وجوب القصد مع القربة والإخلاص في الصوم كسائر العبادات - اعتبار القصد إلى نوع الصوم 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 11:الصوم   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2716


ــ[10]ــ
 

فصـل

في النـيّة

    يجب في الصوم القصد إليه مع القربة والإخلاص (1) ، كسائر العبادات .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لا ريب في أنّ الصوم من  العبادات فيعتبر فيه كغيره قصد القربة والخلوص، فلو صام رياءً أو بدون قصد التقرّب بطل .

   ويدلّنا على ذلك ـ مضافاً إلى الارتكاز في أذهان عامّة المسلمين، وأنّ سنخه سـنخ الصلاة والحجّ وغيرهما من سائر العبادات ـ ما ورد في غير واحد من النصوص من أنّ الاسلام بُني على خمس : الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحجّ ، والولاية(1) .

   إذ من الواضح البديهي أنّ مجرّد ترك الأكل والشرب في سـاعات معـيّنة لا يصلح لأن يكون مبنى الاسلام وأساسه ، بل لا بدّ أن يكون شيئاً عباديّاً يُتقرّب به ويضاف إلى المولى ، ولا سيّما مع اقترانه بمثل الصلاة والولاية المعلوم كونها قربيّة ، ويؤكّده ما في ذيل بعض تلك النصوص من قوله عليه السلام : «أما لو أنّ رجلا قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 13 /  أبواب مقدّمة العبادات ب 1 .

ــ[11]ــ

   ولا يجب الإخطار بل يكفي الداعي (1) .

   ويُعتبر فيما عدا شهر رمضان حتّى الواجب المعيّن أيضاً القصد إلى نوعه (2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله حقٌّ في ثوابه» إلخ (1) .

   فإنّ من المعلوم من مثل هذا اللسان الذي لا يكاد يخفى على العارف بأساليب الكلام أنّ المراد بالشرط صيام الدهر بعنوان العبادة والإتيان بالمأمور به على وجهه ما عدا جهة الولاية لا مجرّد الإمساك المحض ، وهذا واضح لا غبار عليه .

   (1) كما تكرّر البحث عنه في مطاوي هذا الشرح ، ولا سيّما عند البحث حول نيّة الوضوء ، فلاحظ(2) .

   (2) ذكرنا غير مرّة أ نّه لا يُعتبَر في العبادة إلاّ أمران :  أحدهما : الإتيان بذات المأمور به . والآخر : قصد التقرّب والإضافة إلى المولى نحو إضافة ، فإذا تحقّق الأمران بأيّ نحو كان سقط الأمر العبادي ولا يلزم أزيد من ذلك .

   ولكن تحقّق الذات يختلف حسب اختلاف الموارد ، إذ :

   تارةً : يكون من الاُمور غير المعـنونة بشيء ، كما في القيام والقعود والمشي ونحوها من الأفعال الخارجية ، ففي مثله يكفي الإتيان بنفس هذه الاُمور .

   واُخرى : يكون معنوناً بعنوان خاصّ به وقع تحت الأمر وتعلّق به التكليف، وإن كانت نفس الذات الخارجية مشتركة بين أمرين أو اُمور ، وهنا لا مناص

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 7  /   أبواب مقدّمة العبادات ب 1 ح 2 نقلا عن المحاسن كما في التعليق رقم 2 (تحقيق الربّاني) .

(2) راجع شرح العروة 5 : 17 ـ 23 .

ــ[12]ــ

من الكفّارة أو القضاء أو النذر مطلقاً كان أو مقيّداً بزمان معيّن ، من غير فرق بين الصوم الواجب والمندوب ، ففي المندوب أيضاً يُعتبر تعيين نوعه من كونه صوم أيّام البيض ـ مثلا ـ أو غيرها من الأيّام المخصـوصة ، فلا يجزئ القصد إلى الصوم مع القربة من دون تعيين النوع ، من غير فرق بين ما إذا  كان ما في ذمّته متّحداً أو متعدّداً ، ففي صـورة الاتّحاد أيضاً يُعـتبر تعيين النوع ، ويكفي التعيين الإجمالي ، كأن يكون ما في ذمّته واحداً فيقصد ما في ذمّته وإن لم يعلم أ نّه من أيّ نوع وإن كان يمكنه الاستعلام أيضاً، بل فيما إذا كان ما في ذمّته متعدّداً أيضاً يكفي التعيين الإجمـالي ، كأن ينوي ما اشتغلت ذمّته به أوّلا أو ثانياً أو نحو ذلك .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من تعلّق القصد بنفس العنوان تحقيقاً لحصول الذات المأمور بها .

   وهذا كما في الظهرين فإنّهما وإن اشتركتا في الصورة إلا أنّ كلاًّ منهما تتقوّم بعنوان به تمتاز عن الاُخرى كما كشف عن ذلك قوله (عليه السلام) : «إلاّ أنّ هذه قبل هذه»(1) إذ لولا مراعاة العنوان من الظهريّة والعصريّة لم يكن أيّ معنى للقَبليّة والبَعديّة ، لوضوح أنّ كلّ من أتى بثمان ركعات فطبعاً تقع أربعٌ منها قبل الأربع كما هو الحال في نفس الركعات من الصلاة الواحدة ، فإنّ الركعة الاُولى واقعـة قبل الثانية ، وهي قبل الثالثة وهكذا ، فعلمنا من هذا الحكم دخالة العنوان ، فلو أخلّ به فقدّم العصر أو أتى بذات الأربعة من غير قصد الظهر ولا العصر بطل ولم يقع مصداقاً لشيء منهما .

   كما أنّ مسألة العدول أيضاً كاشفة عن ذلك كشفاً قطعيّاً ، وإلاّ فلا معنى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 126 /  أبواب المواقيت ب 4 ح 5 .

ــ[13]ــ

لمفهوم العدول هنا كما لا يخفى .

   وكما في فريضة الفجر ونافلته ، حيث حكم عليهما بأنّ النافلة وقتها طلوع الحمرة المشرقية، وبعد ذلك تُقدّم فريضة الفجر، مع أنّهما متساويتان في الصورة . فعلمنا بذلك أنّ لكلٍّ منهما عنواناً به تمتاز عن الاُخرى .

   وكما في مطلق الفريضة والنافلة من الصلاة والصيام، حيث ورد النهي ـ تحريماً أو تنزيهاً على الخلاف ـ عن التطوّع في وقت الفريضة . فعلمنا أنّ هناك طبيعتين اُمرنا بإحداهما ونُهينا عن الاُخرى وإن كانتا مشـتركتين في الصورة ولا ميِّز بينهما إلاّ بعنوان الفريضة والنافلة .

   وهكذا الحال في الأداء والقضاء ، وفي القضاء عن النفس أو الغير من الولي أو من الأجنبي باستئجار أو تبرّع ونحوهما ، فلو صلّى أو صام من غير قصد الفريضة ولا النافلة أو بلا قصد الأداء ولا القضاء، أو قصد القضاء ولكن لا عن نفسه ولا عن غيره ، لم يقع مصداقاً لشيء من ذلك . وقد وقع الكلام في جواز القضاء عن الغير باستئجار ونحوه ممّن ذمّته مشغولة بالقضاء عن نفسه . فيعلم من ذلك أنّ القضاء عن النفس وعن الغير طبيعتان كلّ منهما محكوم بحكم مغاير للآخر وإن اتّحدا صورةً .

   وهكذا الحال في موارد صوم الكفّارة والنذر ، فإنّ المعتبر تعلقّ القصد بكلّ من العنوانين ، فلو صام نذراً لا يقع عن الكفّارة وبالعكس ، كما أ نّه لو صام بلا قصد لا يقع عن شيء منهما .

   بل وكذا الحال لو كان الاخـتلاف من حيث التقييد بالزمان ، كصوم أيّام البيض أو أوّل الشهر ، فلو صام من غير قصد لجهل ونحوه لم يقع امتثالا لهذا الأمر ، وإن كان هو صحيحاً في نفسه ، كما لو صلّى في مكان ولم يدر أ نّه مسجدٌ فطبعاً لم يقصد الأمر بالصلاة في المسجد ، فهذه الخصوصيّة لم تقع .

ــ[14]ــ

   وعلى الجملة : ففي جميع هذه الموارد نستكشف اختلاف الحقائق من اختلاف الآثار والأحكام وان اتّحدت في الصورة ، فلابدّ من قصد تلك العناوين رعايةً لتحقّق الذات المأمور بها ، فكلّ خصوصيّة ملحوظة في المأمور به لا مناص من تعلّق القصد بها حسبما عرفت .

   هذا كلّه في غير النافلة والنذر .

   وأمّا لو نذر صوم يوم إمّا مطلقاً كصوم يوم من رجب ، أو مقيّداً كيوم أوّل جمعة منه ، فهل يعتبر في سقوط الأمر وتحقّق الوفاء تعلّق القصد بعنوان النذر ؟ فلو اتّفق أ نّه صام نافلةً غافلا عن نذره حنث ، أم أ نّه يكتفي بذلك ولا حاجة إلى مراعاة القصد المزبور ؟

   لايبعد المصير إلى الثاني ، بل لعلّه الظاهر ، فإنّ الأمر النذري توصّلي لايحتاج سقوطه إلى قصد هذا العنوان، كما هو الحال في العهد واليمين والشرط في ضمن العقد ونحو ذلك . ومناط العباديّة إنّما هو الأمر النفسي الاستحبابي العبادي المتعلّق بذات المتعلّق وفي رتبة سابقة على الأمر الناشئ من قبل النذر ونحوه ، دون هذا الأمر ، فإنّه توصّـلي كما عرفت فلا يجب قصـده ، فلو نذر أن يصلّي نافلة الليل في ليلة خاصّة فغفل ، ومن باب الاتّفاق صلّى تلك الليلة برئت ذمّته وتحقّق الوفاء وإن كان غافلا عنه .

   والحاصل : أنّ ما ذكرناه ـ من أ نّه ربّما يؤخذ في متعلق الأمر عنوان قصدي كعنوان الظهر والعصر والقضاء والكفّارة ونحو ذلك ـ لا يجري في مثل النذر والنافلة، لعدم أخذه في المتعلّق، بل المتعلّق هو نفس النافلة وقد حصلت حسب الفرض ، والأمر بالوفاء بالنذر توصّلي ، ومناط العباديّة شيء آخر كما عرفت ، ولا يكون النذر مشرَّعاً ، وإنّما يتعلّق بشيء مشروع في نفسـه وعبادي قبل تعلّق النذر به .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net