حكم الفائتة في أماكن التخيير - حكم الفائتة لو كان أوّل الوقت حاضراً وآخره مسافراً وبالعكس 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السادس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3297


   [1787] مسألة 11: إذا فاتت الصلاة في أما كن التخيير فالأحوط قضاؤها قصراً((1)) مطلقاً، سواء قضاها في السفر أو في الحضر في تلك الأماكن أو غيرها وإن كان لا يبعد جواز الإتمام أيضاً إذا قضاها في تلك الأماكن، خصوصاً إذا لم يخرج عنها بعد وأراد القضاء(2).

 ـــــــــــــــــــــــ
 الفائتة في أماكن التخيير:

   (2) الأقوال المعروفة في المسألة ثلاثة: التخيير مطلقاً، وتعيّن القصر مطلقاً

ــــــــــــــ

(1) بل هو الظاهر.

ــ[125]ــ

والتفصيل بين ما إذا كان القضاء في تلك الأماكن نفسها فالتخيير سيما إذا كان لم يخرج عنها بعد، وبين القضاء في بلد آخر فالقصر كما مال إليه الماتن (قدس سره).

   وقد استدلّ للقول الأوّل بوجوه:

   الأوّل: عموم «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته»، فانّ اللفظ المذكور وإن لم يرد في شيء من النصوص(1) لكن ذلك هو مضمون نصوص الباب كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدّمة آنفاً: «يقضي ما فاته كما فاته» وحيث إنّ الفائت في المقام هي الفريضة المخيّر فيها بين القصر والتمام فكذلك الحال في قضائها، عملا بالمماثلة بين الأداء والقضاء المأمور بها في هذه النصوص.

   وفيه: أنّ النظر في المماثلة مقصور على ذات الفائت بحسب ما يقتضيه طبعه من قصر أو تمام، لا بلحاظ ما يطرأ عليه من الخصوصيات والملابسات المستتبعة للحكم الشرعي بالعنوان الثانوي من زمان أو مكان ونحو ذلك، ولا شك في أنّ الفريضة المقرّرة بالذات في حقّ المسافر إنّما هي القصر، وأمّا جواز الإتمام فهو حكم شرعي آخر نشأ من خصوصية في المكان، وقد أثبته الدليل للصلاة أداء، ولم ينهض مثله في القضاء فلا موجب للتعدّي.

   وعلى الجملة: المماثلة غير ناظرة إلى الخصوصيات اللاحقة والأوصاف الطارئة على الفعل الزائدة على مقام الذات، فلا تكاد تعمّ مثل المقام، هذا.

   مضافاً إلى أنّ مقتضى إطلاق موثّق عمار قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المسافر يمرض ولا يقدر أن يصلّي المكتوبة، قال: يقضي إذا أقام مثل صلاة المسافر بالتقصير»(2) وجوب التقصير في قضاء الفائت حال السفر، سواء أكان الفوت في مواطن التخيير أم لا.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما تقدم في ص 122.

(2) الوسائل 8: 269/ أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 5.

ــ[126]ــ

   الثاني: ما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) من تبعية القضاء للأداء، فانّ القضاء وإن كان بأمر جديد لكنّه يكشف لا محالة عن تعدّد المطلوب في الوقت وأنّ مطلوبية العمل غير منتفية بفواته، وعليه فالصلاة المقضيّة هي بعينها الماهية المطلوبة في الوقت، فيجب مراعاة جميع الأحكام عدا الناشئ منها من خصوصية الوقت، وحيث إنّ من تلك الأحكام ثبوت التخيير في المقام كان الحال هو ذلك في القضاء، رعاية لقانون التبعية(1).

   ويتوجّه عليه: ما عرفت سابقاً(2) من منع التبعية، وأنّ الأمر بالقضاء لازم أعم لتعدّد المطلوب، فلا يكاد ينكشف به ذلك لملاءمته مع وحدته أيضاً، بل هي الظاهر من الأمر بالصلاة مقيّدة بالوقت كما لا يخفى، فاذا سقط هذا الأمر بخروج الوقت وتعلّق أمر جديد بالقضاء فلا دليل على ثبوت التخيير في الأمر الجديد أيضاً، وإنّما التخيير كان ثابتاً في خصوص الأمر الساقط فقط.

   الثالث: الاستصحاب، بدعوى أنّ الأمر التخييري كان ثابتاً في الأداء ويحكم بثبوته في القضاء أيضاً عملا بالاستصحاب.

   ويرد عليه أوّلا: المنع عن جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، فانّا وإن بنينا على جريانه في الأحكام غير الإلزامية كالإباحة والطهارة على ما بيّناه في الاُصول(3) إلاّ أنّا لا نلتزم بجريانه في خصوص المقام، لأجل المعارضة التي لأجلها منعنا جريانه في الأحكام الإلزامية.

   وذلك لأنّ الوظيفة الأوّلية المقرّرة في حقّ المسافر إنّما هي القصر، وإنّما جعل التخيير لمن كان في إحدى الأماكن المعيّنة، تخصيصاً لما تقتضيه القاعدة الأوّلية. إذن فالتخيير في المقام مجعول للشارع، وليس كالإباحة التي لا تحتاج إلى الجعل، وعلى هذا فاستصحاب بقاء التخيير إلى ما بعد خروج الوقت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 617 السطر 34.

(2) في ص 81.

(3) مصباح الاُصول 3:47.

ــ[127]ــ

معارض باستصحاب عدم جعل التخيير في خارج الوقت.

   وثانياً: أنّ الاستصحاب في نفسه غير جار في المقام، لأجل تعدّد الموضوع فانّ الأمر الأوّل الذي كان على وجه التخيير قد سقط بخروج الوقت جزماً والمفروض هو وحدة المطلوب كما استظهرناه من الدليل حسبما عرفت(1) ، والأمر الثاني الحادث بعد خروج الوقت مشكوك الكيفية من حين حدوثه، حيث لا ندري به أنّه على وجه التخيير أو التعيين، فما الذي نستصحبه؟

   ثم إنّ جميع ما ذكرناه إلى هنا إنّما كان مجاراة منّا، وإلاّ فالظاهر أنّ من تفوته الصلاة في أماكن التخيير ينحصر الفائت في حقّة بالفريضة المقصورة فقط، فانّ العبرة في القضاء بما يفوت المكلّف في آخر الوقت، وهو زمان صدق الفوت.

   ولا شك في أنّه عند ضيق الوقت إلاّ بمقدار أربع ركعات - كما في الظهرين - تنقلب الوظيفة الواقعية من التخيير إلى التقصير، فلا يكون الفائت إلاّ الصلاة قصراً. وهذا الفرض متحقّق دائماً، فانّ الفوت مسبوق لا محالة بالتضيّق المذكور، ومعه لا مجال للاستصحاب ولا لدعوى التبعية، ولا عموم أدلّة الفوت.

   ويستدلّ للقول الثالث - وهو التخيير فيما إذا أراد القضاء في تلك الأماكن - بالاستصحاب والتبعية. وقد عرفت حالهما.

   وعمدة ما يستدلّ له مكاتبة علي بن مهزيار قال: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): أنّ الرواية قد اختلفت عن آبائك في الإتمام والتقصير للصلاة في الحرمين - إلى أن قال - فكتب إليّ (عليه السلام) بخطّه: قد علمت يرحمك الله فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما فأنا اُحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر، وتكثر فيهما من الصلاة»(2).

   فانّ مقتضى إطلاقها استحباب الإكثار من الصلاة واختيار التمام لشرف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 126، 68.

(2) الوسائل 8: 525/ أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 4.

ــ[128]ــ

   [1788] مسألة 12: إذا فاتته الصلاة في السفر الذي يجب فيه الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام فالقضاء كذلك (1).

   [1789] مسألة 13: إذا فاتت الصلاة وكان في أوّل الوقت حاضراً وفي آخر الوقت مسافراً أو بالعكس لا يبعد التخيير في القضاء بين القصر والتمام والأحوط اختيار ما كان واجباً((1)) في آخر الوقت، وأحوط منه الجمع بين القصر والتمام (2).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المكان، من دون فرق بين الأداء والقضاء، لعموم العلّة.

   وفيه ما لا يخفى، فانّها ناظرة إلى الصلاة الأدائية خاصة - وهي التي وقع الخلاف في حكمها بين الفقهاء كما اُشير إلى ذلك في صدر الرواية - ولا إطلاق لها بالإضافة إلى القضاء، وإلاّ لزم القول بالتخيير فيما إذا قضى في الحرمين ما فاته قصراً في غيرهما، فانّ الإطلاق - على تقدير ثبوته - يشمل ذلك أيضاً ولا يظنّ بأحد الالتزام به. فالنظر في الصحيحة يكون مقصوراً على حال الأداء فقط، ولا يكاد يتناول القضاء بوجه.

   فالمتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ الأقوى هو القول الثاني، أعني به تعيّن القصر مطلقاً.

   (1) لعين المناط الموجب للاحتياط في الأداء، وهو العم الإجمالي بأحد التكليفين.

   (2) لا يخفى أنّه بناءً على كون الاعتبار في كيفية الأداء بحال تعلّق الوجوب وأنّ الواجب على من سافر بعد دخول الوقت ليس هو إلاّ التمام فهذا البحث ساقط من أصله، ويكون المتعيّن حينئذ هو قضاء الصلاة تماماً، فانّها هي التي تعلّق بها التكليف في الوقت حتّى في حال السفر، فلم يكن مصداق الفائت إلاّ الصلاة التامّة، فيتعيّن القضاء تماماً.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في كونه أحوط إشكال، نعم هو أظهر.

ــ[129]ــ

   كما أنّه بناءً على كون الوظيفة المقرّرة في الوقت في الفرض المذكور هي التخيير يندرج المقام في المسألة المتقدّمة، وهي الفائتة في مواطن التخيير، وقد مرّ حكمها.

   فالكلام في المسألة مبني على كون الاعتبار في الوقت بحال الأداء وزمان الامتثال وأنّ المتعيّن في الفرض المزبور هي الصلاة قصراً، فهل يتعيّن القضاء حينئذ قصراً أيضاً كما عليه المشهور، أو تماماً كما اختاره جمع من الأعلام كوالد الصدوق(1) والأسكافي(2) والشيخ في المبسوط(3) والسيد المرتضى(4) والحلّي في السرائر(5) وغيرهم (قدس سرهم)، أو يتخيّر بينهما كما مال إليه المصنف (قدس سره) في المتن؟ وجوه، بل أقوال.

   ثمّ إنّ المصنف (قدس سره) بعد نفي البعد عن القول بالتخيير ذكر أنّ الأحوط هو اختيار ما كان واجباً في آخر الوقت وهو القصر في المثال وأحوط منه الجمع بين القصر والتمام.

   قلت: أمّا أنّ مقتضى الاحتياط هو الجمع فحقّ لا سترة عليه، لدوران الفائت بين القصر والتمام، فيكون مقتضى الاحتياط الناشئ من العلم الإجمالي بوجوب أحدهما هو الجمع، وبه يتحقّق اليقين بالفراغ.

   وأمّا كون القصر فقط موافقاً للاحتياط فلم نعرف له وجهاً بعد ذهاب الجمّ الغفير من الأعلام - كما أشرنا إليهم آنفاً - إلى التمام، فانّ الاعتبار عند هؤلاء بحال الوجوب دون الأداء.

   وعلى الجملة: القصر هو أحد طرفي العلم الإجمالي كالتمام، فان تمّ مستنده

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حكاه عنه في السرائر 1: 335.

(2) حكاه عنه في المختلف 2: 547 المسألة 397.

(3) المبسوط 1:140.

(4) حكاه عنه في السرائر 1: 334.

(5) السرائر 1: 332، 334.

ــ[130]ــ

كان القول به أظهر لا أحوط، وإلاّ كان كلا الأمرين بالنظر إلى الاحتياط على حدّ سواء.

   وكيف ما كان، فيستدلّ لوجوب التمام في المقام تارة بأنّ الفائت هو ما خوطب المكلّف به في الحال الأوّل وهو الصلاة تماماً، فانّه لو كان قد صلّى في تلك الحال لكانت صلاته تامّة، فيجب عليه أن يقضيها حينئذ كما هي فاتته.

   وفيه ما لا يخفى، فانّ الخطاب في الحال الأوّل قد سقط وتبدّل بالخطاب بالقصر بسبب ترخيص الشارع في التأخير. ومجرّد الفرض والتقدير وهو أنّه لو كان صلاّها في تلك الحال لكانت تماماً لا يستوجب انطباق عنوان الفوت عليه. فالقصر إذن هو الفائت المتمحّض في الفوت دون غيره.

   واُخرى بما رواه الشيخ (قدس سره) باسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنّه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر فأخّر الصلاة حتّى قدم فهو يريد أن يصلّيها إذا قدم إلى أهله، فنسي حين قدم إلى أهله أن يصلّيها حتّى ذهب وقتها، قال: يصلّيها ركعتين صلاة المسافر، لأنّ الوقت دخل وهو مسافر، كان ينبغي أن يصلّي عند ذلك»(1).

   فانّ مقتضى تعليل القضاء قصراً بوجوبه عليه عند دخول الوقت أنّ الاعتبار في القضاء بحال الوجوب لا حال الأداء، فيدلّ التعليل على وجوب القضاء تماماً في عكس الفرض، وهو ما لو كان حاضراً في أوّل الوقت ثمّ سافر.

   ويندفع بأنّ السند وإن كان معتبراً، إذ ليس فيه من يغمز فيه ما عدا موسى ابن بكر، وهو ثقة على الأظهر كما نبّه عليه سيدنا الاُستاذ (دام ظله) في المعجم(2). لكنّ الدلالة قاصرة، لقرب احتمال كونها ناظرة إلى وقت الفضيلة دون الإجزاء، فتكون من أدلّة القائلين بأنّ الاعتبار في الأداء - في من كان أوّل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8: 268/ أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 3، التهذيب 3: 162/ 351.

(2) معجم رجال الحديث 20: 31/ 12767.

ــ[131]ــ

الوقت حاضراً ثم سافر أو بالعكس - بحال تعلّق الوجوب لا حال الامتثال وعليه فتكون أجنبية عمّا نحن فيه.

   على أنّها معارضة بالنصوص الناطقة بأنّ الاعتبار في القضاء بحال الفوت الذي لا يكاد يتحقّق إلاّ بلحاظ آخر الوقت دون أوّله، فانّه من تبديل الوظيفة لا فواتها كما ستعرف(1).

   والصحيح ما عليه المشهور من تعيّن القضاء قصراً، وكون الاعتبار بحال الأداء لا الوجوب، وذلك لوجهين:

   الأول: أنّ الفوت المأخوذ موضوعاً لوجوب القضاء إنّما ينطبق على الفريضة المقرّرة حال خروج الوقت الذي هو زمان صدق الفوت، وأمّا ما ثبت أوّلا - وقد جاز تركه آنذاك بترخيص من الشارع في التأخير، والمفروض هو سقوط الخطاب به عنه بتبدّل الموضوع وانقلاب الوظيفة الواقعية من التمام إلى القصر - فلا فوت بالنسبة إليه كي يشمله دليل القضاء.

   وبكلمة واضحة: ليس الواجب على الحاضر أوّل الوقت هو التمام بما هو وإلاّ لما جاز له تركه، مع بداهة الجواز بمقتضى التوسعة المفروضة في الوقت، بل الواجب هو طبيعي الصلاة، والتمام إنّما يكون شرطاً لصحّة العمل الواقع في خصوص الظرف المعيّن، حيث لا تصحّ منه الصلاة في أوّل الوقت مع فرض كونه حاضراً حينئذ إلاّ إذا أتى بها تامة، لا أنّ الصلاة التامة بخصوصها تعلّق بها الوجوب في تلك الحال، كيف وقد ساغ له الترك فيه باذن من الشارع، فلو لم يصلّها حينئذ لم يكن قد فاته شيء.

   وهذا بخلاف الصلاة في آخر الوقت، فانّ الواجب عندئذ هو خصوص القصر، ولا يسوغ له تركه، لأجل ضيق الوقت وانحصار الطبيعة المأمور بها في هذا الفرد، فلو ترك ذلك حتى خرج الوقت كان الفائت منه هو هذا الفرد لا محالة، فيختص الفوت به دون غيره، فلا يجب إلاّ القضاء قصراً.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ولمزيد التوضيح لاحظ ما سيأتي في الجزء 20: 391 - 394.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net