حكم نقل الميت بعد نبش قبره - البكاء على الميت 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء التاسع:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3757


    الكلام في جواز النقل بعد النبش

   قد يقع الكلام في حرمة النبش وجوازه بما هو نقل وتحويل للميت من قبر إلى قبر كما إذا أخرجه السيل أو الزلزال أو نبش قبره عصياناً ونحو ذلك ، واُخرى من حيث كون النقل ذا مقدمة محرمة وهي النبش . وفي الحقيقة يقع الكلام في حرمة النبش لنقل الميِّت وعدم حرمته .

ــ[339]ــ

   الصورة الاُولى : إذا كان النقل والتحويل من قبر إلى قبر آخر أو إلى بلد آخر إهانة للميت وهتكاً له فلا إشكال في حرمة نقله، لأن حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً .

   وأمّا إذا لم يعد هتكاً له فهو كالنقل قبل الدّفن ، فان قلنا بجوازه ـ كما هو الصحيح ـ فهو أيضاً جائز ، وإن منعنا عنه فهو أيضاً ممنوع ، وحيث ذكرنا أن نقل الموتى أمر جائز بل راجح إذا كان النقل إلى المشاهد المشرفة فلا مناص من الحكم بجوازه أيضاً في المقام إذا كان النقل لمصلحة الميِّت ، بل وكذلك الحال فيما إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة وكان النقل وعدمه متساويين ، وإن كان ظاهر كلام ابن الجنيد اختصاص الجواز بما إذا كان النقل مصلحة للميت (1) .

   ثم إن الظاهر جواز التحويل من دون كراهة وإن ذهب ابن حمزة إلى كراهته (2) وذلك لعدم دلالة الدليل على كراهة النقل بعد النبش ، نعم لو تم ما تقدم من دعوى وجوب الدّفن على نحو العموم الأزماني وأن الخارج عنه هو زمان التغسيل والتكفين والصلاة دون غيره لم يجز النقل إلى قبر آخر أو بلد آخر لاستلزامه البطء والتأخير بخلاف إقباره في قبره الأوّل .

   إلاّ أ نّا قدمنا أنه لا دليل يدل على وجوب الدّفن بنحو العموم الأزماني ، وإنما الدليل يدل على وجوب الدّفن وحسب ، ونحن أيضاً ندفن الميِّت ثانياً ، ولا تقييد فيه بأن يكون في قبره السابق أو في قبر غيره ، هذا كله في النقل بعد النبش بما هو نقل .

   الصورة الثانية : هي النقل المحرم مقدمته وهي النبش ، فان كان النقل بنبشه موجباً لإهانة الميِّت أو لم يكن صلاحاً للميت فلا ينبغي الإشكال في حرمته لحرمة النبش حينئذ .

   وأما إذا لم تعد إهانة للميت وكان صلاحاً له كما إذا نبش لكي ينقل إلى الأعتاب المقدّسة والمتبركة فالمشهور بينهم عدم الجواز ، واختـاره صاحب الجواهر (قدس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حكاه عنه في المختلف 2 : 329 .

(2) الوسيلة : 69 .

ــ[340]ــ

سره)(1) بل عن السرائر إنه بدعة وحرام(2) ، لكن ذهب جملة من المحققين إلى الجواز كالمحقق والشهيد الثانيين(3) ، وهذا هو الأظهر .

   وذلك لأن المستند في المنع إن كان هو الإجماع على حرمة النبش إلاّ في صور مستثناة وليس منها المقام فتبقى تحت إطلاق معقد الإجماع كما عن صاحب الجواهر ففيه : أن الإجماع على حرمة النبش ليس إجماعاً تعبدياً ولو في غير المقام ، وإنما هو من أجل كون النبش وكشف الميِّت بعد تغيره ونتن رائحته إهانة له وليس من جهة الإجماع التعبدي ، على أنه لا يمكن دعوى الإجماع في المقام مع ذهاب المحقق والشهيد الثانيين إلى الجواز .

   وإن كان المستند أن النبش لأجل النقل توهين للميت وهتك له ، ففيه : أن النبش لأجل النقل إلى المشاهد المشرفة أو المكان المناسب للميت تعظيم له وإكرام له ولا يعد ذلك توهيناً بوجه .

   ودعوى أن ذلك بدعة محرمة كما عن السرائر غير مسموعة ، لأن غاية ما هناك عدم وقوع النقل بعد النبش في عصرهم (عليهم السلام) لا أنه كان بدعة ، ومتى كان ذلك محرماً ليكون بدعة ؟ وأما العموم الأزماني في أدلّة وجوب الدّفن فهو غير ثابت كما تقدّم . فالظاهر أن النبش لأجل النقل إلى الأماكن المتبركة أو المناسبة للميت أمر جائز لا محذور فيه .

   ثم إن ذلك لا يفرق فيه بين إيصاء الميِّت به وعدمه ، لأ نّا إن قلنا بالجواز لم يكن فرق فيه بين صورتي الوصية وعدمها ، وإن قلنا بالحرمة فالأمر أيضاً كذلك ، لأن الوصية إنما تكون نافذة في الاُمور المباحة ، ضرورة أن الوصية لا تقلب الحرمة إلى الجواز .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 4 : 360 .

(2) السرائر 1 : 170 .

(3) جامع المقاصد 1 : 451 ،  الروض : 320  السطر 26 .

 
 

ــ[341]ــ

   [ 1011 ] مسألة 1 : يجوز البكاء على الميِّت (1) ولو كان مع الصوت ، بل قد يكون راجحاً كما إذا كان مسكِّناً للحزن وحرقة القلب بشرط أن لا يكون منافياً للرضا بقضاء الله ، ولا فرق بين الرّحم وغيره ، بل قد مر استحباب البكاء على المؤمن ، بل يستفاد من بعض الأخبار جواز البكاء على الأليف الضال .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   فما ربما يظهر من الماتن (قدس سره) من اختصاص الجواز بما إذا أوصى الميِّت بذلك ـ وسيأتي في استثنائه الثاني عشر من حرمة النبش ـ مما لا وجه له ، نعم يمكن أن يقال : إن المقتضي لحرمة النبش قاصر في صورة الوصية ، لأن مدركها الإجماع وهو دليل لبِّي يقتصر فيه على المورد المتيقن وهو غير صورة الوصية بالنقل ، وأما مع الوصيّة به فلم ينعقد إجماع على حرمته، والظاهر أن نظر الماتن (قدس سره) إلى ذلك .

   بقي الكلام فيما إذا أوصى الميِّت بأن لا يدفن مدة ويبقى وديعة وأمانة ويدفن بعد ذلك في الأماكن المتبركة أو غيرها فهل هذه الوصية نافذة أم لا ؟

   ذهب بعضهم إلى ذلك كشيخنا الاُستاذ (قدس سره) في تعليقته على المتن ، لكن الظاهر عدم نفوذها لأنها وصية على خلاف ظاهر الأوامر الواردة في الدّفن ، لأن ظاهرها هو وجوب الدّفن المتعارف بعد الغسل والتكفين والصلاة ، فبقاؤه مدة من دون دفن أمر غير جائز ، والوصية لا تقلب الحرمة إلى الجواز ، فالدّفن ثم النبش والنقل أولى وأحوط من الإيصاء بجعله وديعة ونقله بعد ذلك .

    جواز البكاء على الميِّت

   (1) والوجه في ذلك اُمور :

   الأوّل : الأصل ، فان كل ما لم يقم دليل على حرمته في الشريعة المقدسة فهو محكوم بالحلية ، ولم يدلّنا دليل على حرمة البكاء على الميِّت .

   الثاني : السيرة المستمرة المتصلة بزمان المعصومين (عليهم السلام) ولم يردعوا عنها بوجه ، فلو كان البكاء على الميِّت محرماً لانتشرت حرمته ووصلت إلينا متواترة

ــ[342]ــ

والخبر الذي ينقل من أن الميِّت يعذب ببكاء أهله ضعيف مناف لقوله تعالى : (وَلا تَزِرُوازرةٌ وِزْرَ اُخرى ) وأما البكاء المشتمل على الجزع وعدم الصبر فجائز ما لم يكن مقروناً بعدم الرضا بقضاء الله ، نعم يوجب حبط الأجر ، ولا يبعد كراهته .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكثرة الابتلاء بالأموات والبكاء عليهم .

   الثالث : الأخبار الواردة في أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكى على إبراهيم وقال : «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب» ، وبكى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيضاً على جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة ، وكذلك بكت الصدّيقة (عليها السلام) على رقية بنت رسـول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى أبيها (صلوات الله عليه وآله) وبكى علي بن الحسين (عليه السلام) على شهداء الطف مدّة مديدة، بل عدّت الصدِّيقة الطاهرة وزين العابدين (عليهما السلام) من البكّائين الخمسة لكثرة بكائهما(1) ، بل ورد الأمر بالبكاء عند وجدان الوجد على الميِّت في رواية الصيقل فراجع (2) .

   نعم  ورد في حسنة معاوية بن وهب عن أبي عبدالله (عليه السلام) «كل الجزع والبكاء مكروه ما سوى الجزع والبكاء لقتل الحسين (عليه السلام) » (3) .

   إلاّ أنه في مقابل السيرة والأخبار لا بدّ من تأويل الكراهة فيها بحملها على كون البكاء مكروهاً عرفياً لعدم مناسبته مع الوقار والعظمة والمنزلة ـ ومن ثمة لم ير بعض الأعاظم (قدس سرهم) باكياً على ولده المقتول لدى الناس وقالوا : إنه كان يبكي عليه في الخلوات في داره ـ لا أنه مكروه شرعي، أو يحمل على أن مجموع الجزع والبكاء مكروه، فان الجزع غير مرغوب فيه شرعاً إلاّ على أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3 : 279 / أبواب الدّفن ب 87 .

(2) الحديث 2 من الباب المتقدم ذكره .

(3) الوسائل 3 : 282 / أبواب الدّفن ب 87 ح 9 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net