توضيح كلام المحقق الخراساني في المقام 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2227


    توضيح كلام المحقّق الخراساني (قدس سره)

   والظّاهر ـ والله العالم ـ أنّ هذا هو المراد من كلام المحقّق الخراساني (قدس سره) من أ نّه ليس الادبار الّذي يوجب البناء على الإستحاضة كالإقبال كي يعارض به ضرورة أ نّه تبع الإقبال كما لا يخفى على المتأمل (1) .

   ومعنى أنّ الادبار تبع الإقبال أنّ الامارة هي الإقبال ، ومع فقدها نحكم بالإستحاضة لفقدها لا لوجود الادبار ، وإن كان الادبار متحقّقاً وتبعاً للإقبال .

   وهذا نظير ما ذكروه فيما إذا وجد قطعة من الحيوان المذبوح في يد مسلم وقطعة اُخرى منه في يد كافر وشككنا أ نّه هل وقع عليه التذكية أم لم يقع ، فإن قلنا أنّ يد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نقله عن رسالة الدّماء في المستمسك 3 : 282 .

ــ[274]ــ

الكافر أمارة عدم التذكية ويد المسلم أمارة على التذكية فكلّ منهما يتعارضان في مدلولهما الإلتزامي ، لأنّ يد المسلم تدل بالإلتزام على أنّ الحيوان مذكى ، لأ نّها أمارة على التذكية في القطعة الموجودة منه في يد المسلم ، ولازم ذلك الحكم بتذكية الحيوان بتمامه ، لأ نّه إن كان الحيوان مذكّى فهو كذلك في كلتا القطعتين ، وإن لم يكن مذكّى فهو كذلك في الجميع ، ولا يمكن أن يكون بعضه مذكّى وبعضه ميتة ، كما أنّ يد الكافر أمارة على عدم التذكية ، وتدل بالإلتزام على عدم كون الحيوان مذكّى ، إذ لا معنى لعدم تذكيته في خصوص القطعة الموجودة منه في يد الكافر فتتعارضان .

   وأمّا إذا قلنا إنّ الأمارة إنّما هي يد المسلم فقط ، وإنّما نحكم بعدم التذكية فيما وجد في يد الكافر من جهة فقدان أمارة التذكية ـ وهي يد المسلم ـ والإستصحاب حينئذ فأمارة التذكية غير معارضة بشيء ومقتضاها الحكم بتذكية كلتا القطعتين .

   ويرد على ذلك : أنّ ظاهر قوله (عليه السلام) تنظر إقبال الدم وإدباره أنّ كلّ واحد منهما أمارة شرعيّة ، وأنّ الإقبال أمارة على الحيض والادبار أمارة الإستحاضة ، لا أنّ الأمارة هو الإقبال فقط ، فإنّ الحيض والإستحاضة دمان مختلفان يخرجان من عرقين كما في الخبر(1) ، فأحدهما غير الآخر ولكلّ منهما أمارة على حدة ومعه تقع المعارضة بين الدلالتين الإلتزاميتين فتتساقطان ويحكم على المرأة بعدم تمكنها من التمييز بالصفات ، ويتمّ ما أفاده الماتن (قدس سره) من أنّ رجوعها إلى التمييز بالصفات مشروط بعدم كون الدم أقل من ثلاثة أيّام .

    بقي الكلام فيما إذا زاد عن العشرة

   والمحتملات فيه ثلاثة :

   الأوّل : وجوب الرّجوع فيه إلى الرّوايات وجعل ثلاثة أو ستّة أو سبعة حيضاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يمكن إستفادة تلك من معتبرة يونس : الوسائل 2 : 281 / أبواب الحيض ب 5 ح 1 . ومن صحيحة معاوية بن عمار : الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 ح 1 ، ولم نجد بهذه اللّفظة في الأخبار .

ــ[275]ــ

لأنّ الدم واجد للصفات ولا يمكن الحكم بحيضيّة الجميع ، لأ نّه زائد عن العشرة ولا تتمكّن من التمييز .

   الثّاني : ما عن الشيخ (قدس سره) من الحكم بحيضيّة العشرة وبالإستحاضة فيما زاد عليها (1) ، وذلك لأنّ الحيض لا يزيد على العشرة وحيث إنّه واجد للصفات فيحكم بحيضيّته إلى العشرة وعدمها فيما زاد عليها .

   ويرد عليه : أنّ المستفاد من المرسلة أنّ السنن منحصرة في ثلاث ، وهي الرّجوع إلى العادة ، وهذا يختص بذات العادة ، والرّجوع إلى التمييز بالصفات ، وهو يختص بالمستحاضة الّتي لا عادة لها فيما إذا تجاوز دمها العشرة وكان بعضه واجداً للصفات وبعضه فاقداً ، والرّجوع إلى العدد والرّوايات ، وهو يختص بالمستحاضة غير ذات العادة فيما إذا تجاوز دمها العشرة وكان اللّون واحداً في جميع الدم بحيث لم تتمكّن من التمييز .

   فالحكم بجعل العشرة حيضاً دون الزائد سنّة رابعة ، وهو على خلاف حصر المرسلة ، على أنّ ذيلها يدل على أنّ المستحاضة إذا كانت إستحاضتها دارّة وكان بلون واحد فوظيفتها الرّجوع إلى العدد ، ومقتضى إطلاقها الحكم في كلّ مستحاضة بذلك في غير ذات العادة وما إذا لم يكن الدم بلون واحد .

   كما أنّ موثقتي ابن بكير المتقدِّمتين (2) دلّتا بإطلاقهما على أنّ المستحاضة ترجع إلى العدد مطلقاً ، وخرجنا عن إطلاقهما في ذات العادة وما إذا تمكنت غير ذات العادة من التمييز بالصفات ، وبقي غيرهما تحت إطلاقهما ، ومنه المقام لأ نّها مستحاضة ولا عادة لها ، كما أ نّها غير متمكّنة من التمييز ، فما أفاده الشيخ (قدس سره) يشبه الإجتهاد في مقابلة النص فلا يمكن الإعتماد عليه .

   ومن هذا يظهر الجواب عن المحتمل الثّالث في المقام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المبسوط 1 : 44 / في الحيض .

(2) تقدّمتا في الصفحة 266 . وراجع الوسائل 2 : 291 / أبواب الحيض ب 8 ح 5 ، 6 .

ــ[276]ــ

وأن لا يعارضه دم آخر ((1)) واجد للصفات ، كما إذا رأت خمسة أيّام مثلاً دماً أسود وخمسة أيّام أصفر ثمّ خمسة أيّام أسود (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   الثّالث : الرّجوع إلى الأصل العملي ـ أعني استصحاب الحيض بعد الدخول في الثّلاثة الأخيرة من أيّام الدم ، والحكم بعدم التحيّض واستصحاب أحكام الطّاهرة في كلّ ثلاثة ممّا هو قبل الثّلاثة الأخيرة  ـ  ، مثلاً إذا رأت الدم خمسة عشر يوماً فهي في الثّلاثة الاُولى من ابتداء رؤيتها الدم تشكّ في أ نّها حائض أو ليست كذلك فتستصحب الأحكام المترتبة على الطاهرة لكونها كذلك قبل الثّلاثة ، وهكذا الحال في الثّلاثة الثّانية والثّالثة إلى اليوم الثّالث عشر، فإذا دخلت في أوّل آن من آنات الثّلاثة الأخيرة فقد علمت بحيضها قطعاً إمّا في إحدى الثّلاثات المتقدّمة وإمّا في هذه الثّلاثة الأخيرة فتستصحب أحكام الحائض لا محالة ، وذلك لأ نّه من العلم الإجمالي بالتكليف بين الأطراف التدريجيّة الحصول على ما تعرّض له شيخنا الأنصاري (قدس سره) ومثّل له بهذا المثال(2) .

   والوجه في ظهور الجواب أنّ إطلاق الموثقتين وغيرهما ممّا قدّمنا يشمل المقـام ومع الإطلاق لا معنى للرجوع إلى الأصل العملي .

   فتحصل : أنّ الصحيح في هذه الصّورة هو الرّجوع إلى الرّوايات والعدد ، لعدم تمكّنها من الرّجوع إلى التمييز ، فصحّ اشتراط الماتن (قدس سره) في رجوع المضطربة والمبتدئة إلى التمييز بالصفات عدم زيادة الدم عن العشرة .

   هذا كلّه في الشّرط الأوّل .

    الكلام في الشرط الثّاني

   (1) وأمّا الشرط الثّاني وهو الّذي أشار إليه بقوله «وأن لا يعارضه دم آخر واجد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا بدّ من الاحتياط فيما إذا  كان كلّ من الدمين واجداً للصفة .

(2) فرائد الاُصول 2 : 427 .

ــ[277]ــ

للصفات» فهو أيضاً كما أفاده (قدس سره) ، وذلك لأ نّها إذا رأت الدم خمسة أيّام مثلاً
ثمّ رأت الصفرة خمسة أيّام ثمّ رأت الدم الواجد للصفات أيضاً خمسة أيّام فإن الحكم حينئذ بحيضيّة كلاّ الدمين الواجدين للصفات أمر غير ممكن ، لإستلزامه كون الحيض زائداً على العشرة فيما إذا جعلناهما حيضة واحدة ، فإنّ ما هو كالنقاء المتخلّل بينهما أيضاً بحكم الحيض والمجموع خمسة عشر يوماً ، وكذا لا يمكن جعلهما حيضيتين مستقلّتين ، لإشتراط التخلّل بينهما بعشرة أيّام على الأقل ، لأ نّها أقل الطهر ، كما لا يمكن جعل إحدى الخمستين حيضاً دون الاُخرى ، لأ نّه معارض بجعل الاُخرى حيضاً ، لإشتمال كلّ منهما على أمارات الحيض على الفرض ، فلا مناص من أن ترجع إلى الرّوايات والعدد لعدم تمكّنها من التمييز بالصفات ، هذا .

   وقد تفرض المعارضة بين الدمين في غير الصّورة المتقدّمة وإن لم يزد المجموع بما هو المجموع عن عشرة أيّام ، وذلك كما إذا رأت الدم ثلاثة أيّام واجداً للصفات ثمّ رأت الصفرة أربعة أيّام ثمّ رأت الدم الأحمر ثلاثة أيّام ، فإنّ الحكم بحيضيّة الجميع وإن كان أمراً ممكناً في نفسه لعدم تجاوزه عن العشرة ، إلاّ أ نّه غير ممكن من جهة المعارضة وذلك لأنّ جعل الثّلاثتين حيضاً بمقتضى أمارية الصفات وإقبال الدم معارض بالأمارة القائمة على إستحاضة الدم في الأربعة ، لأ نّه مدبر فيها وواجد للصفرة وهما أمارتا الإستحاضة .

   والوجه في تعارضهما : أنّ الإستحاضة أربعة أيّام لا يتخلّل بين حيضة واحدة ، ولا يمكن جعل الدمين حيضتين لكونهما قبل العشرة وعدم تخلّل أقلّ الطّهر بينهما ، نعم لا معارضة بين جعل الثّلاثة الاُولى حيضاً وبين إستحاضة الأربعة ، ولا بين جعل الثّلاثة الثّانية حيضاً وإستحاضة الأربعة ، بل المعارضة بين كون الأربعة إستحاضة وحيضيّة كلا الدمين ، نظير ما ذكرناه في بحث التعادل والترجيح من كون العموم معارضاً بمجموع المخصّصين لا بكلّ واحد من المخصّصين ، وبما أنّ التعارض بين كون الأربعة استحاضة وحيضيّة مجموع الدمين لا بينه وبين حيضيّة كلّ من الثّلاثة فلا مانع من جعل الثّلاثة الاُولى حيضاً مع جعل الأربعة إستحاضة ، كما لا مانع من جعل

ــ[278]ــ

الثّلاثة الثّانية حيضاً ، لأنّ إحداهما حيض إلاّ أنّ كلاًّ منهما معارض بالآخر ، لشمول أماريّة الصفات كلاًّ منهما ، ولأجل المعارضة لا يمكن الرّجوع إلى التمييز بالصفات .

   ويرد عليه أنّ ما دلّ من الأخبار على أماريّة الصفات (1) لا تشمل غير الثّلاثة الاُولى من الدمين في المثال ، ولا تشمل الثّلاثة الثانية حتّى تقع المعارضة بينهما وبين ما دلّ على أماريّة الإدبار أو الصفرة للإستحاضة (2) على التقريب المتقدّم ، ومعه لا مانع من الرّجوع إلى التمييز في الدم الأوّل .

   والوجه في عدم شمول الأدلّة لغير الدم الأوّل ما ذكرناه في الأصل السببي والمسببي من أنّ الدليل الواحد لا يمكن أن يشمل السبب والمسبب ، لأ نّه لغو لأ نّه بعدما ثبت السبب ترتب عليه المسبب شرعاً فلا حاجة فيه إلى الدليل ، ومن هنا قلنا إنّ أدلّة اعتبار الاُصول أيضاً لا تشمل الأصل المسببي بوجه وإنّما تختص بالأصل السببي .

   وفي المقام دلّتنا الرّوايات الواردة في أنّ ما تراه المرأة من الدم قبل العشرة فهو من الحيضة الاُولى (3) على أنّ حيضيّة الدم الثّاني قبل العشرة من الآثار الشرعيّة المترتبة على حيضيّة الدم الأوّل ، ومع العلم بحيضيّة الدم الأوّل نعلم بحيضيّة الدم الثّاني كانت هناك أخبار الصفات أم لم تكن ، فتلك الرّوايات ـ أعني ما دلّ على أمارية الصفات ـ مختصّة بالدم الأوّل ، لأنّ حيضيّته هي السبب في الحكم بحيضيّة الدم الثّاني الخارج قبل العشرة ، فلا يمكن أن تشمل خصوص المسبب دون السبب إذ لا معنى له ، ولا لكليهما لأ نّه لغو ، فلا مناص من إختصاصها بالدم الأوّل كما بيّناه .

   فإذا كان الأمر كذلك فنأخذ بأخبار الصفات ونجعل الثّلاثة الاُولى حيضاً بمقتضى تلك الرّوايات ، ويترتب على حيضيّة الدم الأوّل أثران شرعيان :

   أحدهما : الحكم بحيضيّة الثّلاثة الثّانية ، لأ نّها دم رأته المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة الاُولى .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 275 / أبواب الحيض ب 3 .

(2) الوسائل 2 : 276 / أبواب الحيض ب 3 ح 2 و 4 .

(3) الوسائل 2 : 296 / أبواب الحيض ب 10 ح 11 ، ص 298 ب 11 ح 3 .

ــ[279]ــ

   وثانيهما : الحكم بحيضيّة الصفرة المتخلّلة بينهما ، وذلك لأنّ المرأة لو كانت نقيّـة وطاهرة من الدم كنّا نحكم بكونها حائضاً ، لما سبق من أنّ النّقاء المتخلّل بين الدمين حيض فضلاً عن الصفرة الواقعة بينهما ، لأ نّها ليست بأقل من النّقاء والطهر ، فما دلّ على حيضيّة الثّلاثة الاُولى حاكم على ما دلّ على أماريّة الصفرة للإستحاضة ، كما أ نّه حاكم على ما دلّ على حكم المسبب نفياً أو إثباتاً ، وحيضيّة الصفرة والثّلاثة الأخيرة من آثار الحيضيّة في الثّلاثة الاُولى من الدم .

   ولا عكس ، لأنّ ما دلّ على أنّ الصفرة أمارة الإستحاضة أو الثّلاثة الأخيرة حيض لا يترتب عليهما شرعاً أنّ الثّلاثة الاُولى ليست بحيض ، فلأجل الحكومة لا يبقى تعارض بين الأمارتين ، فما فرض من التعارض في هذه الصورة غير صحيح ، بل الصحيح ما مثّل به الماتن (قدس سره) كما قرّبناه .

   ويمكن تقريب ما ذكرناه بوجه آخر ، وهو أنّ المرسـلة (1) دلّت على أنّ منشأ إحتمالي الحيض والإستحاضة في المرأة إذا كان هو الدم بأن رأته ولم تعلم أ نّه حيض أو إستحاضة رجعت إلى الصفات إن أمكنها وتجعل الحمرة أمارة على الحيض والصفرة أمارة على الإستحاضة ، وإلاّ فترجع إلى العدد ستّة أو سبعة بحيث لولا الدم لم يحتمل في حقّها الإستحاضة ولا الحيض ، فالرجوع إلى المعرفات يختص بما إذا نشأ إحتمالا الحيض والإستحاضة من الدم .

   وهذا غير متحقّق في المقام ، لأنّ المرأة في الأيّام المتخلّلة بين الدمين محكومة بكونها حائضاً وإن لم ترد دماً فيها أصلاً ، لما تقدّم من أنّ أيّام النّقاء ملحقة بالحيض فإحتمال الحيض غير ناشئ حينئذ من الدم ، بل الحكم بالحيضيّة هو المتعيّن كان هناك دم أم لم يكن ، فما دلّ على معرفية الصفرة للإستحاضة غير شامل للمقام ، فلا تعارض حينئذ بوجه .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 288 / أبواب الحيض ب 8 ح 3 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net