الصلاة على المخالف - تحنيط الشهيد 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء التاسع:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2656


ــ[178]ــ

 فصل

في الصّلاة على الميِّت

    يجب الصّـلاة على كل مسـلم ، من غير فرق بين العـادل والفاسـق والشّهيد وغيرهم حتى المرتكب للكبائر ، بل ولو قتل نفسه عمداً  (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فصل في الصّلاة على الميِّت

    (1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات :

   الجهة الاُولى : المعروف بين الأصحاب وجوب الصلاة على كل مسلم ، من غير فرق بين العادل والفاسق حتى المرتكب للكبائر بل القاتل نفسه عمداً ، كما لا فرق بين المؤمن والمخالف ، لكن نسب الخلاف في ذلك إلى جملة من المتقدمين حيث قصروا الحكم على المؤمن دون المخالف ، وقواه كاشف اللثام(1) ، وذكر في المدارك أنه غير بعيد (2) .

   وفيه : أن المناقشة في وجوب الصلاة على المخالفين إن كانت مستندة إلى عدم إسلامهم وإلى كونهم كفرة ـ كما ذهب إليه بعضهم ورأى أن معاملة الإسلام معهم إنما هو من باب التقية إلى أن يظهر القائم (عجل الله فرجه) وإلاّ فانهم محكومون بالكفر حقيقة ـ ففيه : أ نّا ذكرنا في محله أن الإسلام لا يعتبر فيه الإيمان ، وإنما تترتب أحكام الإسلام على مجرّد إظهار الشهادتين ، وبذلك حقنت الدماء وجرت المواريث وجاز النكاح(3) فلا فرق بين المؤمن والمخالف من هذه الجهة . على أنهم لو كانوا كفرة فلماذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كشف اللثام 2 : 309 .

(2) مدارك الأحكام 4 : 151 .

(3) شرح العروة  3 : 64 ، 4 : 206 .

ــ[179]ــ

وجب تغسيلهم ، فان الكافر لا يغسل ولا يكفن وحاله حال الحيوانات ، فاما أن نلتزم بوجوب الصلاة في حقهم لإسلامهم أو نلتزم بعدم وجوب التغسيل للمخالفين لكفرهم .

   وإن كانت المناقشة مستندة إلى عدم دليل صالح للاستدلال به وللتمسك باطلاقه بالإضافة إلى المخالفين كما ربما يلوح من كلمات بعضهم ، ففيه : أن هناك جملة كثيرة من المطلقات تدلنا على أن كل ميت تجب الصلاة عليه من دون تقييده بالمؤمن ولا بالمسلم ، ومقتضى إطلاقها وجوبها حتى على الكافر ، وإنما الخروج عن ذلك يحتاج إلى دليل . وهذه الأخبار فيها المعتبرة والضعيفة ، ولا يبعد بلوغها مرتبة التواتر وإن كانت المعتبرة منها كثيرة في نفسها .

   والغرض أن الدليل لا ينحصر في روايتين إحداهما معتبرة والاُخرى ضعيفة لنحتاج إلى دعوى انجبار ضعفها بعملهم كما ذكره المحقق الهمداني (قدس سره)(1) وغيره . وإليك جملة من الأخبار :

   منها : موثقة أبي مريم الأنصاري عن الصادق (عليه السلام) أنه قال : «الشهيد إذا كان به رمق غسل وكفن وحنط وصلِّي عليه ، وإن لم يكن به رمق كفن في أثوابه» (2) .

   والوجه في كونها موثقة أن في طريق الصدوق إلى أبي مريم أبانَ بن عثمان ، وهو موثق . وقد دلتنا على أن غير الشهيد ـ  أي الذي كان به رمق  ـ تجب عليه الصلاة والتغسيل والتكفين والتحنيط ، وإنما خرج الشهيد عنه ، ولا نحتمل أن يكون للموت في المعركة دخل في ثبوت الحكم ، بأن يكون وجوب الصلاة أو الدّفن أو الكفن مختصاً بالمقتول في المعركة غير شهيد .

   ومنها : صحيحة أبان بن تغلب قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الذي يقتل في سبيل الله أيغسل ويكفن ويحنط ؟ قال : يدفن كما هو في ثيابه إلاّ أن يكون به

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 492  السطر الأخير .

(2) الوسائل 2 : 506 / أبواب غسل الميِّت ب 14 ح 1 .

ــ[180]ــ

رمق ، فان كان به رمق ثم مات فانه يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه ...» (1) بعين التقريب المتقدِّم، لدلالتها على أن غير الشهيد لا بدّ من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه .

   ومنها : صحيحة علي بن جعفر أنه «سأل أخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الرجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به ؟ قال : يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن» (2) فان طريق الصدوق إلى علي بن جعفر صحيح ، وقد دلّت على أن مطلق الميِّت يجب تغسيله وتكفينه والصلاة عليه مؤمناً كان أو مخالفا .

   ومنها : صحيحة الفضيل بن عثمان الأعور عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) : «في الرجل يقتل فيوجد رأسه في قبيلة ووسطه وصدره ويداه في قبيلة والباقي منه في قبيلة ، قال : ديته على من وجد في قبيلته صدره ويداه والصلاة عليه» (3) .

   وقد قدمنا أن الموجود في السند وإن كان هو الفضل بن عثمان ولكن ذكر في طريق الصدوق إلى الرجل الفضيل بن عثمان ، والأمر سهل ، ولعلّه قد يعبّر عنه بهذا تارة واُخرى بذاك .

   ومنها : صحيحة خالد بن ماد القلانسي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به ؟ قال : يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن ، فاذا كان الميِّت نصفين صلِّي على النصف الذي فيه قلبه» (4) .

   ومنها : موثقة طلحة بن زيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال : «لا يصلى على عضو رجل أو يد أو رأس منفرداً ، فاذا كان البدن فصل عليه وإن كان ناقصاً من الرأس واليد والرجل» (5) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 509 / أبواب غسل الميِّت ب 14 ح 7 .

(2) الوسائل 3 : 134 / أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 1 .

(3) الوسائل 3 : 135 / أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 4 .

(4) الوسائل 3 : 136 / أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 5 .

(5) الوسائل 3 : 136 / أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 7 .

 
 

ــ[181]ــ

   ولا إشكال في سندها إلاّ من جهة طلحة بن زيد ، حيث ذكروا أنه ضعيف ، إلاّ أن الشيخ ذكر أن كتابه معتمد عليه بين الأصحاب(1) وهو توثيق للرجل ، ومنه يظهر أن ضعفه إنما كان في عقيدته وإيمانه لا في وثاقته ورواياته .

   ومنها : موثقته الاُخرى عن أبي عبدالله عن أبيه (عليهما السلام) قال : «صل على من مات من أهل القبلة وحسابه على الله»(2) وقد عرفت وثاقة الرجل فلا إشكال في سندها .

   ومنها : صحيحة أو حسنة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «إذا قتل قتيل فلم يوجد إلاّ لحم بلا عظم لم يصل عليه ، وإن وجد عظم بلا لحم صلِّي عليه» (3) صلاة الجنائز .

   وممّا استدلّوا به على وجوب الصلاة على المؤمن والمخالف رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : صلّوا على المرجوم من اُمتي وعلى القاتل نفسه ، لا تَدَعوا أحداً من اُمّتي بلا صلاة»(4) .

   والغرض من التعرض لهذه الرواية أن صاحب الوسائل رواها عن محمد بن سعيد عن غزوان السكوني ، والشيخ في التهذيب عن محمد بن سعيد عن غزوان عن السكوني(5) .

   وذكر الأردبيلي (قدس سره) في جامع الرواة أن كلا النسختين غلط والصحيح محمد بن سعيد بن غزوان عن السكوني ، وذلك بقرينة أن محمد بن سعيد بن غزوان كثيراً ما يروي عن السكوني ، على أنه ليس من المعنونين بالسكوني من يسمى بغزوان (6) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفهرست : 86 / 373 .

(2) الوسائل 3 : 133 / أبواب صلاة الجنازة ب 37 ح 2 .

(3) الوسائل 3 : 136 / أبواب صلاة الجنازة ب 38 ح 8 .

(4) الوسائل 3 : 133 / أبواب صلاة الجنازة ب 37 ح 3 .

(5) التهذيب 3 : 328 / 1026 .

(6) جامع الرواة 2 : 117 .

ــ[182]ــ

   وما ذكره (قدس سره) هو الصحيح ، لأن الشيخ رواها في الاستبصار عن محمد بن سعيد بن غزوان عن السكوني (1) ، وكأن الأردبيلي لم يراجع الاستبصار وإلاّ لاستشهد به على ما استنبطه ، نعم الرواية ضعيفة بمحمد بن سعيد .

   ومنها : غير ذلك من الأخبار المعتبرة التي لا يبعد تواترها ، وبهذا يظهر صحّة ما ذهب إليه المشهور من عدم الفرق في وجوب الصلاة على الميِّت بين الموافق والمخالف .

   الجهة الثانية : هل يجب تحنيط الشهيد أو لا يجب تحنيطه كما لا يجب تغسيله ولا تكفينه ؟

   قد يبدو من تعرض الفقهاء لحكم الشهيد في بابي التغسيل والتكفين ومن استثنائهم إياه عن وجوبهما وعدم تعرضهم له في باب التحنيط وعدم استثنائهم إياه عن وجوبه أن الشهيد يجب تحنيطه .

   إلاّ أن الأمر ليس كذلك ، فان الشهيد لا يجب تحنيطه كما لا يجب تغسيله وتكفينه وذلك لما استفدناه من الأخبار الواردة في الشهيد من أن التحنيط يلازم التكفين فمتى وجب التكفين وجب التحنيط ، وحيث إن الشهيد لا يجب تكفينه فلا يجب تحنيطه أيضاً .

   ففي موثقة أبي مريم الأنصاري(2) : «الشهيد إذا  كان به رمق غسل وكفن وحنط وصلِّي عليه ، وإن لم يكن به رمق كفن في أثوابه» حيث دلت على أن التحنيط إنما هو فيما إذا وجب تكفين الميِّت كما إذا لم يكن شهيداً أو قد أدركه المسلمون وبه رمق ، وأما إذا وجب أن يدفن بثيابه ولم يجب تكفينه لم يجب تحنيطه أيضاً .

   بل صرح في صحيحة زرارة أو حسنته بأن الشهيد لا يحنط ، حيث ورد فيها : «قلت له : كيف رأيت الشهيد يدفن بدمائه ؟ قال : نعم في ثيابه بدمائه ولا يحنط ولا يغسل ويدفن كما هو»(3) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاستبصار 1 : 468 / 1810 .

(2) المتقدِّمة في ص 179 .

(3) الوسائل 2 : 509 /  أبواب غسل الميِّت ب 14 ح 8 .

ــ[183]ــ

   نعم إذا جرّد الشهيد عن ثيابه ووجب أن يكفن نلتزم فيه بوجوب التحنيط للمطلقات الآمرة به ، فان موضوع عدم وجوب التحنيط هو الذي يدفن بثيابه ، فاذا جرّدت ثياب الشهيد ولم يدفن بثيابه انتفى موضوع عدم الوجوب ووجب تحنيطه للمطلقات .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net