هل يجب على الله قبول التوبة ؟ - حقيقة التوبة 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الثامن:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3717


ــ[255]ــ

وحقيقتها الندم (1) وهو من الاُمور القلبية ولا يكفي مجرّد قوله : أستغفر الله ، بل لا

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    قبول التوبة تفضل

   ثمّ إنّ هناك بحثاً آخر وهو : أنّ التوبة ـ  كانت واجبة عقلاً وشرعاً أو عقلاً فقط  ـ هل يجب على الله قبولها بحيث تمحى بها المعصية المتحققة ويزول بها استحقاقه العقاب على نحو لو عاقبه الله تعالى بمعصيته بعد التوبة كان ظلماً قبيحاً أو لايجب قبولها عليه؟

   وقد تعرّضنا لهذا البحث في التكلّم عن مقدمة الواجب(1) وقلنا إن استحقاقه العقاب الثابت بالمعصية المتقدمة لا يرتفع بالتوبة المتأخّرة ، لأنّ الشيء لا ينقلب عمّا وقع عليه ، فلو عاقبه الله سبحانه بعد ذلك كان عقاباً واقعاً عن استحقاق وفي محله ولم يكن ظلماً لا عن استحقاق ، إلاّ أن هذا البحث مجرّد بحث علمي لا يترتب عليه أثر عملي كما ذكرناه في بحث مقدّمة الواجب ، لأ نّه ثبت بالكتاب والسنّة (أنّ الله يقبلُ التّوبةَ عَن عِبَـادِه )(2) (وأ نّهُ رَؤُوفٌ بِهِم )(3) «وأ نّه لا كبيرة مع الاستغفار» (4) المراد به التوبة ، فالتوبة وان لم يكن معها عقاب على المعصية إلاّ انّه من باب التفضّل من الله سبحانه عملاً بوعده لا أ نّه من باب الوجوب ، وقد وافقنا على ذلك الاشاعرة خلافاً للمعتزلة حيث ذهبوا إلى وجوب قبول التوبة على الله ، وهذا من جملة الموارد الّتي لا بدّ فيها من الموافقة مع الأشاعرة دون المعتزلة .

    حقيقة التوبة

   (1) الظاهر أ نّه لم تثبت للتوبة حقيقة شرعية ولا متشرعية ، وإنّما هي بمعناها اللغوي أي الرجوع ، وهو المأمور به شرعاً وعقلاً ، فكما أنّ العبد الآبق الفار والخارج عن زي عبوديته يجب أن يرجع عن خروجه هذا ، فكذلك العبد لا بدّ من أن يرجع إلى مولاه الحقيقي عن طغيانه وتمرده وتعدّيه ، فلا يعتبر في حقيقة التوبة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لم نعثر عليه في محاضرات في اُصول الفقه .

(2) التوبة 9 : 104 .

(3) البقرة 2 : 207 .

(4) الوسائل 15 : 337 /  أبواب جهاد النفس ب 48 ح 3 وغيره .

ــ[256]ــ

حاجة إليه مع الندم القلبي وإن كان أحوط ، ويعتبر فيها العزم على ترك العود إليها . والمرتبة الكاملة منها ما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سوى الرجوع وله لازمان :

   أحدهما : الندم على عصيانه ، إذ لو لم يندم على ما فعله لم يكن رجوعه رجوعاً حقيقياً عن التمرّد والخروج .

   وثانيهما : العزم على عدم العود ، لوضوح أ نّه لولاه لم يكن بانياً على الدخول في طاعة الله سبحانه ، بل هو متردِّد في الدخول والخروج ، وهذا بنفسه مرتبة من مراتب التعدِّي والطغيان ، فانّ العبد لا بدّ أن يكون بانياً على الانقياد في جميع الأزمان ، إذ لو لم يعزم على الطاعة وعدم الطغيان كان متردداً في الطاعة والعصيان كما عرفت ، وهو قبيح حتّى فيما إذا لم تسبقه المعصية أصلاً ـ كما إذا كان في أوّل بلوغه ـ فانّه لا بدّ من أن يعزم على عدم الاقتحام في العصيان ، وهذان الأمران من لوازم الرجوع لا أ نّهما حقيقة التوبة .

   وأمّا الاستغفار اللّفظي وقول اللّهمّ اغفِر لي ، أو أستغفر الله ونحوهما فهو غير معتبر في حقيقة التوبة ولا أ نّه من لوازم الرجوع ، لأنّ الاستغفار بمعنى طلب الغفران ، والتوبة بمعنى الرجوع فهما متغايران مفهوماً ومصداقاً .

   ويدل على عدم اعتباره في التوبة ومغايرتهما ـ مضافاً إلى وضوحه في نفسه ـ قوله تعالى (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ )(1) فانّ العطف بـ «ثمّ» يدل على ما ذكرناه فقد دلّت الآية المباركة على أنّ العبد الآبق يطلب المغفرة من ذنوبه أوّلاً وإن لم يرجع ولم يتب ، لأ نّه سبحانه غافر الذنوب ، وبعده يرجع إلى الله بالاضافة إلى ما يأتي . نعم الأحسن أن يكون رجوع الآبق بقلبه ولسانه ، وأن تكون توبته واقعية وظاهرية بقول اللّهمّ اغفر لي ونحوه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وقعت هذه الجملة المباركة في سورة هود في ثلاثة مواضع آية 3 ، 52 ، 90 باختلاف يسير في أوّلها .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net