ

على محاسبات العقل (1) ، ومأثورات النقل المُعتبر .

   2 ـ الفقه الإسلامي ، وأساسه شرائع الله ، وما يتفرّع عنها من أحكام عامّة تنتظم بها الحياة العمليّة للناس .

   3 ـ الأخلاق الدينيّة ، وهي المناهج السلوكيّة ، والمثل التربويّة ، تلك التي تعمل على تهذيب النفس وتكاملها : «إنّما بُعِثتُ لاُتمِّم مكارم الأخلاق» (2) .

   ومن يدّعي التضلّع في معرفة الاسلام ، وليس له أدنى اختصاص بتلك المحتويات ، فلا يمكن أخذ الاسلام ـ  على واقعه  ـ عنه .

   وتلك هي اُسس الرسالة الاسلامية ومحتواها ، ورسالة الاسلام ـ  بكل أبعادها  ـ هي التي تبعث على مكارم الأخلاق . وفرائضها هي التي تنمِّي هذه المكارم ، فتكوِّن خُلقاً ينطوي عليه الانسان .

   والواقع : إنّ الشريعة الاسلامية هي التي جاءت لتقويم السلوك الانساني مع الانسان الآخر ، ومع نفسه ، ومع الله ، بما شرح له من وظائف سلوكيّة ، وآداب اجتماعيّة ، وتكاليف عباديّة .

   وإنّ الانسان المسلم لا يمكنه أن يرتبط مع الله ، ويكون ظالماً لنفسه ، أو لأحد من عباده ، أو أن يكون ظالماً لله بالشرك والجحود (إنّ الشِّركَ لظلم عظيم )(3) .

   ومن هذا المنطلق يمكن أن توجد حاكميّة اسلاميّة ، دون أن تكون ـ  هناك  ـ حكومة إسلاميّة أو حاكم إسلامي ، كما يمكن أن تكون ـ  بالفعل  ـ دولة إسلاميّة ، ولا تكون للإسلام فيها مصداقيّة ، أو واقعيّة ، تغطِّي حياة المسلمين وشؤونهم ، كما كان الأمر في أكثر الحكومات الإسلاميّة الحاضرة والبائدة .

   ثمّ انّه ما قيمة تلك الحكومات الاسلامية التي تفقد حاكميّة الاسلام وسلطانها ، كأكثر أدوار الخلافة الاسلامية التي اتُّخِذَ الاسلام فيها دعماً لها ، دون أن يُتّخذ الاسلام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع (دراسة علميّة) لكتاب دلائل الصِّدق للإمام الشيخ محمّد حسن المظفّر ج 2 ، ط  دار العلم بالقاهرة ، بقلم الكاتب  .

(2) مكارم الأخلاق ، للطبرسي / 8  .

(3) لقمان : 13 .

ــ[22]ــ

هدفاً يتحقّق في حياة المسلمين .

   وأكثر الحكومات الاسلامية ، كانت تصرف جلّ اهتماماتها وقدراتها للإبقاء على أنفسها ، في مختلف شؤونها السياسية والإداريّة ما كانت تستنزف الجهد المضني في سبيل تركّزها ، ودعم حاكميّتها .

   وانطلاقاً من إحساس الاُمّة الاسلاميّة ـ  في سلفها  ـ بضرورة الحكم الاسلامي الذي بدأه النبيّ ، واستغلّت بعد ذلك بالإجماع الذي رضخ له المسلمون ، واختلفوا أيضاً في مفهومه ومغزاه :

   1 ـ الإجماع ـ  عند الإماميّة  ـ مجراه في فروع الأحكام الفقهيّة ، الكاشف عن قول المعصوم (عليه السلام) ، ووجوده فيه ، ورضاه به ، وذلك بقاعدة اللّطف الإلهي ، وهو دليل حجّيّته ، فهو إجماع فقهي ذو حجّة شرعيّة ينجز العمل به .

   2 ـ الإجماع ـ  عند السنّة  ـ والمراد به طاعة الاُمراء ، وترك الخروج عليهم . ودليل حجّيّته الآيات والروايات (1)  اللاّتي اُقحمت فيه ، وهو إجماع سياسي ، بوصفه مستنداً للخلافة، وتولِّي الاُمور .  وفي واقع الأمر هو دليل نفسه، لضعف الاستدلال بما استدلّ عليه .

   وقد عاش الإمام الخوئي ظروفاً عصيبة ، متشعِّبة الاتجاهات والنّزعات ، وهو يريد للاُمّة عزّتها ، ومنعتها ، وعودتها إلى نهجها الاسلامي القويم ، لتكون كلمة الله هي العُليا .

   على أنّ الإسلام : لم يفقد اُسلوب الحكم السياسي ، والضّمان الإجتماعي الأفضل ، والمذهب الإقتصادي العادل والشامل .

 حياته السياسيّة  :

   وتطالعنا حياته الكريمة بمؤشِّرات ، ونماذج من الجهاد السياسي ، فيما قام به من مناهضات على مستوى الجهاد الديني .

   وكان ينظر إلى عالم السياسة بالنظرة الدينيّة . ويرى عرض السياسة على الدِّين ، وهو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاُصول العامّة للفقه المقارن ، للعلاّمة السيد محمّد تقي الحكيم / 257 و 261 .

ــ[23]ــ

المحكِّم فيهما . ولم ينس المسلمون خروجه على السياسات الاستعمارية القائمة في إيران وغيرها ، وطعنه في مشروعيّتها ، وشجب سياساتها ، والتألّب عليها في تصريحات خطيرة ، قال فيها : (... نحن نقف إلى جانب الشعوب الاسلامية في صراعها مع الحكومات الجائرة . إنّنا ننشد الخير والصّلاح لاُمّتنا . وقد نهضنا للوقوف مع الحق ، وصد تيّار الظلم والخيانة . ونشتدّ في كفاحنا إذا اشتدّ الخطر المحدق بنا . إنّنا لا نتصوّر حكماً أسوأ من التغلغل اليهودي في إيران . إنّنا لا نطالب بدماء الأبرياء بقدر ما نطالب بالأهداف التي قُتِلوا من أجلها . إنّ العلماء الأعلام لا يمكنهم أن يتخلّفوا عن كفاح الاُمّة الإيرانيّة ، أو يعزلوا أنفسهم عن مآسيها . إنّ اليهود لم يتمكّنوا من السيطرة الاقتصاديّة ، إلاّ بعد أن أشاعوا في الشعب الإيراني التحلّل والإنشقاق . إنّ أبشع صور الكبت هو مصادرة الحريّات الدينيّة لشعب متديِّن . إنّ الحكومات التي لا تقوى على حلّ مشاكل الناس ، تجد الحل الحاسم في رفع شعارات الحديد والنار . إنّ الشعب الإيراني يهدف إلى حكم يضمن حرِّيّته ، وإلى حياة تتّسم بالخير والرّخاء . إنّ تنازلنا عن هذه الأهداف معناه توافقنا على هذا الحكم الجائر) (1) .

   وقد خاض الإمام الخوئي معارك إعلاميّة كثيرة في مناهضة الحكم الملكي القائم في إيران ، وأدّى مسؤوليّته في خلق أرضيّة لقيام حكومة إسلاميّة فيها ، تضمن بعث الاسلام من جديد ، وإحياء سننه ، وأحكامه ، وحدوده ، والأخذ بنظمه الاجتماعيّة والسياسيّة والإقتصاديّة .

   وكان يرى : أنّ من أهم مسؤوليّاته في هذه المرجعيّة : التصدِّي للأحداث التي تنتاب حياة المسلمين ، وتعترض سبيلهم . يناضل خصوم الاسلام ، ويدعم الحركات الاسلامية السليمة التي تؤمن بالمرجعيّة ، وتلوذ بها . كما شدّد النكير على السياسات المناوِءة في العراق قياماً بالولاية الحسبيّة ، ومسؤوليّات النيابة العامّة ، تلك التي أوجبت عليه هذه الحماية في الثورة الشعبانيّة ، التي أعلن عنها : (لا شكّ أنّ الحفاظ على بيضة الاسلام ، ومراعاة مقدّساته ، واجب على كل مسلم ، وأهيب بكم أن تكونوا مثالاً صالحاً للقيم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التصريحات الخطيرة حول التغلغل اليهودي في إيران ، للإمام الخوئي ، تقرير الكاتب .

ــ[24]ــ

الاسلامية الرفيعة ، فعليكم الحفاظ على ممتلكات الناس وأموالهم وأعراضهم . وكذلك جميع المؤسّسات العامّة ، لأ نّها ملك الجميع ـ في 18 شعبان المعظّم سنة 1411 هـ ـ النجف الأشرف ـ الخوئي) (1) .

   وقام أيضاً بإصدار حكم سياسي ثوري وتنظيمي لتنصيب هيئة تنفيذية عُليا من العلماء يمثِّلون المرجعيّة الجهادية ، بما نصّ عليه : (فانّ البلاد تمرّ هذه الأيّام بمرحلة عصيبة ، تحتاج فيها إلى حفظ النظام ، واستتباب الأمن والاستقرار ، والإشراف على الاُمور العامّة ، والشؤون الدينيّة ، والإجتماعيّة ، تحاشياً من خروج المصالح العامّة من الادارة الصحيحة الى التسيّب والضّياع . من أجل ذلك نجد أنّ المصلحة العامّة للجميع تقتضي منّا تعيين لجنة عُليا تقوم بالإشراف على إدارة الشؤون كلّها ، بحيث يمثِّل رأيها رأينا ... فعلى أبنائنا المؤمنين إتّباعهم والإنصياع إلى أوامرهم ، وإرشاداتهم ، ومساعدتهم في إنجاز هذه المهمّة ـ في 21 شهر شعبان المعظّم سنة 1411 هـ ـ النجف الأشرف ـ الخوئي) (2) .

   وقد أشاد بمواقفه السياسية في إيران والعراق قائد الثورة الاسلاميّة آية الله الخامنه إي في بيانه الصادر عقب وفاته ما ترجمته : (كان هذا الرّجل العظيم ممّن يعمل منذ بدء النهضة الاسلامية في إيران ـ  بقيادة الإمام الخميني  ـ على توجّهات الحوزة العلمية في النجف إلى حوادث ايران ، إذ كان يسعى ـ  جاهداً  ـ مواكبة هذه الحركة العظيمة لرجال الدِّين والشّعب المسلم ، كما كان في الثورة الدمويّة في رمضان 1413 هـ قطب رحى النهضة الاسلامية ، ومركز صدور الحكم بالقيام الاسلامي في العراق) (3) .

   ومن الخلفيّات السياسية لهذه الحركة أن اغتيل نجله الشهيد ، انتقاماً منه في حادث مفتعل ، بعد رحلة الإمام الخوئي بعامين (4) .

   وكان الاسلام لم يفقد ـ عنده ـ اُسلوب الحكم السياسي ، والضمان الاجتماعي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجلّة الموسم اللبنانية ، العدد 11 ، المجلّد الثالث ، سنة 1412 / 998 ـ 999 .

(2) مجلّة الموسم اللبنانية ، العدد 11 ، المجلّد الثالث ، سنة 1412 / 998 ـ 999 .

(3) البيانيّة الرسميّة الصادرة عن سماحته .

(4) ذكرى السيِّد محمّد تقي الخوئي / 51 .

ــ[25]ــ

الأفضل ، والمذهب الاقتصادي السليم والعادل .

   والاعتقاد بأنّ السياسة لا تجتمع مع الدِّين خطأ محض وفرية على الدِّين ، ما دام الدِّين هو السياسة الإلهيّة في خلقه .

   ثمّ انّ المرجعيّة هي التي تعطي الاُمّة الوعي السياسي ، لما يدور حولها ، والوعي الثقافي والاعتقادي ، وكانت الحافظة عليها بمدادها وجهادها ، وبقائها عبر الأجيال .

   ولم ينس المسلمون ـ  أيضاً  ـ مناهضته للشيوعيّة العالميّة ، بفتواه الخالدة : (الانتماء إلى فلسفة الشيوعيّة كفرو الانتماء إلى مبادئها الإقتصاديّة فسق) .

 خصائصه السلوكيّة والذاتيّة  :

   كان يترفّع عن طلب الجاه ، وحبّ الرئاسة، لايستسيغ لنفسه أن يجري وراء الزّعامة، تلك التي انتهت إليه ، وأتته منقادة طائعة ، وهو راغب عنها ، تعشّـقاً للعلم ، وتفرّغاً للعبادة ، وتقشّفاً في العيش ، وزهداً في الحياة ، وإيثاراً للناس .

   وهكذا عرفته الأوساط العلميّة نادرةً من نوادر العلم والتقوى والإيثار ، وقائداً فذّاً من قادة الرأي ، يمتاز بقوّة الابتكار ، وعمق التفكير ، وتوقّد الذِّهن ، ودقّة الإحساس ، وهي العوامل التي كوّنت منه الشخصية الموهوبة ، والزّعيم الملهَم ـ  كما أسلفنا  ـ   .  وكان عَلَماً من أعلام الإسلام يخفق على قمة الحوزة العلميّة في النجف الأشرف ، تدور على حوزته الدراسيّة رحى التحصيل ، فكان صاحب الآراء القيِّمة ، والنظريّات العلميّة الحديثة .

 سياسته الحوزويّة  :

   والحديث عن حوزته العلميّة ، وما تميّزت به من كفاءات في صياغة أجيال من الفقهاء والمجتهدين ، الذين فقّههم في الدِّين ، وأعدّهم أقطاباً للعلم ، وأبطالاً للحركة ، وقادة للمرجعيّة ، ذلك لأ نّه كانت براعته في تطوير العلوم الاسلامية التي خاضها ; هي التي أمكنته من أن يحدث فيها تفتّحاً علميّاً عميقاً ، درج عليه العلماء من تلامذته ، وهم يفتحون ـ  بدورهم  ـ آفاقاً علميّة جديدة في مختلف العلوم الإسلاميّة ، ومعارفها .

ــ[26]ــ

   وقد أحدث الإمام الخوئي في الحوزة العلميّة حركة علميّة جبّارة ، دفع بأمثال العلاّمة المظفّر إلى أن يضع في اُصول الفقه كتاباً يقارب فيه بين الدراسة على مستوى السطوح ، وبين خارجها ، ينشد فيه الإبداع والتجدّد . ولذلك عرض عامّة الجزء الأوّل من كتابه (اُصول الفقه) على الإمام الخوئي . وكان يلاحظ عليه ما يساعده على إدخال التقارب بين الدراسات الاُصوليّة المختلفة المراحل .

   وقد أشاد الإمام الخوئي في مقدّمة الكتاب بقوله : (إنّ الكتب الاُصوليّة التي نسخ كثير من مسائلها ، وأقوالها ، هي التي يدرسها الطالب المبتدئ والمتوسِّط اليوم ، ولذلك فإنّ الطالب حينما يصل إلى الدرس العالي ، يجد أ نّه لا علاقة بين ما تعلّمه ، وبين ما يتعلّمه . وكنتُ منذ زمن بعيد أرغب أن يؤلّف كتاب في هذا العلم تلائم أبحاثه الأبحاث العالية ، ويعمّم تدريسه على طلاّب العلوم الدينيّة ، حتّى قدّم العلاّمة الحجّة الشيخ محمّد رضا المظفّر ـ  دامت تأييداته  ـ ما رتّبه من مباحث اُصوليّة في القسم الأوّل من كتابه (مبادئ علم الاُصول) ترتيباً جميلاً ، فألفيته ـ  بحمد الله  ـ وافياً بالمقصود ، وجامعاً لموجز من القواعد والاُصول ، التي تدور عليها الأبحاث في عصرنا الحاضر . وجدير بطالب العلم أن يدرس هذا الكتاب ، ليتهيّأ بذلك للإنفتاح على الدراسات العالية . ونسأل الله أن يوفِّق المؤلِّف ـ  دام فضله  ـ لإنجاز القسم الثاني من كتابه . والله وليّ التوفيق ـ حرّره في الليلة الحادية عشر من شهر ربيع الأوّل سنة 1377 هـ ـ الخوئي) (1) .

   على أنّ الكتاب الذي أشاد به ، وأوصى طلاّب العلم بدراسته ، لا يمثِّل كلّه وجهة نظر الإمام الخوئي في علم الاُصول ، وما أبدع فيه من تجديد حرفاً بحرف . ولاُستاذنا الحجّة المظفّر مختارات في الاُصول لم يتخلّ عنها بحال من الأحوال .

   ومن المسلّم : أ نّه تخرّج على يديه العشرات من الفضلاء المبرزين ، الذين بلغ كثير منهم درجة الاجتهاد ، ولتكاثر حوزته ، واتّساع المهاجرين إليها ، لم يعد من المقدور عدّهم وإحصاؤهم ، عدى الأعلام منهم ، ممّن اشتهروا بآثارهم ، وعُرِفوا بمكانتهم في الأوساط العلميّة والمرجعيّة الدينيّة ، وإدارة الحوزات العلميّة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اُصول الفقه، للعلاّمة الشيخ محمّدرضا المظفّر ، مقدّمة الطبعة الاُولى، وكان ذلك بخط الكاتب .

ــ[27]ــ

   ويوعز كلّ ذلك إلى منهجيّة الإمام الخوئي في التدريس ، وطريقته في إعداد الفحول من العلماء . فقد اجتهد في تطعيمهم بالمباني العلمية ، بما يستدر أفهامهم ، ويُضاعف من تفتّحهم ، وحرصهم على التزوّد من العلم . وكان سماحته أهم مصادر الحركة العلمية في النجف الأشرف .

   ومن الأعلام الذين أشادوا بشخصيّته العلمية والتعليميّة ، فقيه أهل بيت العصمة ، بقوله ، (فكم ربِّى بها أعلاماً ، نمّى جوانب عالية في طاقاتهم الراقية ، فرجعوا إلى مقاعدهم المشيّدة ، مبشِّرين ومنذرين بحقائق الشّرع ، وتعليم جوامع الفروع ، أو بقوا إلى حين مدرِّسين في جوامع الحوزة ، أو مصابيح رواق الروضة) (1) .

   وقد ألمح إلى شخصيّته أحد الأعلام من تلامذته : (وكان ـ  أعلى الله مقامه  ـ نموذج السّلف الصالح ، لعبقريّته الفذّة ، ومواهبه الكثيرة ، وملكاته الشريفة ، التي أهّلته لأن يعدّ من الطليعة من علماء الامامية ، الذين كرّسوا حياتهم لنصرة الدِّين والمذهب) (2) .

   وقد قدّر أحد تلامذته النابهين ـ  وهو السيِّد الشهيد الصّدر  ـ مكانة اُستاذه ، قائلاً : في علاقاته الرّوحية معه : (... هي من أشرف وأطهر وأقدس العلاقات في حياتي ... هذا الاُستاذ الذي بصرتُ نور العلم في حوزته ، وذقتُ معنى المعرفة على يده . وإنّ أعظم ما ينعم الله على الانسان ـ  بعد الإيمان  ـ العلم ، ولئن كنتُ قد حصلتُ على شيء من هذه النعمة ، فإنّ فضل ذلك يعود إليه . فلستُ إلاّ ثمرة من ثمرات جهوده ، وفيضه الشريف ، وولداً من أولاده الروحيين) (3) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجلّة النور ، العدد 17 ، السنة 1413 هـ  ، من بيان آية الله العظمى السيِّد البهشتي .

(2) نفس المصدر ، آية الله العظمى السيِّد السيستاني ، وهو اليوم من أشهر المراجع في العالم الاسلامي .

(3) مجلّة الموسم اللبنانية، العدد 11 ، سنة 1412 / 996 .  ورأيت ذلك بخطّ يده ، وفيه اضافات منها : (... إنِّي أتعامل مع السيِّد الخوئي ـ  دام ظلّه  ـ وسأظلّ ـ  كذلك  ـ كما يتعامل الإبن مع أبيه ، والتلميذ مع اُستاذه ، والطّالب مع مرجعه . ولا يجوز مسّ مقام المرجعيّة العُليا ... إنِّي أبتهل إلى المولى سبحانه وتعالى أن يمتِّعنا بدوام وجود السيِّد الاُستاذ والاستظلال بظلّه الوارف والقيام بواجب البنوّة له) .

ــ[28]ــ

   وممّن تحدّث عن شخصيّته من أعلام المدرِّسين ، إذ قال : (وكان في عنفوان شبابه يمتاز بالنّبوغ والذّكاء ، وقوّة الابتكار ، وكانت هذه المزايا هي التي جعلته يبدأ بتدريس الخارج سنة 1350 هـ وكان من تلاميذه البارزين آية الله بهجت) (1) .

   وتحدّث عن مقالاته العلمية والتعليمية اُستاذ جامعي وحوزوي ، حيث قال : (... فمنذ وصولي إلى النجف الأشرف حضرتُ أبحاث عدد كبير منهم ، إلى أن وُفقتُ ـ  بعد جهد واختبار طويلين  ـ أن أختار أوحدهم ، وأعمقهم ، وأدقّهم ، وأكثرهم فائدة ، العالِم الذي استفدتُ منه كثيراً ... ويمكنني القول أنّ شطراً كبيراً من علومي في الفقه والاُصول وغيرهما يعود الفضل فيها إليه ... إنّه آية الله العظمى السيِّد أبو القاسم الموسوي الخوئي) (2) .

   وقد أعطى ستّة إچازات علميّة تشهد باجتهاده المبكِّر ، من أعاظم العلماء ، وجهابذة الأساتذة ، وهم : آيات الله النائيني ، والإصفهاني ، والعراقي ، وميرزا علي آقا الشيرازي ، والسيِّد أبو الحسن الإصفاني ، والشيخ جواد البلاغي ، ترجع تواريخها إلى سنة 1350 ـ 1352 هجريّة ، وهي في غاية الوصف وبالغ التعظيم (3) .

 سياسته الفتوائيّة  :

   كان في سياسته الفتوائية : أن يتحرّز عن الإفتاء بالأحكام الثانويّة ، لأ نّه يرى كفاية الأحكام الأوّلية ، بما سار عليه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في إصلاح المجتمع الجاهلي المتردِّي ، من دون أن يلجأ إلى غيرها من الأحكام الإضطرارية .

   غير أنّ الإمام الخوئي يرى أنّ الأحكام الثانوية البديلة إنّما تكون في ظروفها النادرة بقوّة الأحكام الأوّلية ، من حيث الفعلية والتنجيز ، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بتبدّل الموضوع إلى موضوع جديد ، وتبدّل الأحكام بتبعه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذكرى الامام الخوئي (يادنامه آية الله العظمى خوئى) / 35 ، بقلم آية الله السبحاني ، وهو من أعلام المدرِّسين .

(2) دائرة المعارف الاسلامية ، قسم التحقيقات الاسلامية / 204 ، وهو الاُستاذ الدكتور الشيخ أبو القاسم الكرجي ، اُستاذ في جامعة طهران .

(3) كتاب (مشهد الامام عليّ) ، ترجمة شخصيّة الإمام الخوئي ، بقلم الكاتب .

ــ[29]ــ

 واقع الإجتهاد عند الإمام الخوئي :

   كان يرى : أنّ الإجتهاد يتّسع نطاقه لكل ما يصلح أن يكون من معدّات الإجتهاد ومقوّماته من قريب أو بعيد . إجتهاداً في الفقه والاُصول على مستوى التهذيب والتشذيب ، والإبداع ، واجتهاداً في التفسير ، وخاصّة منها آيات الأحكام ، واجتهاداً في الرِّجال ، بما يخرجها عن حدّ الجمود والتقليد .

   ولو قُدِّر لمجتهد أن يقلِّد فقيهاً في قاعدة من القواعد الفقهيّة ، أو في مبنىً من المباني الاُصوليّة ، أو يتابع رجاليّاً اجتهد في توثيق من التوثيقات ، أو يتعبّد بمذهب من مذاهب المفسِّرين وأقوالهم ، لكان ـ  في نهاية الأمر  ـ مقلِّداً لغيره في أحكامه واستنباطاته وفتواه ، إلاّ فيما هو ضروري أو ثابت . بل لا بدّ لكل مجتهد ـ  مطلق الإجتهاد  ـ من أن يختار اُصوله ومبانيه ، وعامّة ما تسعه رقعة الإجتهاد ، ليصحّ له أن يجتهد من دون تقليد ، ويكون حكمه حكم الله الذي ينبغي أن لا يُردّ .

   وهكذا كان الإمام الخوئي مجتهداً ، بنى اجتهاده على اُصول ومبان جديدة مختارة ، حتّى في معدّات الإجتهاد ومقدّماته ، لئلاّ يكون مقلِّداً في شيء من ذلك ، إلاّ ما هو تعبُّديّ من الدِّين ، أو توقيفي من العلم ، كما ظهر ذلك في ممارسته للعلوم الاسلامية ، التي تناولها من جذورها بالبحث والتدريس ، والعرض الشامل على الطلاّب .

   ولهذا استطاع أن يكون صاحب مدرسة في الإجتهاد ، ونهج في عرض العلوم الاسلامية ، بكلّ دقّة وتفوّق .

 موقف الإمام الخوئي من الإجتهاد السياسي  :

   إنّ الاجتهاد على ضوء السياسة إنّما يرتكز على تغليب السياسة على الدِّين ، وهو من أخطر أنواع الإجتهاد في مقابل النص ، وهو ما كان يأباه الإمام الخوئي .

   على أنّ الشيعة لم تكن لتفصل الدِّين عن السياسة في أئمّتها (عليهم السلام) وقادتها وفقهائها في فقه الإمامة والسياسة . وكان للتشيّع منذ فجر التاريخ الاسلامي رؤية سياسيّة مستقلّة مناهضة لكل السياسات التي تتاجر بالدِّين ، وهي لا تستند إلى ركن ركين . ويرى أنّ في الدين سياسات كفوءة ، قادرة على أن تقود المسلمين إلى حياة حرّة كريمة تغنيهم عن

ــ[30]ــ

الإنصهار في سياسات واردة غير مشروعة .

   وإذا كان الاجتهاد على ضوء السياسة ، ممّا يدفع إلى الاستقلال ، ومقارعة الطّغاة ومناهضة أعداء الدِّين ، في دعاياتهم وسياساتهم ، أو تبرير حكمهم ، فانّ هذه السياسة هي ما وُصِفَ به الأئمة الهداة من أ نّهم «ساسة العباد وأركان البلاد» (1) .

   والعقيدة الشيعيّة لم تر أن تحكّم السياسة على الدِّين ، بل ترى أن تحتكم في أمر السياسة إلى الدِّين . ولم تكن لتغلّب المتغيِّرات السياسية على ثوابت الاسلام ، ومسلّمات اُصوله . وفي رؤية الإمام الخوئي أن يكون الدِّين هو الحكم في السياسة ، والمرجع لها ، حتى تجري السياسة وراء الدين ، ولا يجري وراءها تبعاً لها .

   والعقيدة الشيعيّة ترفض الاجتهاد من أجل السياسة ، المتّخذة لصالح الحكّام ، ولتبرير حكمهم . على أ نّها ـ  كانت ولا تزال  ـ تجتهد في السياسة نفسها على ضوء الدِّين ، وتتعرّف على ما يحيط بها من ملابسات الاُمور ، «العالِم بزمانه لا تهجم عليه اللّوابس» (2) .

 الاتجاهات التجدّديّة  :

   كانت شخصيّته ذات نزعة تجدّديّة خارقة ، ترعى المستجدّات العلميّة والفكريّة ، ويطفو عليها، بما كان يدرك من أنّ الدِّين كلّه ثورة على الأوضاع كلّها. ومن هذا المنطلق، وجد أنّ أفضل الجهاد في سبيل الله أن يبدأه بالعلم والعقيدة ، فألهبت فيه تلك النزعة حركة الجهاد في العلم ، والعمل الجهادي الدائب . وقد استطاع أن يحقِّق بذلك الثورة العلميّة في أروقة العلم والمعرفة .

 منهجيّة الإمام الخوئي في إحياء العلوم  :

   كانت منهجيّته في مختلف العلوم الاسلامية التي مارسها، وأودعها في الحوزة العلمية، هي نزعة التحقيق والابتكار ، والخروج عن الجمود والسلفيّة مهما أمكن .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) زيارة الإمام الهادي .

(2) تحف العقول ، للحرّاني  / 261 .

ــ[31]ــ

 إبداعاته في علوم القرآن  :

   وفي الوقت الذي كان يسعى ـ  جاهداً  ـ للحفاظ على مقدّرات الحوزة العلميّة ، ومتطلّباتها ، وإصلاح مناهجها ، كان يطرح فيها اُمّهات العلوم الاسلامية ، تنشيطاً لحركتها ورسالتها العلميّة والاسلامية ، وفي مقدّمتها دراسته للقرآن الكريم ، والإنارة بعلومه ، في حين كانت الحوزة العلميّة عازفة عن الإهتمام بها ، بما فيها آيات الأحكام ـ  الجانب الفقهي في القرآن  ـ وكانت تتّجه فيها إلى نزعة التقليد ، وفي علم الحديث والرِّجال أيضاً ، وكل ذلك من ركائز الاجتهاد وأركانه .

   فحفّز الامام الخوئي الحوزة العلميّة على أن تتّجه إلى هذه العلوم ، فكان قدوة لها ، وكان من ثمار ذلك ، وإمثولتها ، كتاب (البيان في تفسير القرآن) الذي ألقى الكثير من بحوثها على الفضلاء من طلاّبه ، ليتدرّجوا على اسلوبها ومناهجها ، وكتاب (معجم رجال الحديث ـ وطبقات الرّواة) . كما عقد العزم على إعداد حقل آخر من العلوم الاسلامية ، وهو فقه الخلاف المقارن ، وخاصّة في (فقه القرآن على المذاهب الخمس)(1). إلاّ أ نّه لم تواته ذلك للظروف العصيبة ، غير الملائمة ، من تمزّق الحوزة ، وإجلاء الفضلاء المبرّزين ، ممّن يستطيعون أن يعوا دقائق هذه العلوم ، ويهتدوا إلى لبابها .

 المنهج التفسيري للإمام الخوئي  :

   كان الإمام الخوئي ، وآية الله الطباطبائي مؤلِّف (الميزان في تفسير القرآن) زميلي دراسة في علوم القرآن عند آية الله البلاغي في النجف الأشرف ، وهو إمام المفسِّرين في عصره ، وقد وصفه الإمام الخوئي بـ (بطل العلم المجاهد)(2) .

   وقد غلب ـ  في بعض الأبحاث  ـ الجانب الفلسفي في كتاب (الميزان) ، وغلب على (البيان) الجانب الفقهي فيها .

   (... وعلى ما أعهد ، فانّه كان محيطاً بالأبحاث الفلسفيّة ، إذ كلّما دعت المناسبة ضمن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ مقدّمة البيان (بين يدي الكتاب) ، للسيد الحكمي .

(2) البيان في تفسير القرآن ، للإمام الخوئي / 119 .

ــ[32]ــ

أبحاثه إلى الإشارة إلى المباحث العقليّة ، فانّه يبدي رأيه فيها كخبير مُضْطلع ...) (1) .

   ومن خصائص تفسيره انّه أنكر النّسخ في آيات الأحكام ، تلك التي ادّعي نسخها . وقد عالجها آية آية من الناحية التفسيرية والفقهية ، وأرجع موضوعاتها ، إلى التقييد والتخصيص ، وإخراج الخاص والمقيّد من شمول العام والمطلق ، فيما يصطلح عليه ـ  أيضاً  ـ بالنّسخ الجزئي ، إلاّ في مورد واحد من نسخ الحكم بين آيتين :

   1 ـ الناسخ : آية الاشفاق(2) .

   2 ـ المنسوخ : آية النجوى(3) .

 موضوع الناسخ والمنسوخ  :

   وقد وقع النسخ الثابت في القرآن في مورد واحد بين آيتي النجوى والاشفاق ، إلاّ أنّ مفسِّري أهل السنّة اتّسعوا في هذا النّسخ ، وعدّوا أقسامه إلى ثلاثة :

 1 ـ نسخ التلاوة دون الحكم :

   وهو ما أتى به عمر ، وادّعى أ نّه من القرآن ، فلم يُقبل منه : (إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتّه نكالاً من الله . والله عزيز حكيم)(4) .

   وليس هذا من النّسخ في شيء .

   أ ـ لم يثبت أ نّه آية من القرآن ، ولم يدخل في المصحف ، حتّى يخرج منه . وما هو مرفوض أن يكون من القرآن لا يسمّى نسخاً . وقد ذكر الإمام الخوئي في صيانة القرآن من التحريف : (إنّ القول بنسخ التلاوة ، وهو بعينه القول بالتحريف)(5) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذكرى الامام الخوئي (يادنامه آية الله العظمى خوئى) / 185 ، بيان الدكتور السيِّد جعفر الشهيدي ، من الأساتذة والمحقِّقين في جامعة طهران ، وهو من تلاميذ حوزة الإمام الخوئي في النجف الأشرف .

(2) المجادلة : 13 .

(3) المجادلة : 15 .

(4) البيان في تفسير القرآن / 220 و 304 ـ 305 .

(5) نفس المصدر / 219  .

ــ[33]ــ

   ب ـ وحكم الرّجم إنّما ثبت بالسنّة ، فلم يكن حكماً قرآنيّاً ، حتّى تنسخ تلاوته ويبقى حكمه .

 2 ـ نسخ التلاوة والحكم :

   ويستدلّ على ذلك ينسخ الرّضعات العشر بالرّضعات الخمس التي جاءت بها عائشة .  وادّعت أنّ ناسخها ومنسوخها كلاهما من القرآن : (عشر رضعات معلومات) (1) ، رُويت عن عائشة أ نّها قالت : كان في القرآن أنّ ما يحرم من الرضاع عشر رضعات ، ثمّ نسخ ونزل أنّ ما يحرم خمس رضعات) .

   وعلى رأي الامام الخوئي أنّ هذين القسمين ، يعدّان من القول بتحريف القرآن تلاوة وحكماً (2) .

   وقد علّق الامام الخوئي ردّا على هذا النّسخ : (ومن هنا ذهب إلى كل منهما طائفة فانّه بعد الاعتراف بنسخ التحديد بالعشر ، ونزول التحديد بالخمس كيف يسوغ الافتاء بأنّ الحد هو العشر استناداً إلى القرآن المنسوخ) كما لا يجوز الافتاء بخمس رضعات ولا بالعشر لعدم وجود  هذا النسخ في القرآن (3) .

   ونسخ التلاوة للآية القرآنية بعد نسخ حكمها أمر محال في التشريع ، كما هو الأمر في آيتي النجوى والإشفاق . إذ أنّ الأحكام هي التي تُنسخ ، فتُرفع عن كاهل العباد ، دون تلاوة الآيات المرفوع حكمها ، ليبقى الناسخ والمنسوخ كلاهما من حيث دلالتيهما على النسخ الواقع في القرآن .

 3 ـ نسخ الحكم دون التلاوة :

   ومن أهم ما يستند إلى ذلك ، هو آية النجوى ، وآية الاشفاق . وعلى ما قدّمنا لم يبق من أنواع النسخ في القرآن إلاّ نوع واحد ، وهو نسخ الحكم دون التلاوة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البيان في تفسير القرآن / 223 و 304 .

(2) نفس المصدر / 304 .

(3) أحكام الرِّضاع في فقه الشيعة ، تقرير آيتي الله الأيرواني والخلخالي / 120 ، وهو من أبحاث الامام الخوئي ، وفي مقدّمة الكتاب بقلم : الكاتب / 10 .

ــ[34]ــ

   وذكر مؤلِّف كتاب (النسخ في القرآن) شقّاً آخر من النّسخ ، وهو : (النسخ قبل دخول الوقت) بقوله : (ثمّة واقعة خامسة يستدلّون بها ، هي الإجماع على أنّ الله تعالى أمرنا بالصّوم عاماً ، جاز أن ينسخه بعد شهر واحد ، وذلك نسخ للصوم في باقي العام قبل دخول وقته) .

   ثمّ قال : (بقيت واقعة وحيدة يُروى منها أقوى أدلّتهم ، وهي الصّلوات الخمس المكتوبات للخمسين التي فُرِضَت ليلة المعراج ـ  على ما هو مشهور  ـ في الأحاديث الصِّحاح التي ذكرت قضيّة المعراج ، وما كان فيها من لقاء محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) لموسى (عليه السلام) ، واستتبعه هذا اللِّقاء من تكرار التوجّه إلى الله بطلب التخفيف حتّى أصبحت خمساً ، وكانت خمسين .. وجعل أجرهنّ ـ  مع ذلك  ـ أجر خمسين ... إنّ الحديث يُروى عن الله عزّ وجلّ ، بعد النسخ إلى خمس . أ نّه قال : «هي خمس وهي خمسون لا يُبدّل القول لديّ» ) (1) .

   ونقل مثل ذلك : صاحب البحار عن الصادق (عليه السلام) قال : (جزى الله موسى عن هذه الاُمّة خيراً) (2) .

   وهذا هو معنى البداء الذي تقول به الشيعة ، ويعبِّر عنه القرآن بالمحو والإثبات : (يمحو الله ما يشاء ويُثبت وعنده اُمّ الكتاب ) وهو إثبات تقدير ، ومحوه بتقدير آخر ، قبل نزوله ووقوعه(3) .

   ويمكن أن يُناقش هذا الفرض من النسخ بأ نّه لم تنزل به آية ليتحقّق النّسخ . وقد حدّد الإمام الخوئي معنى النّسخ وعرّفه بقوله : (هو رفع أمر ثابت في الشريعة الاسلامية بارتفاع أمده وزمانه ... وإنّما قيّدناه بالرّفع بالأمر الثابت في الشريعة ليخرج به ارتفاع الحكم بسبب ارتفاع موضوعه ، كإرتفاع وجوب الصّوم بانتهاء رمضان) (4) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النسخ في القرآن ، للدكتور مصطفى زيد 1  /  186 ـ 187 .

(2) البحار 18 / 330 ـ 331 .

(3) البيان في تفسير القرآن / 407 ، راجع تفاصيل موضوع البداء .

(4) البيان في تفسير القرآن / 296 .

ــ[35]ــ

 إعجاز القرآن على مفهوم جديد  :

   وحين تحدّى القرآن بلغاء العرب ، وخفّف عليهم ثقل المعارضة (فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ...)(1)، ودعاهم إلى صنع ما عرض عليهم من نماذج قرآنيّة ليسهل عليهم معارضته ومشاكلته . فالمعنى الجديد في إعجاز القرآن هو إثبات استغناء القرآن عن كل ثقافة ، وحاجتها هي إليه ، وهو فوق الفكر البشريّ وانّه من عالم العلم الإلهيّ المطلق (2) .

 نزعة التعايش المذهبي في تفسيره  :

   نهج هذا النهج الوحدوي في جميع آيات الأحكام التي نسخها المفسِّرون . وقد بدأ بإزالة هذا الاختلاف من رحاب القرآن ، وهو كتاب الهداية والتوحيد . فوضع اطروحته في صيانة القرآن ، وعصمته من التحريف ـ  زيادة ونقصاناً  ـ وقد نهج في التقارب بين المذاهب الاسلامية ، والتخفيف من حدّة التوتّر بينها . وحاول التعايش والوحدة بين طوائف المسلمين ، بالرجوع إلى أصل الاسلام ، وعصر الرسول . وقد عالج هذه الوحدة بتوحيد عقائد الاُمّة وثقافتها من خلال الكتاب العزيز ، وطرح ذلك من زاويتين :

   الاُولى : ما ألقاه خصوم الاسلام من التخرّصات والشبهات حول القرآن ، وقد أكّد في هذا العرض على إعجاز القرآن في حقائقه وتشريعاته وهداياته .

   الثانية : ما أصاب الكتاب العزيز من انطباعات المفسِّرين للآيات التي بدا لهم النسخ فيها ، من دون تمييز بين النسخ الجزئي ، والنسخ الكلِّي . فإن كان النّسخ صحيحاً ـ  عندهم  ـ كان من شأنه تعطيل كثير من الأحكام القرآنيّة ، وسقوطها عن العمل بها ، وإن يكن هذا النّسخ غير صحيح ، فتبقى آياتها متعارضة ، ومختلفة فيما بينها من دون تخريج . وقد عالج الإمام الخوئي تلك الآيات ، ورفع عنها التعارض والتناسخ . وأدلى بعاصميّة القرآن من هذا النّسخ المدّعى .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة : 23 .

(2) راجع مقدّمة البيان (بين يدي الكتاب) ، للكاتب .

ــ[36]ــ

 وجهات النّظر حول تفسير البيان  :

   1 ـ (وسيجد القارئ ـ  أيضاً  ـ أنّ كثيراً ما استعين بالآية على فهم اُختها ، واسترشد القرآن إلى إدراك معاني القرآن ، ثمّ اجعل الأثر المرويّ مرشداً إلى هذه الاستفادة) (1) .

   2 ـ (وإنِّي أسأل الله أن ينفع بكم ، وأن يجعل لكم جهداً مذكوراً ، في جمع الشّمل ، وإنارة الطّريق أمام عامّة المسلمين ، تظلّهم نعمة الاُخوّة ، ويستأنفوا أداء رسالتهم الكـبرى ، في إسـعاد أهل الأرض ، وتحقـيق قوله تعالى : (وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ) (2) .

   3 ـ (وإذا  لم يكن الكتاب فريداً في موضوعاته ، فإنّه يقدِّم للقارئ وجهة نظر المؤلِّف الذي عرف مَن هو ، وما هي مكانته ـ  كما يحمله من حيث يشعر ولا يشعر  ـ على الإيمان بأنّ طبيعة الاسلام لا تنفكّ عن العلم والعقل . وهنا تكن قيمة الكتاب ، وفائدته العلميّة والعمليّة) (3) .

   4 ـ (ويمتاز هذا الكتاب ـ  أيضاً  ـ بمحاولة إسلامية يستهدفها وينشدها ، تلك هي مناهضـته للمنازعات المذهبيّـة التي جعلت من القرآن مسرحاً لها . ومع أنّ آياته الباهرات جاءت هدىً للناس ورحمة ، تدعوهم إلى التوحيد والتماسك ، وتوجِّههم إلى حياة عقليّة واحدة ، تؤطِّر المسلمين ، وتجمعهم على شريعة واحدة ، لئلاّ تفرِّق بهم السّبل ، أو تمزِّقهم الأهواء) (4) .

 تفاعلات حول القراءات والأحرف السّبعة  :

   وقد أحدثت منهجيّته هذه في التفسير تفاعلات حول الأحرف السّبعة والقراءات ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البيان في تفسير القرآن / 22 ، وصف المؤلِّف لتفسيره .

(2) نفس المصدر / 13 ، إشادة العالم الأزهري : أحمد حسن الباقوري  في مقدّمة (بين يدي الكتاب) ، للكاتب .

(3) نفس المصدر / 16 ، إشادة العلاّمة الشيخ محمّد جواد مغنية في مقدّمة (بين يدي الكتاب) ، للكاتب .

(4) نفس المصدر / 13 ، من مقدّمة البيان ـ للسيّد الحكمي .

ــ[37]ــ

ورفض أن تكون متواترة عن الرّسول ، قياساً على تواتر القرآن .

   وقد ناقش الإمام الخوئي أدلّة القائلين بتواتر القراءات ، واستخلص إلى القول : (بأنّ تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات ، لأنّ الاختلاف في كيفيّة الكلمة لا تنافي الاتفاق على أصلها ... وانّ الواصل إلينا بتوسّط القرّاء إنّما هو خصوصيّات قراءاتهم . أمّا أصل القرآن فهو واصل إلينا بالتواتر بين المسلمين) (1) .

   ورضى ـ  في ذلك  ـ بأقوال المعنيين بعلوم القرآن ، من أمثال الزركشي في البرهان : (القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان ، فالقرآن هو الوحي الإلهي المنزل على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) للبيان والإعجاز ، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي في الحروف ... والتحقيق أ نّها متواترة عن الأئمة السبعة. أمّا تواترها عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ففيه نظر)(2) .

   وأنكر الإمام الخوئي حجّيّة القراءات ، واستدلّ على ذلك بقوله : (إنّ كلّ واحد من هؤلاء القرّاء يحتمل فيه الغلط والاشتباه ، ولم يرد دليل من العقل ، ولا من الشّرع على وجوب اتِّباع قارئ منهم بالخصوص) .

   وفي جواز القراءة بها في الصّلاة ، قال : (والحق أنّ الذي تقتضيه القاعدة الأوّليّة هو عدم جواز القراءة في الصّلاة بكل قراءة لم تثبت القراءة أ نّها من النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أو من أحد من المعصومين (عليهم السلام) لأنّ الواجب في الصّلاة قراءة القرآن ، فلا تكفي قراءة شيء لم يحرز كونه قرآناً) (3) ، بل قد تبطل الصّلاة به .

   قال الامام الخوئي : (وقد يتخيّل أنّ الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هي القراءات السّبع ، فيتمسّك لاثبات كونها من القرآن بالروايات التي دلّت على أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف) (4) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البيان في تفسير القرآن / 173 ـ 174 .

(2) نفس المصدر .

(3) نفس المصدر / 183 .

(4) نفس المصدر / 176 .

ــ[38]ــ

مردودات الباحثين :

   وقد ناقش الامام الخوئي ـ  فيما ذهب إليه  ـ باحث مصري(1) بقوله : ويمثِّل رأي الشيعة الإماميّة طرفاً آخر في قضيّة الأحرف السبعة .

   قد عبّر عن رأيهم ـ  في تفصيل ووضوح  ـ السيِّد أبو القاسم الخوئي ، في كتابه (البيان في تفسير القرآن) تناقضات الرواة الواردة عن الأحرف السبعة ، وقال : (قال الصادق أنّ القرآن واحد ، نزل من عند الواحد ، ولكن الاختلاف يجيء من قِبَل الرّواة . وقال ـ  أيضاً  ـ انّ الصادق (عليه السلام) حكم بكذب الرواية المشهورة بين الناس : نزل القرآن بسبعة أحرف، ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد . وقريب من هذا ـ  أيضاً  ـ ما رواه ابن أبي داود ، عن ابن مسعود، حين أعلن رضاه عن جمع عثمان للمصحف)(2).

   واستطرد القول : (أمّا الأساس الذي بنى عليه الشيعة موقفهم من هذا الحديث وغيره هو أنّ المرجع بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في اُمور الدِّين إنّما هو كتاب الله ، وأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرِّجس وطهّرهم تطهيرا) (3) .

   وعلّق على ذلك بقوله : (وهذا القول لم يسلم أيضاً من التناقض ، فالمعروف أنّ ترتيب المراجع في اُمور الدِّين يجعلها هكذا : القرآن ، ثمّ السنّة، ولكنّه جعل النبيّ أوّلاً، ثمّ القرآن ، ثمّ أهل البيت. وعلى أيّة حال ، فإنّ لكل جماعة مسوغاتها في تقرير آرائها) (4).

   وقد فات الباحث : أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو القائل : «إنِّي تارك فيكم الثِّقلين : كتاب الله وأهل بيتي» (5) ، وفي هذا الحديث ـ  أيضاً  ـ تقديم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على القرآن . فأمّا سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الإماميّة ، فهي كل ما أثر منها عن أهل البيت (عليهم السلام) .

   وعقّب ـ  أيضاً  ـ على القول بتناقضات الروايات التي فصّلها الامام الخوئي بقوله : (لا تعدو  أن تكون ملاحظات شـكليّة ، ما دامت نتيجة المواقف ـ  دائماً  ـ الأمر ، أو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ القرآن / 30 ، للدكتور عبدالصبور شاهين .

(2) نفس المصدر .

(3) نفس المصدر .

(4) نفس المصدر .

(5) مناقب عليّ بن أبي طالب ، لابن المغازلي الشافعي / 234 .

ــ[39]ــ

الإخبار ، أو الترخيص بالقراءة على سبعة أحرف . وإنّما يهوّن شأن هذه الشكليّات كثرة الطّرق التي انتقل بها هذا الحديث ، فلا معنى لهذه الكثرة ما لم توجد اختلافات يسيرة ، تنتهي ـ  دائماً  ـ نهاية واحدة ، فالثابت المتواتر ـ  في نظرها  ـ هو هذه النهاية التي أجمع هذا الجمهور من الرواة والأسانيد) (1) .

   ولم يلاحظ مؤلِّف تاريخ القرآن ما أورده الإمام الخـوئي من تصريحات نفاة تواتر القراءات ، من أئمة الحديث ، والتفسير ، وعلوم القرآن ، وما أورده من تضعيف القرّاء عن طرقهم .

   ويهون عليه التناقض ، وهو من القضايا العقليّة الضرورية التي تنتهي إليها بديهيّات الاُمور . وتواتر هذه التناقضات هو الذي يفنِّد تواتر كل واحد من أطراف هذه الأحاديث ، وتناقضات الروايات هو عين اختلاف النصوص في ألفاظها . وذلك هو الذي يهون في شكليّات الأحاديث .

   ومضى في انتقاده أن قال : (وأخطر قضيّة في هذا النصّ ـ  بعد نفي الأحرف الستّة  ـ القول : بأنّ الاختلاف قد جاء من قِبَل الرواة ، وهي لازمة لنفي الأحرف . ومقتضى ذلك القول بعدم التوقيف ، واعتبار ما ورد من القراءات والأوجه في القرآن تحريف وعبث من الرواة . ومعاذ الله أن يُقال هذا بحق أصحاب القرآن ، فهم هم ورعاً وضبطاً في الرواية والآراء ...) (2) .

   ويمكن التعليق على أقواله باُمور :

   1 ـ لم يتّفق القوم على معنى محدّد ومحصلّ للأحرف السبعة ليكون يسراً للاُمّة .

   2 ـ إنّ الاختلافات في مصداقها ، قد أورثت البلبلة ، وجعل الاُمّة في حيرة من أمرها .

   3 ـ إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أورث عترته مسؤوليّة الحفاظ على القرآن : (في كلّ خلف من اُمّتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدِّين تحريف الضّالِّين ، وتأويل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ القرآن / 31 .

(2) نفس المصدر /  25 ـ 26 .

ــ[40]ــ

الجاهلين) (1). ولم يعط هذه المسؤوليّة لأي صحابي ، أو تابعي لهم .

   4 ـ لم يتناقض كل راوية من الصحابة مع نفسه ، ليتّهموا بالتحلّل من الضّبط ، وإنّما اختلف أحدهم مع الآخر . ومحاكمة الأحاديث ونقدها وتمحيصها ، هو غير محاكمة الرّواة وتضعيفهم ، والطّعن فيهم . على أ نّه ليس ذلك ببدع في كتب الرِّجال ، كما مرّ في حقل (أضواء على القرّاء) وتضعيفهم عن طرقهم(2) .

   5 ـ وليس أبدع ، ولا أكثر طبيعيّة من هذا القول : (نزل القرآن على حرف واحد من عند الواحد ، وهو معنى قوله تعالى : (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً )(3) ) .

   6 ـ وإنّ عثمان لم يعد يتحمّل اختلاف النسخ للقرآن ، فأحرقها إلاّ نسخة واحدة ، خوفاً من الاختلاف ، ولم يكن هذا الأمر طعناً في الصحابة ولا في القراءات السبعة ، ولا تعريضاً بأهل القرآن ورواة الأحاديث ، وهو أقوى دلالة ودراية من روايات الصادقين (عليهما السلام) تلك التي أوردها الإمام الخوئي . وقد نقل الدكتور نفسه آنفاً : (وقريب من هذا ما رواه ابن أبي داود ، عن ابن مسعود ، حين أعلن رضاه عن جمع عثمان للمصحف)(4) .

   وقد تمسّك الإمام الخوئي بأقوال أهل البيت (عليهم السلام) (الّذين لا يُقاس بهم أحد وهم موضع سرّه ، ولجأ أمره ، وعيبة علمه ، وموئل حكمه) (5) ، بينما تمسّك الدكتور بنقول الصحابة في مقابل ذلك .

 اشادات المعنيِّين بعلوم القرآن :

   1 ـ أشاد مؤلِّف كتاب تاريخ القرآن في مكان آخر من هذا البحث ، بالإمام الخوئي ، فقال : (وهذه الأوجه السّبعة هي التي صنّفها من قَبل الإمام ابن قتيبة بنصّها ، وإن كان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصواعق المحرقة ، لابن حجر العسقلاني / 90 .

(2) البيان في تفسير القرآن .

(3) النساء : 62 .

(4) تاريخ القرآن / 30 .

(5) نهج البلاغة : الخطبة 2 .

ــ[41]ــ

ابن الجزري يؤكِّد أنّ ذلك عنده من محض معاناته وإمعانه .

   وقد علّق الخوئي على هذا الحصر للأحرف السّبعة ، فيما قرّره ابن قتيبة ، وابن الجزري تعليقاً منطقيّاً ذكيّاً ، فات الأقدمين ملاحظته ، قال : إنّ كثيراً من القرآن موضع اتّفاق بين القرّاء ، وليس مورداً للإختلاف . فإذا أضفنا موضع الاتفاق إلى موارد الاختلاف بلغ ثمانية . ومعنى هذا أنّ القرآن نزل على ثمانية أحرف . وهذا احتمال لم يأخذه القدماء في اعتبارهم ، حين حصروا وجوه الاختلاف) (1) .

   واحتجّ صاحب تاريخ القرآن برأي الإمام الخوئي في صيانة القرآن وعاصميّته من التحريف بالزيادة والنقصان ، وما ورد من إشادات في القرآن لفضائل عليّ (عليه السلام) ، قال : (وبحسبنا في دفع هذه الروايات أن نعيد ـ  هنا  ـ ذكر ما قاله أحد مجتهدي الشيعة المعاصرين ، وهو السيد الخوئي في أثناء حديثه عمّا قيل من أنّ عليّاً (عليه السلام) كان له مصحف غير المصحف الموجود ، وأ نّه كان مشتملاً على ألفاظ ليست موجودة في القرآن الذي هو بين أيدينا ـ  كهذه الابعاض الموضوعة وغيرها ممّا سوف نعرض له  ـ قال : إنّ الصحيح أنّ تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان التأويل) (2) .

   2 ـ وقد أشاد بمنهج الامام الخوئي في التفسير صاحب كتاب (القرآن والتفسير) تحت عنوان (منهج الخوئي في التفسير) ، بقوله : (لقد كانت اُولى علامات المنهج عند السيد الخوئي أ نّه بعد أن عرّف التفسير بأ نّه : (ايضاح مراد الله تعالى في كتابه العزيز) ، قال : (فلا يجوز الاعتماد فيه على الظّنون والاستحسان ، ولا على شيء لم يثبت انّه حجّة من طريق العقل ، أو من طريق الشّرع ، للنهي عن اتِّباع الظنّ ، وحرمة إسناد شيء إلى الله بغير إذنه ، قال تعالى : (قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) وقال تعالى : (ولا تقف ما ليس لك به علم ) ، إلى غير ذلك من الآيات والروايات الناهية عن العمل بغير العلم والروايات الناهية عن التفسير بالرأي) .

   وتحت عنوان (تمسّكه بظاهر القرآن والفرق بينه وبين الرأي) نقل عنه قوله : وقال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ القرآن /  38 .

(2) نفس المصدر / 171 ، نقلاً عن البيان في تفسير القرآن / 172 ـ 173 .

ــ[42]ــ

لا بدّ للمفسِّر من أن يتبع الظواهر التي يفهمها العربي الصحيح ، وقد أقام الأدلّة في البحث الذي خصّصه لحجّيّة ظواهر الكتاب ص 281 وما بعدها من القرآن والسنّة المتواترة ، والعقل ، وأبطل في هذا البحث حجج الذين منعوا من العمل بالظاهر . وهو في هذا البحث فرّق بين التفسير بالرأي المنهيّ عنه ، والتفسير بالظاهر . وذلك لأنّ الظاهر هو التفسير بما يفهمه العرب من اللّفظ ، أو بما تدلّ عليه القرائن المتّصلة والمنفصلة ، فان حمل اللّفظ على ظاهره بعد الفحص عن القرائن المتّصلة والمنفصلة من الكتاب والسنّة ، أو الدليل العقلي لا يُعدّ من التفسير بالرأي . بل ولا من التفسير نفسه ; لأنّ التفسير هو كشف القناع ، فلا يكون حمل اللّفظ على ظاهره تفسيراً ، لأ نّه ليس بمستور حتى يُكشف .

   إذن فهو يرفض التفسير بالرأي ، ولكنّه يقبل التفسير بالظاهر لهذا الفرق بينهما ، الذي يتلخّص في أنّ التفسير بالرأي هو العمل بالعمومات ، أو المطلقات من غير فحص عن المخصّص أو المقيّد ، بينما التفسير بالظاهر أخذ بظاهر اللّفظ ولكن بعد الفحص عن المخصّص أو المقيّد .

   وأدام البحث أيضاً تحت عنوان : (تفسير القرآن بالقرآن) بما صرّح به الامام الخوئي ، وسيجد القارئ أنّ كثيراً ما استعين بالآية على فهم اختها ، واسترشد بالقرآن إلى ادراك معاني القرآن ، ثّم أجعل الأثر المروي مرشداً إلى هذه الاستفادة ، ونجد هذا المنهج شائعاً في تفسيره (1) .

   وكمثل عليه أ نّه ينقل عن الطبري وتفسير البرهان للسيد هاشم البحراني في كلمة الرّحمن الرّحيم : انّ بعض الروايات تقول: الرّحمن اسم خاص معناه عام والرّحيم اسم عام ومعناه خاص ، وانّه مختص بالآخرة أو المؤمنين . فردّ هذه الروايات مستدلاًّ باستعمال القرآن لفظ الرّحيم من غير اختصاص بالمؤمنين ، أو بالآخرة، مثل : (فمن تبعني فانّه منِّي ومن عصاني فانّك غفور رحيم ) ، ومثل : (نبِّئ عبادي إنِّي أنا الغفور الرّحيم ) ، وأمثالها ممّا يدلّ على عدم اختصاص الرّحيم بالمؤمنين ، كذلك فانّ كثيراً من الروايات والأدعية تقول رحمن الدّنيا والآخرة ورحيمهما .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) القرآن والتفسير / للدكتور عبدالله محمود شحاته /  221 .

ــ[43]ــ

   وانتهى إلى البحث تحت عنوان (اعتماده السنّة الصحيحة) : (وهو يعتمد في تفسيره على السنّة الصحيحة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عن أهل بيته (عليهم السلام) الّذي أوصى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بوجوب التمسّك بهم ، فقال : «إنِّي تارِكٌ فيكم الثّقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً ...» مسند أحمد 3 / 12 ، 17 ، 26 ، 59 .

   ولا فرق عنده في السنّة الثابتة بين المتواتر منها ، والآحاد ، فهو يذهب إلى حجّيّة الخبر الواحد الثقة ، ص 423 ) (1) .

   وتحت عنوان : (اعتماد حكم العقل) ، فقال في هذا الباب : (ويتبع المفسِّر ما حكم به العقل الفطري الصحيح ، فانّه حجّة من الداخل ، كما أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حجّة من الخارج ، ص 422) .

   وهذا الذي قاله عن الدليل العقلي هو ما التزم به الشيعة الإماميّة في ذهابهم إلى : حجّيّة العقل ، وجعل الأدلّة عندهم أربعة : الكتاب والسنّة ، والإجماع ، والعقل .

   وشواهد أدلّة العقل في تفسيره ، والإحتكام إلى العقل الفطري السليم أكثر من أن تخص ، ولا حاجة لضرب الأمثال لها ، فانّ أكثر أدلّته عقيلّة) (2) .

   وهكذا اختار الامام الخوئي هذا الاتجاه في التفسير ، خلافاً لما اختاره المفسِّرون من أن يوسعوا آفاق القرآن بآرائهم ، واستحسانهم ، تاركين ألفاظه لله ، ومعانيه لأنفسهم ، وفاتهم أنّ التصرّف في معنى القرآن تصرّف في الوحي بتحريفه عن أكمل وجوه اعجازه ، وبالتالي هبوطه إلى مستوى الفكر البشري القاصر ، وإقصائه عن المسحة الإلهيّة . فكان من الطبيعي أن يختار هذا المنهج في التفسير ، جرياً وراء إعجاز القرآن وخصائص الوحي(3) .

   وقد سُئل الإمام الخوئي عن تفسير القرآن بالقرآن ، فأفتى : (أحسن التفسير تفسير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر /  222 .

(2) القرآن والتفسير / 220 ـ 223 ،  نقلاً عن البيان .

(3) راجع مقدّمة (قبس من تفسير القرآن) للحجّة الشهيد السيّد محمّد تقي الخوئي ـ بقلم السيد الحكمي .

ــ[44]ــ

القرآن بالقرآن ، حيث فهم الآية من خلال آيات اُخرى) (1) .

 من إبداعاته في الاُصول  :

   ولقد أجال النظر في هذا العلم ، سواء فيما يرجع إلى تنسيقه من الخلط والفوضى ، أو ما يرجع إلى تحريره من الحشو والزّوائد . تبنّى فيه مباني بلور حقائقها وأدلّتها حتى انتهى بها إلى غاية ما وصل إليه هذا العلم من تقدّم وتجديد . وكان منها هذه النماذج :

    أ  ـ الوضع : وهذا التلازم بين اللّفظ والمعنى ، يتم ذلك بالنطق من جهة ، والقصد من جهة اُخرى . وعلى أساس هذا الوضع تكون الدلالة الحاصلة بينهما دلالة تصديقيّة ، غير تصوّريّة . ويتعهّد المتكلِّم بها عند النّطق بالألفاظ .

 بدء نشوء اللّغة

   وفي نشوء اللّغة ـ  في صحّة الوضع  ـ أشاد الدكتور الفضليّ بالنظريّة التجريبيّة للإمام الخوئي ، وتفضيلها على نظرية (جسبرسن) الاستقرائية ، من الماحه إلى عزل الأطفال ، قبل تعليم اللّغة من اُسرهم ومحيطهم ، واختراعهم لغة خاصّة بهم(2) .

   والحقيقة : انّه يوم خلق الله آدم وحوّاء ، وأسكنهما الجنّة ، في رغد من العيش ، بعيداً عن معاناة الحياة وملابساتها ، كان لا بدّ من أن ينطقهما ، كما أنطق الله كلّ شيء . (أنطقنا الله كما أنطق كلّ شيء ) (3) ، بل علّمه البيان بمجرّد خلقه : (الرّحمن * علّم القرآن * خلق الإنسان * علّمه البيان ) (4) .

   ويبدو أنّ هذه المعرفة الحياتية ، قد حصل عليها آدم وحوّاء ، واتّسعت ـ  بعد ذلك  ـ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسائل وردود 1 / 144 .

(2) مجلّة النور اللّندنيّة ، السنة الثالثة ، العدد 29 ، السنة 1413 هـ  / 28 . والشيخ عبدالهادي الفضلي من أساتذة الجامعات السعوديّة ، وهو من تلاميذ الإمام الخوئي في حوزته العلميّة بالنجف الأشرف .

(3) فصِّلت : 21 .

(4) الرحمن :  1 ـ 4 .

ــ[45]ــ

في أبنائهما وسلالتهما ، على مستوى ما اتّسعت الحياة ومتشابكاتها ، فكان واضع اللّغة وملهمها هو الله ، بادئ ذي بدء ، ويُؤثر أنّ آدم انّما سُمِّي بآدم ، لأ نّه خُلِقَ مِن أديم الأرض .

   وقد ساعد على ذلك ما أنطق الله الأحجار حين انحدارها من الجبال لطقطقتها ، والأشجار حين اشتدّت بها الرِّيح بحفيفها ، والمياه حين تلاطمت بخريرها ، وكذلك الطيور بزغردتها ، والعجماوات بخوارها ، وعوائها ، وزئيرها ، والرّعد برعديده ، وما إلى ذلك من الأصوات التي صنعت منها أسماء الأصوات التي تحاكيها .

   ومن جهة اُخرى ، إذا كانت أصوات الطبيعة وضجيجها هي الباعث في كلّ لغة ساعدت على وضع كثير من مفرداتها  ـ  لكانت لغة واحدة ، إلاّ أ نّها كانت ولا تزال  ـ مختلفة .

   ولو أ نّها كانت موضوعة على غير انسجام ، لم تكن لها كل تلك الخصائص التي جمعتها على نسق واحد ، ذات هيآت لصيغها المختلفة ، صيغة الماضي والمضارع والأمر ، وصيغ لاسم الزمان ، والظروف المكانيّة ، وأسماء الآلات في أوزان مختلفة ، تختصّ بها دون غيرها . ولذلك وُجِدَت منسجمة ، ومتّسقة غير عشوائيّة . فيها أسرار لغويّة وبلاغية مطردة .

   وهكذا كان المعلِّم الأوّل ، هو الله ، والملقِّن هو الطّبيعة المستعان بها ، وواضعها ـ  قبل ذلك  ـ هو الحكيم العالِم .

   ثمّ استطاع الانسان أن يجد المعاني المجرّدة ، يتلقّى أسماءها ، كالتعبير عن العقل والعلم والفهم والشعور والإدراك ، وهي من الدخائر النفيسة الدفينة ، الوادعة ، التي لا جلبة لها ، ولا ضوضاء .

   ولذلك : فكان من المسلّم أن تكون ـ  هناك  ـ إمدادات غيبيّة مجرّدة ، فُطِرَ عليها الانسان .

   وقد وصل في ذلك إلى وضع لغات غليظة للقوّة الغصبيّة ، باعتبار آثارها من الزمجرة والهياج ، ولصفة الشجاعة ، وما ينشأ عنها من تفاعلات .

ــ[46]ــ

   وكان احتكاك الشعوب بعضها ببعض ، وتعارفها واختلاطها ، وتعاملها فيما بينها ، قد أحدثت التطوّر السريع .

   ولا بدّ لنا أن نقول بارتباط اللّغة بالهندسة الفكريّة ، والوعي الانساني ، واستطلاعاته ، وإلاّ لما كانت ـ  مثلاً  ـ للّغة العربيّة كلّ هذه الضوابط المطردَة ، والقواعد العامّة التي لا تخلو عامّتها من حكمة وتعقّل وتجريد .

 علاقة اللّفظ بالمعنى

   وهناك اتجاهات اُصوليّة ، تعرّض لها علماء الاُصول ، في الترابط بين المعنى واللّفظ ، وتتلخّص في هذه الموارد :

   1 ـ اختصاص اللّفظ بالمعنى بعد الوضع والتخصيص(1) .

   2 ـ جعل اللّفظ علامة على إرادة المعنى (2) .

   3 ـ علاقة اللّفظ بالجعل والاعتبار ، على أساس واقع خارجي(3).

   4 ـ الاتحاد بين اللّفظ والمعنى في عالم الاعتبار(4) .

   5 ـ العلقة الحاصلة بين اللّفظ والمعنى بواسطة جعل اللّفظ(5) .

   6 ـ الرّبط بالملازمة والعلقة الحاصلة بين اللّفظ والمعنى بالجعل(6) .

   إلاّ أ نّه ليست مشكلة البحث ممّا تقتصر على الترابط بين اللّفظ والمعنى ، بعد الاطِّلاع عليها ، بقدر ما تكون المشكلة فيمن وضعها ، وأوجد فيها هذه العلقة والترابط .

    أمّا بعد الوضع ، فلا بدّ وأن يكون بينهما هذا الترابط الدائم ، والعلقة التصوريّة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول .

(2) الإصفهاني .

(3) العراقي .

(4) البجنوردي .

(5) المشكيني .

(6) الخوئي .

ــ[47]ــ

والارتكازية أوّلاً ، ثمّ العلقة التصديقية المتقنة ، بمجرّد تصوّر اللّفظ ، وتداعي المعنى من مرحلة التصوّر إلى التصديق .

    ب  ـ جواز التمسّك بالشبهات المصداقيّة في العام ، بضمّ الوجدان إلى الأصل ، ولو باستصحاب العدم الأزليّ .

    ج  ـ الشهرة غير جابرة للخبر الضّعيف ، إذ لا يمكن لغير الحجّة أن يجعل الغير حجّة ، إلاّ في الموارد التي تكون هذه الشهرة جابرة لنقاط الضّعف ، أو تكون مؤثِّرة على اختلاف مواردها .

 من إبداعاته في الفقه والقواعد الفقهيّة  :

   أ  ـ يرى أنّ المكره على القتل لم يتعلّق به القصاص ، بل يجب عليه إعطاء الدية(1) .

   ب  ـ ضمان العاقلة في دفع الدية حكمه تكليفي ، وهو لا يختلف عن وجوب نفقة الأقارب . أمّا الحكم الوضعي فعلى الجاني نفسه .

   ج  ـ يرى عدم اطلاق قاعدة : «الحدود تدرأ الشبهات» وتختص بمورد معيّن : (المراد بالشبهة عن قصور أو تقصير في المقدّمات الموجبة لسقوط الحد هو الجهل مع اعتقاد الحلِّيّة (2).

   د  ـ موضوع رؤية الهلال : يرى أنّ بداية الشهر القمري بداية واحدة ، لا يمكن أن يكون حلول الشهر القمري حلولاً نسبيّاً يختلف فيه اُفق عن اُفق ، بل يكون خروجه عن المحاق ، ودخوله فيه دفعي غير تدريجي ، حتى يُقاس على مشارق الشمس ومغاربها . وأمّا القمر فإن يدخل في المحاق فهو نهاية شهر منصرم ، وإن يخرج منه فهو بداية شهر جديد ومُقبِل (3).

   هـ ـ عدم تنجيس المتنجِّس .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مباني تكملة المنهاج  ، ج 1 ، مسألة 17 / 13 .

(2) نفس المصدر ، ج 1 مسألة 134 و 169 .

(3) منهاج الصالحين ، قسم العبادات / 278 ،  نقلاً بالمضمون والاختصار .

ــ[48]ــ

   و ـ وعدم تحريم الموسيقى بقول مطلق ، بل بتفصيل يرجع إلى إيقاعها ، وسماعها ، واستعمال آلاتها ، وبيعها واقتنائها ، فأفتى : (تختلف الآلات الموسيقيّة : بعضها لَهويّة ، فلا يجوز استعمالها ولا بيعها ولا شراؤها ، وبعضها الآخر غير لَهوي ، فلا بأس ببيعه وشرائه ، والنوع اللّهوي يرجع وصفه إلى أهل الخـبرة من العُرْف . كما ذكرنا ـ  سابقاً  ـ الموسيقى المحرّمة هي الأغاني التي تناسب حفلات اللّهو والرّقص مثلاً ، ويستعمل لها . وأمّا الألحان غير اللّهويّة فليست محرّمة ، كالتي تُستعمل في العزاء ، أو الحرب ، أو ما شاكلها)(1) .

   ز ـ الافتاء بحرمة التدخين ، مع الإضرار الموجب لحرمته ، وتأثيره على الجنين (2) .

   ح ـ ومسائل ترجع إلى البنوك والشركات ، من المسائل التي تواكب الحياة الحضارية ، ممّا أدّى إلى رفع الحيرة عن المسلمين (3) .

   ط  ـ تطبيقات فقهيّة لقاعدة الإلزام . فلو التزم قوم أو طائفة بقاعدة من القواعد الشرعيّة فانّ لغيرهم إلزامهم بها (4) .

   وقد تطرّق في المسائل المستحدثة إلى أعقد المسائل الفقهيّة التي يواجهها الجيل الحاضر : كالتلقيح الصناعي ، والتشريح ، والترقيع ، والعقم المؤقّت ، وعدم اعتبار الاختبارات الطبيّة في إلحاق النّسب ، والأدوية الممزوجة بمادّة الكحول ، وحكم الشطرنج ، ونقض حكم الحاكم .

   وإحساساً منه بمتطلّبات العصر الحاضر وضروراتها وقيام الحكومات الاسلامية ، والتزام بعضها بإجراء الحدود والتعزيرات ، أ لّف كتاب (تكملة المنهاج) في القضاء المستدلّ .

   ومن القواعد الفقهيّة التي نظر إليها قاعدة (لا ضرر ولا ضِرار) ، واعتبر أنّ قصّة سمرة ابن جندب لا تستند إلى هذه القاعدة بقوله : (فانّ ما يستفاد من الرواية الواردة أمران :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية السائل (استفتاءات الإمام الخوئي) / 171 ـ 173 .

(2) نفس المصدر / 206 .

(3) المصدر السابق .

(4) مسائل وردود ، ج 1 ، وكتاب منية السائل (فتاوى الإمام الخوئي) .

ــ[49]ــ

   أحدهما : عدم جواز دخول سمرة على الأنصاري بغير استئذان .

   ثانيهما : حكمه بقلع العذق .

   والإشكال المذكور مبني على أن يكون الحكم الثاني بخصوصه ، أو منضمّاً إلى الحكم الأوّل مستنداً إلى نفي الضّرر . وكان الحكم الثاني الناشئ عن ولايته على أموال الاُمّة وأنفسهم ، دفعاً لمادّة الفساد ، أو تأديباً له لقيامه معه مقام العناد واللّجاج ، كما يدلّ عليه قوله : (إقلعها وارمِ بها وجهه) ، وقوله لسمرة : (فاغرسها حيث شئت) ، مع أنّ الظاهر ـ  والله العالم  ـ سقوط العذق بعد القلع عن الإثمار ، وعدم الانتفاع بغرسه في مكان آخر ، فهذان الكلامان ظاهران في غضبه على سمرة ، وكونه في مقام التأديب ـ  كما هو في محلّه  ـ لمعاملته معه معاملة المعاند ، التارك للدّنيا والآخرة ، وللإطاعة والأدب معاً ، كما يظهر من مراجعة القضيّة بتفصيلها . فتلخّص : أنّ حكمه بقلع العذق لم يكن مستنداً إلى قاعدة نفي الضّرر) (1).

   ويعتقد انّه اُبيح للنبي ذلك ، منعاً لإيذائه ، والتمرّد عليه ، إلى حدّ أن يكون سمرة مهدور المال في هذه الشجرة ، ومسلوب الملكيّة لها .

 من إبداعاته في الفلسفة الإسلاميّة  :

   كان الإمام الخوئي يحسن الفلسفة ، ويأخذ بها دعماً للدِّين ، ودحضاً للشّبهات ، وقد قرّر عنه أحد تلاميذه موضوع (الأمر بين الأمرين) (2) وهو من مدرسة أهل البيت التي تفرّدت بها ، كما تطرّق إلى أكثر الفلسفات التي عنى بها القرآن ، من أمثال مسؤولية العباد عن أفعالهم ، وعقيدة المحو والإثبات (البداء) ، وأقسام القضاء المحتوم والمعلّق ، وصفات الله الكماليّة والجلاليّة والذاتيّة والأفعاليّة ، تبعاً لما جاء في القرآن (3).

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 / 32 ،  تقرير العلاّمة البهبودي .

(2) الاُستاذ الجعفري ، صاحب الآراء والدراسات الفلسفية العالية .

(3) البيان في تفسير القرآن / 110 ، 407 ، 440 ، 548 ، 549 ، 565 ، 566 ، قسم التعليقات .

ــ[50]ــ

 من إبداعاته في علم الرِّجال  :

   قد يبدو أنّ التحدّث عن رجال الحديث من الحقول الاختصاصية التي لا يمكن أن يتدارسها إلاّ النزر من ذوي الخبرة والاختصاص ، والمتمرِّسين بالمعرفة الرجالية القدامى ، الذين اسبغوا على هذا العلم التوقيفية والتعبّد ، اُولئك الذين ظلّت خبراتهم ، ودراياتهم حجّة قاطعة على من تخلّف عنهم  بينما ظلّت أقوال المتأخِّرين ، وخبراتهم حجّة اجتهاديّة ، يمكن مناقشتها ، والنّظر فيها ، والحكم لها أو عليها .

 علم الرِّجال بين النصّ والإجتهاد  :

   ويمكن أن تكون الحجّة في الأخذ بما ركّز عليه الروّاد الأوائل في الكتب الاُصول ، كأساس موثوق به ، وهو قرب عهدهم بالأئمة والرِّجال ، وبمناهج الحديث ، وطبقات المحدِّثين بالمصادر التي مكّنتهم من المعرفة الخاصّة بأحوالهم .

   كما يمكن أن تكون الحجّة في إمكانيّة النظر والإجتهاد في كلّ ما جاؤوا به من مبان وأحكام على مصائر الرجال ، فيما أمكن لموضوعات هذا العلم من أن تنسلخ عن إطار اُصولها ، وقواعدها التقليدية الموروثة ، ونطاق نصوصها ، وأحكامها التوقيفيّة ، وما أمكن ـ  أيضاً  ـ لتفريعاته ولواحقه من أن تدخل في عِداد المسائل الاجتهاديّة لهذا العلم ، كان ذلك هو الجانب الرِّجالي الذي ظلّت دراسته ، والنظر فيه من مقوّمات الأخذ بالتشريع الاسلامي ، الذي يعتمده المجتهدون في ممارستهم لعمليّات الإجتهاد والإفتاء .

   وما أثبته الرجاليّون القدامى من الترجمة الرجاليّة في حقّ المحدِّثين والرّواة ، فأمر موثوق به ، لا ملزم إلى مناقشته والنّظر فيه . إلاّ أنّ ما وضعوه من القواعد الرِّجاليّة التي استندوا إليها في مجال التعديل والتوثيق فهو أمر يمكن مؤاخذته ، والنقض عليه ، فإنّ هذا الجانب إنّما يستند إلى الرأي والإجتهاد ، ويقع ضمن قاعدة ، أو مبنى رجالي ، لا يتبنّاه الرِّجاليّون المحدِّثون ، أو قد يسعهم مناقشته ، والطّعن في حجّيّته .

   ولا بدّ من أن ندرك أنّ مصادر التشريع واُصوله التي تستند إليه أحكام الفقه الإسلامي ، وإن اختلفت أو تعدّدت ، إلاّ أنّ غالبيّة هذه الأحكام التفصيلية إنّما تستند في تشريعها واستنباطها على مصدر واحد ، يتّسع دوره ونطاقه هو السنّة المرويّة ، فإنّ

ــ[51]ــ

الأخذ بها لا بدّ من أن يتوفّر فيها الدليل المؤمن الذي يضمن سلامتها من الضّعف والدّس ، وصيانتها من الوضع والاختلاق . وعلى هذا الأساس من الحذر والحيطة نشأ البحث على معيار يمكن أن يركن إليه في التأكّد من سلامة سند الحديث ومسلسلاته ، ليضمن حكماً أو بعض حكم من التشريع الاسلامي المطلوب . ومن هنا نتبيّن مهمّة هذا العلم وعطاءاته .

   وقد استطاع الإمام الخوئي أن يطوِّر هذا العلم ، ويجلي الصّدأ عنه ، ويبني قواعد رجاليّة مستجدّة كالتوثيق الجماعي . وقد أقصى من الحجّيّة قواعد مألوفة كالتوثيق بالوكالة الماليّة ومسائل اُخرى كانت من اجتهادات الرجاليين ، يمكن نقضها والخروج عليها .

   كما استطاع أن يبعث على دراسته في الأوساط العلميّة من جديد لعامِلَين :

   1 ـ خلوّ الدراسات الحوزويّة من هذا الاختصاص ، والإعراض عنه .

   2 ـ الإحساس بضرورة دراسته على اُسس جديدة فيما لم يكن توقيفيّاً ، بل اجتهاديّاً منهم .

   وبهذا استطاع أن يكون صاحب نهج مستقلّ في علم الرِّجال ، أو فيمن يروون ، أو روي عنهم .

   وناقش جملة من القواعد الرجاليّة ، التي استند إليها الرِّجاليّون في تقرير مصائر الرِّجال (1) .

   وقد أحدث ذلك هزّة علميّة حول الرِّجال في أروقة العلم ، وخاصّة بين طلاّبه الذين استدرجهم إلى ممارسة هذا العلم النافع ، فظهرت دراسات رجاليّة جديدة في كتب مستقلّة لطلاّبه ، وأهمّها :

   1 ـ تهذيب المقال في تنقيح كتاب الرِّجال ، لآية الله الأبطحيّ .

   2 ـ ثقات الرّواة ، لآية الله السيِّد حسن الموسوي الإصفهاني .

   3 ـ الثقات في أسانيد كامل الزيارات ، لآية الله الشيخ غلام رضا عرفانيان .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الكتاب الأوّل والمدخل ، وما قدّم له بعنوان (على أعتاب الكتاب) ، للكاتب .

ــ[52]ــ

   وبهذا دفع بهذا العلم إلى أجيال علميّة مستقبليّة .

 خاتمة المطاف  :

   لقد اتّخذ كبار الفقهاء المتأخِّرين ، من عصر الفقيه الأعظم السيِّد الطباطبائي اليزدي ـ  العروة الوثقى  ـ مداراً للأبحاث الاجتهادية في الفقه ، تعليقاً عليها ، أو شرحاً لها ، وهي التي استوعبت أكثر الكتب الفقهيّة من تقريرات الإمام الخوئي في هذه الموسوعة من آثاره ، مارس فيها فقاهته ومهارته وأعلميّته ـ  بأعلى المستويات  ـ بقوّة الاستدلال وعمق البحث والمناقشة والاجتهاد ، تلك التي أعدّ بها الفقهاء والمراجع ، ممّن درجوا عليها من تلامذته ، الذين كتب لتقريراتهم ـ  بعد ملاحظة ما تيسّر منها  ـ تقاريظ تليق بشأنهم .

   إلاّ أنّ لزعيم الحوزة العلمية ومبدعها ، أبحاث فقهيّة تقريرية اُخرى ، تدور حول (المكاسب المحرّمة) للشيخ الأعظم الأنصاري ، وهي على قمة من الدقّة والتحقيق ، والدراسة ، والشرح المستوفى بتقرير آية الله المرحوم الشيخ التوحيدي .

   وكان حصيلة جهاده العلميّ والتعليمي ـ  طيلة حياته  ـ أن أصبح جلّ مراجع التقليد المُعلن عنهم من تلاميذه :

   1 ـ سيِّد الفقهاء والمجتهدين آية الله العظمى السيستاني ، من مراجع التقليد المشهورين في العالم الاسلامي .

   2 ـ شيخ الفقهاء والمحدِّثين آية الله العظمى بهجت ، من مراجع التقليد في قم المشرّفة .

   3 ـ المرجع آية الله العظمى الشيخ وحيد الخراساني ، في قم المشرّفة .

   4 ـ المرجع آية الله العظمى الشيخ ميرزا جواد التبريزي ، في قم المقدّسة .

   وكان يرى الامام كاشف الغطاء انّه أعلم معاصريه ، وهو أصغرهم سنّاً ، وأكبرهم حوزةً ، وذلك في بيان صدر ـ  بتوقيعه  ـ في مدرسته العلمية بالنجف الأشرف .

 ــ[53]ــ

 عوداً على بدء :

   وكان الإمام الخوئي على قمّة المرجعيّة العُليا ، ذات النيابة العامّة ، التي خوّلته أن يحمل راية الاسلام ، ورسالته في العلم والجهاد ، والعقيدة والسياسة ، وفي الجهد الثقافي والاجتماعي ، على نحو مشاريع عامّة حقّقت متطلّبات المسلمين في أنحاء العالم جهد المُستطاع ..

   وكانت وفاته ثلمة في الإسلام لا يسدّها شيء ، وإن بقيت آثاره خالدة لا تمحوها الأيّام . وقد وقعت عليه ظلامات كثيرة ، وقضى نحبه وهو مظلوم . والله نسأل أن يجزيه عن الاسلام الجزاء الأوفى .

   وقد قامت  «مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي» بتنسيق هذه الآثار في مسلسل موسوعي تميّز بالتحقيق والضّبط ، والتخريج ، وتصحيح الأخطاء ، وإخراجها بصورة فنيّة ، وطباعة حديثة أنيقة ، وفهارس عامّة ..

   وكان الباعث على هذه الفكـرة حفيد الإمام الخـوئي(1) ، نجل الشـهيد السعيد السيِّد محمّد تقي الخوئي ..

   ويستحقّ هذا الجهد العظيم الذي نهض بأعبائه الأفاضل المحقِّقون ، وبذلوا قصارى جهدهم كلّ شكر وأجر وتقدير ..

   ومن الله نستمد العون ، ونرجو من وليّه الإمام الغائب (عج) القبول والرِّضا .

   والله من وراء القصد .

 مرتضى الحكمي

طهران ـ 1 / ذي الحجّة الحرام / 1417 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فضيلة السيِّد جواد الخوئي .

 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net