التخطئة والتصويب 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 4457


    3 ـ التخطئة والتصويب

   لا شبهة ولا خلاف في الاُمور النفس الأمرية والواقعية الّتي لا يتوقف تحققها على

ــ[23]ــ

اعتبار أيّ معتبر وفرض فارض ، وقد أطبقت كلماتهم (1) على أن العقل قد يصيبها في إدراكه وقد يخطأ بلا فرق في ذلك بين أن يكون الأمر الواقعي من قبيل الجواهر والأعراض كأكثر الموجودات الخارجية وأن يكون من غيرهما ، لأ نّا بيّنا في محلّه أن الاُمور الواقعية قد تكون موجودة في الخارج كالذوات الجوهرية والعرضية ، وقد تكون ثابتة لا موجودة ، وهذا كما في الاستحالة والامكان وغيرهما من الاُمور العقلية ، حيث إن استحالة اجتماع الضدين أو النقيضين ثابتة في الواقع ونفس الأمر من غير أن يتوقف على الاعتبار ، إلاّ أنها ليست موجودة في الخارج كالجواهر والأعراض .

   وكيف كان لا سبيل إلى القول بالتصويب في تلك الاُمور ، لأنه يستلزم اجتماع الضدين أو النقيضين ، فإنه إذا بنى أحد على إمكان إعادة المعدوم مثلاً وبنى آخر على استحالتها لا مناص من أن يكون أحد هذين النظرين خطأً وغير مطابق للواقع ، إذ لازم إصابتهما في كلتا النظرتين أن يكون إعادة المعدوم ممكنة ومستحيلة ، وهذا ما  ذكرناه من لزوم اجتماع الضدين أو النقيضين المحال فالتخطئة في تلك الاُمور مما لا كلام فيه .

   وإنما الكلام في الاُمور الاعتبارية والشرعيات ، وأنها كالاُمور الواقعية مورد للتخطئة أو لا بدّ فيها من الالتزام بالتصويب ؟

   نسب القول بالتصويب إلى جماعة من الأشاعرة والمعتزلة (2) وأنهم ذهبوا إلى أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نعم ، ذهب عبدالله بن الحسن العنبري إلى أن كل مجتهد مصيب في العقليات كما في الفروع . كذا في المستصفى ج2 ص358 وكتاب الإحكام في اُصول الأحكام (للآمدي) ج4 ص239 .

(2) ففي كتاب الإحكام في أصول الأحكام (لابن حزم الأندلسي الظاهري) ج 5 ص 70 : ذهبت طائفة إلى أن كل مجتهد مصيب وأن كل مفت محق في فتياه على تضاده .

         وفي الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج 4 ص 246 : المسألة الظنية من الفقهيات إما أن يكون فيها نص أو لا يكون ، فإن لم يكن فيها نص فقد اختلفوا فيها فقال قوم : كل مجتهد فيها مصيب وأن حكم الله فيها لا يكون واحداً بل هو تابع لظن المجتهد فحكم الله في حق كل مجتهد ما أدى إليه إجتهاده وغلب على ظنه وهو قول القاضي أبي بكر وأبي الهذيل والجبائي وابنه . وقال آخرون : المصيب فيها واحد ومن عداه مخطئ ، لأن الحكم في كل واقعة لا يكون إلاّ معيناً لأن الطالب يستدعي مطلوباً وذلك المطلوب هو الأشبه عند الله في نفس الأمر .

         وفي فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت المطبوع بهامش المستصفى للغزالي ج 2 ص 380 : كل مجتهد في المسألة الاجتهادية أي فيما يسوغ فيه الاجتهاد مصيب عند القاضي أبي بكر والشيخ الأشعري كما قال أهل العراق وقال أهل خراسان لم يثبت عن الأشعري ونسب إلى الإمام حجة الاسلام الغزالي (قدّس سرّه) والمزني من كبار أصحاب الشافعي رضي الله عنه وغيرهما. ولا يذهب عليك ما في هذا القول من الإشارة إلى ضعف هذه النسبة فلا تغفل .

         وهؤلاء ظنّوا أن لا حكم لله تعالى في تلك الواقعات إلاّ أنه إذا وصل رأي المجتهد إلى أمر فهو الحكم عند الله تعالى ... إلى أن قال : وبعض منهم قالوا الحكم من الأزل هو ما أدى إليه رأي المجتهد وعليه الجبائي من المعتزلة ونسبته إلى جميع المعتزلة لم تصح ، كيف والحسن أو القبح عندهم في مرتبة الذات فما فيه حسن واقعي هو الواجب لا يمكن أن يكون محرماً وما فيه القبح الواقعي فهو محرم لا غير ولا ينقلب الحسن والقبح الذاتيان ، وإذا كان كل مجتهد مصيباً فالحق عندهم متعدد فعلى كل من أدى اجتهاده إلى حكم فهو الحكم ، وإذا أدى رأي آخر إلى آخر فهو الحكم عليه ...

ــ[24]ــ

كل مجتهد مصيب ، وتبدل الرأي في الأحكام من باب التبدل في الموضوع كتبدل المسافر حاضراً أو العكس .

   والصحيح أن يقال : قد يطلق التصويب ويراد به أن قيام الطرق والأمارات سبب لحدوث المصلحة فيما أدّتا إليه ، وأن تلك المصلحة تستتبع جعل الحكم على طبقها فلا حكم واقعي وراء ما أدت إليه الأمارة عند المجتهد ، والنتيجة أن الأحكام الواقعية تابعة لآراء المجتهدين ، وجعل الحكم متأخر عن قيام الأمارة عليه ، وهذا هو المعبّر عنه بالتصويب الأشعري إلاّ أنه أمر غير معقول ، وذلك لأنه لو لم يكن هناك حكم مجعول واقعاً قبل قيام الأمارة ، فالأمارة تحكي عن أيّ شيء ، وأنها تؤدّي إلى أيّ حكم وهل يعقل الكشف من دون مكشوف والحكاية من غير محكي ؟ فلو توقف ثبوته على قيام الأمارة عليه لدار ، على أن لازمه اختصاص الأحكام الشرعية بمن قامت عنده الأمارة ، وهو خلاف التسالم والأخبار الدالة على أن لله سبحانه في كل واقعة حكماً يشترك فيه العالم والجاهل ومن قامت عنده الأمارة ومن لم تقم .

   وقد يراد به أن في الواقع أحكاماً مجعولة حسبما فيها من المصالح المقتضية لجعلها

ــ[25]ــ

وهي الّتي تحكي عنها الأمارات ، إلاّ أن قيام الأمارة سبب لحدوث مصلحة فيما أدّت إليه أقوى مما فيه من المصلحة الواقعية ، ولذا يكون الحكم الفعلي المجعول على طبق الأمارة ومؤداها دون الواقع ، لأن الأحكام الواقعية ليست بفعلية بل هي صورية وإنشائية ، ولا تتصف بالفعلية إلاّ فيما إذا أدّت الأمارة إليها فمن لم يقم عنده أمارة على الحكم لم يكن حكم فعلي في حقّه . وهذا هو المعبّر عنه بالتصويب المعتزلي ، وهو وإن كان أمراً معقولاً في نفسه فإنه لا مانع من أن تكون الأحكام الواقعية إنشائية تتوقف فعليتها على قيام الأمارة على طبقها ، وأن تكون مختصة بالعالمين بها دون الجاهلين نظير اختصاص بعض الأحكام ببعض المكلفين دون بعض كأحكام النساء المختصة بهنّ دون الرجال .

   إلاّ أن الاجماع قد انعقد على أن الأمارة لا تكون مغيّرة للواقع ولا تمسّ كرامته بوجه ، بل ادّعى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أن وجود الحكم المشترك بين الجاهل والعالم ممّا تواترت عليه الأخبار والآثار (1) ومعه لا يبقى مجال لتوهم اختصاص الأحكام بالعالمين بها ، بل هي تعمّهم والجاهلين فحالها حال بقية الاُمور الواقعية الّتي قد تصاب وقد تخطأ .

   على أن ذلك هو الّذي تقتضيه إطلاقات الأدلة في نفسها ، كما دلّ على حرمة الخمر ونجاستها أو على مملّكية شيء أو سببيّته للضمان أو غير ذلك من الأحكام ، لأن مقتضى إطلاقها عدم اختصاص مداليلها بالعالمين ، وأن الخمر محرّمة وموت المورّث سبب لملكية الوارث ، علم بهما أم لم يعلم ، قام هناك طريق على الخلاف أم لم يقم هذا .

   وقد يتوهّم أن تعميم الأحكام للجاهلين لازمه اجتماع حكمين متضادين على موضوع واحد وهو مستحيل ، وذلك لأن مقتضى إطلاق الدليل لو كان ثبوت الحكم الواقعي حتى على الجاهلين ، فالجاهل محكوم بذلك الحكم الواقعي لا محالة ، كما أنه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لعلّه (قدّس سرّه) ينظر بذلك إلى الأخبار الآمرة بالتوقف أو الاحتياط أو غيرها مما يدلنا بالدلالة الالتزامية على أن الأحكام الواقعية مشتركة بين العالمين والجاهلين وإلاّ فلم ترد على ذلك رواية واحدة ـ فيما عثرنا عليه ـ فضلاً عن أن تكون متواترة .

ــ[26]ــ

محكوم بحكم آخر يخالفه أو يماثله وهو الحكم الظاهري المدلول عليه بالأمارات أو الاُصول الجارية في حق الجاهل بالحكم الواقعي ، إذن يكون المكلف مورداً لحكمين متنافيين أو متماثلين .

   إلاّ أن هذه الشبهة قد أجبنا عنها في أوائل بحث الظن مفصّلاً وبيّنا أن الأحكام الواقعية غير متنافية مع الأحكام الظاهرية فليراجع(1) هذا كلّه بالإضافة إلى الأحكام الواقعية .

   أما الأحكام الظاهرية فلها مرحلتان :

    مرحلة الجعل : أعني جعل الحكم على موضوعه المقدّر الوجود كما هو شأن القضايا الحقيقية ، سواء أ كان موضوعها أمراً متحققاً وموجوداً في الخارج أم لم يكن له وجود أصلاً ، لأن الحكم إنما جعل عليه على تقدير وجوده وتحققه ، ومن هنا قلنا إن القضية الحملية مرجعها إلى القضية الشرطية وبالعكس .

    ومرحلة الفعليّة : الّتي نعبّر عنها بمرتبة المجعول ونريد بها ما إذا وجد موضوع الحكم وتحقق خارجاً .

   أما مرحلة الجعل فلا ينبغي الإشكال في أن الأحكام الظاهرية كالأحكام الواقعية في تلك المرحلة فقد تخطأ وقد تصاب ، وذلك لأن القول فيها بالتصويب أيضاً يستلزم اجتماع الضدين أو النقيضين ، فترى أن مثل الاستصحاب مورد للآراء المتخالفة ، فمنهم من ذهب إلى حجيته مطلقاً كصاحب الكفاية (2) وغيره ، ومنهم من ذهب إلى عدم اعتباره في الشبهات الحكمية كما اخترناه ، ومنهم من فصّل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع ، ومنهم من ذهب إلى غير ذلك من التفاصيل المذكورة في محلّها . ومن البديهي عدم إمكان مطابقة الأقوال المذكورة للواقع بأجمعها لأنه يستلزم جعل الحجية على الاستصحاب وعدم جعلها ، وهو ما قدّمناه من المحذور فلا مناص من أن يكون أحدها مطابقاً للواقع دون غيره . فالأحكام الظاهرية في مرحلة جعلها مما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 : 109 .

(2) كفاية الاُصول : 387 .

ــ[27]ــ

لا يمكن فيه الالتزام بالتصويب .

   وأمّا بحسب مرحلة الفعلية فالأحكام الظاهرية فيها ممّا لا يتصوّر فيه التردد والخطأ ، ولا بدّ فيها من الالتزام بالتصويب لأن الاختلاف فيها في تلك المرحلة يستند دائماً إلى التبدل في الموضوع ، ولعلّه لأجل ذلك أخذوا العلم في تعريفهم للفقه وقالوا : الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية ... وتوضيح ما ذكرناه : أن أحداً إذا بنى على وجوب الاحتياط مثلاً عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين لمكان العلم الاجمالي بوجوب أحدهما وعدم انحلاله ، وبنى آخر على جريان البراءة عن الأكثر لانحلال العلم الاجمالي باليقين بوجوب الأقل والشك في وجوب الزائد عليه ، أو اختلفا في جريان البراءة عن حرمة وطء الزوجة بعد انقطاع دمها وقبل الاغتسال فقال أحدهما بجريانها لعدم جريان استصحاب الحرمة عنده ، وقال الآخر بعدم جريانها لأنه مورد لاستصحاب الحرمة المتيقنة قبل انقطاع حيضها ، أو اختلفا في غير ذلك من الأحكام الظاهرية فلا ينبغي التأمل في عدم إمكان مطابقة كلتا النظريتين للواقع ، لاستلزامه كون الاستصحاب أو البراءة مثلاً حجة في مورد وعدم كونه حجة فيه ، فاحداهما خطأ بحسب مرحلة الجعل والثبوت فلا مجال للتصويب في تلك المرحلة كما مرّ .

   وأمّا بحسب مرحلة المجعول والوظيفة الفعلية أعني ظرف تحقق الموضوع في الخارج وهو الشك في الاصول ، فليس ما بنى عليه كل منهما قابلاً للتردد والشبهة عنده ، لأن المجتهد إذا بنى على عدم انحلال العلم الاجمالي في المثال فوظيفته الاحتياط لمكان العلم الاجمالي وكونه منجزاً للتكليف ولا يتصوّر في ذلك الخطأ ، كما أن وظيفة من يرى انحلال العلم الاجمالي حينئذ هو البراءة للشك في وجوب الزائد على الأقل بالوجدان ، وكذا الحال في المثال الثاني وغيره من الموارد ، فكل مجتهد عالم بالإضافة إلى الأحكام الظاهرية الفعلية لعلمه بتحقق موضوعاتها ، وهو مصيب فيما هو الوظيفة الفعلية وإن كان يحتمل الخطأ في عقيدته ومسلكه بحسب مرحلة الجعل كما مرّ . إذن صحّ أن يقال : إن كل مجتهد مصيب في الأحكام الظاهرية حسب مرحلة الفعلية والمجعول .

ــ[28]ــ

   وعلى الجملة أن الحكم الظاهري قد اُخذ في موضوعه الشك ، فمن لم يتم عنده انحلال العلم الاجمالي فهو يحتمل العقاب على ترك الأكثر فوظيفته الاحتياط ، ومن أحرز الانحلال فيشمله حديث الرفع وجداناً فهو لا يحتمل العقاب . وكذلك مسألة الحائض فإن من تمّ عنده الاستصحاب لا يمكنه الرجوع إلى البراءة لأنه غير شاك في الحكم ، ومن لم يتم عنده فهو لم يصله الحكم وتجري في حقه البراءة ، إذن لا خطأ في الأحكام الظاهرية في مرحلة المجعول ، وإنما الاختلاف فيها من جهة الاختلاف والتبدل في الموضوع ، هذا كلّه في الشبهات الحكمية .

   وبذلك ظهر الحال في الشبهات الموضوعية لأن من قامت البينة عنده على نجاسة شيء فوظيفته الاجتناب عنه لقيام البينة على نجاسته ، كما أن من لم تقم عنده البينة على نجاسته وظيفته الحكم بطهارته حسب قاعدة الطهارة لتحقق موضوعها بالوجدان ، أعني الشك في طهارته وهو أمر غير قابل للخطأ كما تقدم .

   فالاختلاف في الأحكام الظاهرية من باب التبدل في الموضوع وليس من الاختلاف على موضوع واحد كما في الأحكام الواقعية والاُمور النفس الأمرية .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net