وجوب الدُّعاء في الصلاة على الميت وكيفيته 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء التاسع:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 5330


ــ[229]ــ

يأتي بالشهادتين بعد الاُولى ((1)) والصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد الثانية والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بعد الثالثة والدعاء للميت بعد الرابعة ثم يكبّر الخامسة وينصرف ، فيجزئ أن يقول بعد نية القربة وتعيين الميِّت ولو إجمالاً : «الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، الله أكبر ، اللّهمّ صل على محمد وآل محمد ، الله أكبر ، اللّهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، الله أكبر اللّهمّ اغفر لهذا الميِّت ، الله أكبر» (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ما ذكره المحقِّق في شرائعه

   (1) ذكر المحقق في شرائعه أن الواجب في الصلاة على الميِّت إنما هو التكبير خمساً ولا يجب الدعاء بعدها وفي أثنائها وإنما هو أمر مستحب (2) . ولا نعرف له موافقاً في ذلك لا من أصحابنا ولا من العامّة ، وهو متفرد في ذلك .

   وذهب صاحب الحدائق إلى أن الواجب هو أصل الدعاء لا على الكيفية المتعارفة بين المسلمين ، ونسبه إلى جماعة وإلى ابن الجنيد (3) .

   والقول الثالث هو المعروف والمشهور ، بل ادعي عليه الإجماع وهو وجوب الدعاء على الكيفية المتعارفة اليوم ، أعني وجوب الشهادتين بعد التكبيرة الاُولى والصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآله بعد الثانية والدعاء للمؤمنين بعد الثالثة والدعاء للميت بعد الرابعة .

   أمّا ما ذهب إليه المحقق (قدس سره) فقد استدل له بوجوه :

   منها: أصالة البراءة عن وجوب الدعاء ، لأنه شك في التكليف الزائد فينفى بالبراءة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) على الأحوط ، والأولى أن يؤتى بهما وبالصلاة على النبي وآله وعلى سائر الأنبياء (عليهم السلام) وبالدعاء للمؤمنين والمؤمنات وللميت بعد كل تكبيرة من التكبيرات الأربع .

(2) الشرائع  1 : 106 .

(3) الحدائق 10 : 405 .

ــ[230]ــ

   ومنها : إطلاق الأخبار الدالّة على أن صلاة الميِّت خمس تكبيرات وأن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان إذا صلّى بخمس علم أن الميِّت مؤمن وإذا صلّى بأربع علم أنه منافق ، حيث إنها مطلقة لم تقيد التكبيرات فيها بالدعاء ، فاذا شككنا في وجوبه فندفعه بالإطلاق .

   ومنها : أن الأخبار الآمرة بالدعاء مختلفة ، ولا يوجد اثنان منها ـ ضعيفين أو معتبرين ـ متحدين في المدلول ، فلو كان الدعاء واجباً كالتكبير لم تختلف الأخبار في المفاد وهذا آية الاستحباب .

   ويرد عليها : أما أصالة البراءة فان المورد وإن كان في نفسه مجرى لها ، لأنه من الشك في التكليف إلاّ أنها متوقفة على الشك ولا شك عندنا في وجوب الدعاء للأخبار الدالّة عليه كما سيتضح .

   وأمّا الإطلاق ففيه : أن الأخبار الواردة في المقام إنما هي ناظرة إلى بيان أن الواجب من التكبيرات هو خمس في قبال العامة التي تقول بأن الواجب منها أربع تكبيرات وليس لها نظر إلى أنها هل يعتبر معها دعاء أم لا يعتبر ، فلا إطلاق في الأخبار حتى يتمسّك به. هذا على أ نّا لو سلمنا إطلاقها لم يمكن الاستدلال بها  كالسابق ـ البراءة ـ لأنه إنما يمكن التمسك به عند الشك ولا شك لنا في طروء المقيد لها ، للأخبار الدالّة على التقييد ، ومع المقيد لا مجال للتمسك بالإطلاق .

   وأمّا اختلاف الروايات فهو وإن كان كذلك إلاّ أنه إنما يدل على أن الدعاء الوارد في هذه الرواية ليس واجباً معيناً وكذا الدعاء الوارد في الرواية الاُخرى للمعارضة ، وأما أنه ليس بواجب أصلاً فلا .

   بل لا بدّ من الالتزام بوجوب الدعاء مخيراً ، وأن الواجب هو الجامع المنطبق على كل واحد من الأدعية الواردة ، وذلك لما ذكرناه من أن للأمر ظهورين : ظهور في الوجوب وظهور في التعيين ، فاذا جاءنا دليلان على وجوب شيئين وعلمنا أن كليهما غير واجب وإنما الواجب أحدهما فلا مناص من رفع اليد عن ظهور الدليلين في التعيين والالتزام بوجوب أحدهما مخيراً .

ــ[231]ــ

    ما يدل على وجوب الدعاء في صلاة الجنائز

   ويؤيِّد ما ذكرناه من وجوب أصل الدعاء في صلاة الميِّت رواية أبي بصير : «كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) جالساً فدخل رجل فسأله عن التكبير على الجنازة فقال (عليه السلام) : خمس تكبيرات ، ثم دخل آخر فسأله عن الصلاة على الجنازة فقال (عليه السلام) : أربع صلوات ، فقال الأوّل : جعلت فداك سألتك فقلت خمساً وسألك هذا فقلت أربعاً ، فقال (عليه السلام) : إنك سألتني عن التكبير وسألني هذا عن الصلاة، ثم قال (عليه السلام): إنها خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات» (1).

   وهي صريحة في أن صلاة الميِّت يعتبر فيها الدعاء زائداً على التكبيرات الخمسة .

   ورواية الفضل عن الرضا (عليه السلام) : «إنما اُمروا بالصلاة على الميِّت ليشفعوا له وليدعوا له بالمغفرة» (2) حيث دلت على اعتبار الدعاء فيها .

   كما يدل على ما ذكرناه صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم ومعمر بن يحيى وإسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «ليس في الصلاة على الميِّت قراءة ولا دعاء مؤقت ، تدعو بما بدا لك» (3) وذلك لما ذكرناه في مفهوم الوصف من أن له مفهوماً غير المفهوم المدعى للقيود ، بمعنى أنه إذا ورد : أكرم الرجل العالم ، لم يدل ذلك على أن الرجل العادل غير واجب الإكرام ، إذ لا يستفاد منه العلية المنحصرة ، بل يمكن أن يدلنا دليل ثان على أن العدالة علة اُخرى للإكرام .

   إلاّ أنه يدل على أن للعالمية مدخلية في ترتب الحكم على موضوعه وأن وجوب الإكرام لم يترتّب على طبيعي الرجل ، بل على الحصة الخاصة منه وهو المقيد بالعلم وإلاّ لكان أخذه في لسان الدليل لغواً محضاً .

   وعلى هذا يتبيّن أن نفي الوجوب في الصحيحة إنما ترتب على الدعاء المؤقت أي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3 : 75 / أبواب صلاة الجماعة ب 5 ح 12 .

(2) الوسائل 3 : 78 / أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 21 .

(3) الوسائل 3 : 88 / أبواب صلاة الجنازة ب 7 ح 1 .

ــ[232]ــ

المعين ، وأما أصل الدعاء فلم ينف وجوبه فيها ، فيستفاد منها أن أصل الدعاء واجب في صلاة الأموات لا محالة .

   ويدل على وجوب الدعاء في صلاة الميِّت أيضاً موثقة يونس الدالّة على أنها تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل (1) فدلّت على وجوب الدعاء زائداً على التكبير ، نعم استفدنا من الأخبار الواردة في المقام أن الجمع بين التسبيح والتحميد والتهليل ليس بواجب بل يكفي بعضها .

   ويدل على ذلك أيضاً ما ورد من الدعاء على الميِّت إذا كان منافقاً وللميت إذا كان مؤمناً غير منافق (2) ، لدلالته على وجوب الدعاء في صلاة الميِّت بتلك الكيفية ، أعني الدعاء عليه إذا كان منافقاً والدعاء له إذا لم يكن منافقاً ، هذا كلّه .

   على أن الدعاء لو لم يكن معتبراً في صلاة الأموات لم يصح إطلاق الصلاة عليها ولو مجازاً ، لأن التكبير ليس بصلاة أصلاً ، كما أنه لا يصح إضافتها إلى الميِّت ، إذ مجرّد التكبير لا معنى لإضافته إلى الميِّت أو غيره ، فلا يصح القول : الصلاة على الميِّت ، إلاّ أن يشتمل على الدعاء للميت ، فالدعاء له مقوم للصلاة عليه ، فما ذهب إليه المحقق ممّا لا وجه له .

    ما ذهب إليه المشهور في المسألة

   وأما ما ذهب إليه المشهور من اعتبار الدعاء على الكيفية المتعارفة الدارجة اليوم فهو ممّا لم يرد فيه رواية سوى رواية اُمّ سلمة والدة محمد بن مهاجر ، قالت : «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا صلّى على ميت كبّر وتشهّد ثم كبّر وصلّى على الأنبياء ودعا ثم كبّر ودعا للمؤمنين ثم كبّر الرابعة ودعا للميت ثم كبّر الخامسة وانصرف» (3) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3 : 89 / أبواب صلاة الجنازة ب 7 ح 2 .

(2) الوسائل 3 : 60 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ، 4 .

(3) الوسائل 3 : 60 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 1 .

ــ[233]ــ

   إلاّ أنها غير قابلة للاستدلال بها من وجوه :

   الأوّل : أنها إنما وردت لبيان أن التكـبير الواجب في صلاة الميِّت خمس لا أربع لأنّ اُمّ سلمة ابتلت بامرأة من المنافقات في طريق مكة واستشكلت عليها بأنكم تخالفون المسلمين في جميع الاُمور حتى الصلاة على الميِّت فانها أربع تكبيرات والشيعة تصلي بخمس ، واُم سلمة حكت ذلك إلى الصادق (عليه السلام) وهو في مقام رد تلك الدعوى استشهد بسنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفعله ، فلا نظر لها إلى أن الدعاء واجب فيها على تلك الكيفية .

   الثاني : أنها حكاية فعل والفعل لا يدل على الوجوب .

   الثالث : أنها مخالفة لما عليه المشهور ولا تنطبق عليه ، وذلك لاشتمالها على أنه بعد التكبيرة الاُولى تشهّد ، أي شهد بوحدانية الله سبحانه ، ولا دلالة لها على أنه شهد الشهادتين كما يعتبره المشهور ، واشتملت على أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد التكبيرة الثانية صلّى على الأنبياء ودعا مع أن المشهور يقولون بلزوم الصلاة على خصوص نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من دون دعاء أو صلاة على الأنبياء ليشمل نبينا ضمناً ، نعم اشتملت الرواية على الصلاة على محمد وآله (صلوات الله عليهم) على مرسلة الصدوق (1) إلاّ أنها أيضاً ضعيفة بالإرسال .

   الرابع : أنها ضعيفة سنداً ، لعدم ثبوت وثاقة اُم سلمة وإن كانت مؤمنة . وتعبير الجواهر عنها بصحيحة محمد بن مهاجر(2) لا دلالة فيه على صحّة الرواية سنداً ، لأنه لم يقل صحيحة اُم سلمة وإنما قال : صحيحة محمد بن مهاجر ، ومعناه أن الرواية إلى محمد بن مهاجر صحيحة وثبت شرعاً أنه قد أخبر عن اُمه ، وساكت عن صحتها بالإضافة إلى اُمه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ، الفقيه 1 : 100 / 469 .

(2) الجواهر 12 : 34 .

ــ[234]ــ

    تفصيل الكلام في القول الثاني

   يبقى القول الثاني ـ وهو جوب الدعاء في صلاة الميِّت لكن لا على الكيفية المتداولة اليوم ـ فتفصيل الكلام فيه :

   أن الأخبار الواردة في الدعاء فيها مختلفة باختلاف الأدعية الواردة فيها كيفاً وكمّاً ولا بدّ فيها من الالتزام بأحد أمرين :

   أحدهما : أن يلتزم بالتخيير بين الأدعية الواردة في الروايات وأنه إذا دعا بواحد مما ورد فيها أجزأه . وهذا هو الذي تقتضيه القاعدة الأولية ، لأنه إذا ورد دليلان ودل كل واحد منهما على وجوب شيء وعلمنا خارجاً بعدم وجوبهما معاً فلا مناص من الالتزام بوجوب أحدهما على نحو التخيير .

   إلاّ أنه في خصوص المقام غير ممكن لما ورد في صحيحة جماعة من الأعاظم كزرارة ومحمد بن مسلم أنه ليس في صلاة الميِّت دعاء مؤقت (1) . والقول بوجوب واحد مما ورد في الأخبار على نحو التخيير التزام بوجوب دعاء معين ومحدود والصحيحة صرحت بأنه ليس فيها دعاء مؤقت ومحدد بل يدعو بما بدا له .

   وثانيهما : وهو المتعين ، أن يؤخذ بالقدر المشترك بين الأخبار الواردة أعني ما اشتملت عليه الأخبار كلّها ، وأما الزائد عليه فيدفع وجوبه بالروايات الفاقدة له . والمقدار المشترك الذي تشتمل عليه الأخبار كلها هو الصلاة على النبي والدعاء للميت وحسب مع مراعاة الترتيب بينهما بتقديم الأوّل على الثاني ولو بأن يصلِّي على النبي بعد التكبيرة الاُولى ويدعو للميت بعد الرابعة ، والزائد عليهما مدفوع بالأخبار الفاقدة له .

   وأمّا تطبيق الأخبار على ذلك فهو يتوقف على التعرض لكل واحد من الأخبار على حدة .

   ففي صحيحة أو حسنة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الصلاة على الميِّت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّمت قريباً .

ــ[235]ــ

قال : تكبّر ثم تصلِّي على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثم تقول : اللّهمّ عبدك ابن عبدك ابن امتك لا أعلم منه إلاّ خيراً وأنت أعلم به منّا ، اللّهمّ إن كان محسناً فزد في إحسانه (حسناته) وإن كان مسيئاً فاغفر له .... ، ثمّ تكبّر الثانية وتقول : اللّهمّ إن كان زاكياً فزكّه وإن كان خاطئاً فاغفر له ، ثم تكبّر الثالثة وتقول : اللّهمّ لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده ، ثم تكبّر الرابعة وتقول : اللّهمّ اكتبه عندك في عليين واخلف على عقبه .... ثم كبّر الخامسة وانصرف (1) .

   وهذه الصحيحة قد اشتملت على اُمور ثلاثة : الصلاة على النبي والدعاء للميت والدعاء لنفس المصلي، والأوّلان هما القدر المشترك بين الأخبار كما سيتّضح ، والثالث أمر زائد يدفع وجوبه ببقية الأخبار الفاقدة له .

   وأما صحيحة الحلبي أو حسنته عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «تكبّر ثم تشهد ثم تقول : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، الحمد لله رب العالمـين رب الموت والحياة صلّ على محمد وأهل بيته ، جزى الله عنّا محمداً خير الجزاء بما صنع باُمته وبما بلغ من رسالات ربه ، ثم تقول : اللّهمّ عبدك ... ، ثم تكبّر الثانية وتقول مثل ما قلت حتى تفرغ من خمس تكبيرات» (2) فهي قد اشتملت على الشهادة وعلى الصلاة على النبيّ وعلى الدعاء للميت ، والأخيران يؤخذ بهما لاشتراك الأخبار فيهما ، والتشهد سواء حملناه على الشهادتين أو على خصوص الشهادة بالوحدانية يدفع وجوبه ببقية الأخبار الفاقدة له كصحيح زرارة المتقدم .

   ومنها : صحيحة أبي ولاد قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن التكبير على الميِّت ؟ فقال : خمس ، تقول في أوّلهنّ : أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ، ثم تقول : اللّهمّ إنّ هذا المسجّى ....» (3) وهي قد اشتملت على الشهادة بالوحدانية والصلاة على النبيّ وآله والدّعاء للميت، وحالها حال سابقتها.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3 : 61 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 2 .

(2) الوسائل 3 : 61 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 3 .

(3) الوسائل 3 : 62 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 5 .

ــ[236]ــ

   ومنها : موثقة سماعة ـ في حديث ـ قال : «سألته عن الصلاة على الميِّت فقال : خمس تكبيرات ، تقول إذا كبّرت : أشهد أن لا إله إلاّ الله ....» (1) وهذه الموثقة اشتملت على جميع ما اعتبره المشهور في صلاة الميِّت ولكن لا على تلك الكيفية المعروفة ، إلاّ أن الصلاة على محمد وآل محمد والدعاء للميت لا بدّ من أخذهما لكونهما من القدر المشترك بين جميع الأخبار ، والزائد عليهما من الشهادتين والدعاء للمؤمنين يدفع وجوبه ببقية الأخبار الفاقدة لهما . هذا كله في الأخبار المعتبرة .

   وأما الأخبار الضعاف فربما يحتمل من رواية إسماعيل بن عبدالخالق بن عبد ربه عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «في الصلاة على الجنائز تقول : اللّهمّ أنت خلقت هذه النفس وأنت أمتّها ، تعلم سرها وعلانيتها ، أتيناك شافعين فيها شفعاء ، اللّهمّ ولها ما تولت واحشرها مع من أحبت» (2) عدم وجوب الصلاة على النبيّ فيها .

   غير أنه يندفع بضعف سند الرواية لوجود أحمد بن عبدالرّحيم (الرّحمن) أبي الصخر فانه مهمل في الرجال ، وبعدم دلالة الرواية على عدم وجوب الصلاة على النبي لأنها إنما تدل على وجوب الدعاء المذكور فيها ، ولا تدل على عدم وجوب غيره حيث قال : «تقول» ، ويدل على ذلك عدم اشتمالها على وجوب التكبيرات الخمس فلاحظ .

   وأما رواية كليب الأسدي قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن التكبير على الميِّت ؟ فقال بيده خمساً ، قلت : كيف أقول إذا صليت عليه ؟ قال تقول : اللّهمّ عبدك احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه ....» (3) فهي وإن كانت تدل على عدم وجوب الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاّ أنها ضعيفة السند بكليب الأسدي لعدم توثيقه ، نعم ورد في رواية أبي اُسامة السؤال منه (عليه السلام) عن أن كليباً إذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3 : 63 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 6 .

(2) الوسائل 3 : 62 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 4 .

(3) الوسائل 3 : 64 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 7 .

ــ[237]ــ

   والأولى أن يقول بعد التكبيرة الاُولى : «أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً أحداً صمداً فرداً حيّاً قيّوماً دائماً أبداً لم يتّخذ صاحبةً ولا ولداً وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدِّين كله ولو كره المشركون» وبعد الثانية : «اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ، وبارك على محمّد وآل محمّد ، وارحم محمّداً وآل محمّد ، أفضل ما صلّيت وباركت وترحّمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، وصلِّ على جميع الأنبياء والمرسلين» وبعد الثالثة : «اللّهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ، تابع اللّهمّ بيننا وبينهم بالخيرات إنك على كل شيء قدير» وبعد الرابعة : «اللّهمّ إنّ هذا المسجّى قدّامنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به ، اللّهمّ إنّك قبضت روحه إليك وقد احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه ، اللّهمّ إنّا لا نعلم منه إلاّ خيراً وأنت أعلم به منّا ، اللّهمّ إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته واغفر لنا وله ، اللّهمّ احشره مع من يتولاّه ويحبّه وأبعده ممّن يتبرّأ منه ويبغضه ، اللّهمّ ألحقه بنبيِّك وعرف بينه وبينه ، وارحمنا إذا توفيتنا يا إله العالمين ، اللّهمّ اكتبه عندك في أعلى عليين واخلف على عقبه في الغابرين واجعله من رفقاء محمد وآله الطاهرين وارحمه وإيّانا برحمتك يا أرحم الراحمين» . والأولى أن يقول بعد الفراغ من الصلاة : «ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» وإن كان الميِّت امرأة يقول بدل قوله «هذا المسجّى ...» إلى آخره : «هذه المسجّاة قدّامنا أمتك وابنة عبدك وابنة أمتك» وأتى بسائر الضمائر مؤنّثاً .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جاءه خبر عنكم سلّم فمدحه (عليه السلام) بتسليمه لأخـبارهم الواصلة إليه (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رجال الكشي : 329 ، معجم رجال الحديث 15 : 125 .

ــ[238]ــ

إلاّ أنها لا تدل على أن ذلك هو كليب الأسدي الراوي لهذه الرواية (1) ، نعم روى هو ما يفيد مدحه عنه (عليه السلام) إلاّ أن الراوي لها إنما هو كليب الأسدي نفسه (2) فلا يمكن الاعتماد على روايته .

   وفي رواية علي بن سويد عن الرضا (عليه السلام) قال : «في الصلاة على الجنائز تقرأ في الاُولى باُمّ الكتاب وفي الثانية تصلِّي على النبيّ وآله وتدعو في الثالثة للمؤمنين والمؤمنات وتدعو في الرابعة لميتك والخامسة تنصرف بها» (3) وهي ضعيفة بحمزة بن بزيع عمّ محمّد بن إسماعيل بن بزيع .

   وفي رواية إسماعيل بن همام عن أبي الحسن (عليه السلام) قال «قال أبو عبدالله (عليه السلام) : صلّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على جنازة ...»(4) وهي ضعيفة السند بابراهيم بن مهزيار لأنه محل كلام .

   وفي رواية يونس عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال «قال : الصلاة على الجنائز ...» (5) وهي ضعيفة بالحسين بن أحمد ، وفي نسخة الوسائل ( الحسن بن أحمد المنقري عن يونس ) وهو غلط ، لأن الموجود في الرجال الحسين بن أحمد المنقري لا الحسن (6) .

   فالمتحصل إلى هنا : أن الواجب في الصلاة على الميِّت غير التكبيرات أمران : أحدهما : الصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) . وثانيهما : الدعاء للميت .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وقد جعل ذلك مؤكداً في معجم الرجال 15 : 124 بعدما وثق الرجل بوجوده في أسناد كامل الزيارات .

(2) المصدر السابق .

(3) الوسائل 3 : 64 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 8 .

(4) الوسائل 3 : 64 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 9 . وقد وقع إبراهيم بن مهزيار في أسانيد كامل الزيارات ولأجله وثقه (دام ظله) في المعجم 1 : 280 فراجع .

(5) الوسائل 3 : 65 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 10 .

(6) ووقوع الرجل في أسناد تفسير علي بن إبراهيم غير موجب للحكم بوثاقته بعد كونه معارضاً بتضعيف النجاشي [ رجال النجاشي : 53 / 118 ] فلاحظ .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net