كفاية قصد الصوم في شهر رمضان وإن لم ينو كونه منه - هل يصحّ صيام غير شهر رمضان فيه ؟ 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 11:الصوم   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2566


ــ[15]ــ

   وأمّا في شهر رمضان فيكفي قصد الصوم وإن لم ينو كونه من رمضان (1) ، بل لو نوى فيه غيره جاهلا أو ناسياً له أجزأ عنه .

   نعم، إذا كان عالماً به وقصد غيره لم يجزئه كما لا يجزئ لما قصده أيضاً ((1)) ، بل إذا قصده غيره عالماً به مع تخيّل صحّة الغير فيه ثمّ علم بعدم الصحّة وجدّد نيّته قبل الزوال لم يجـزئه أيضاً بل الأحـوط عدم الإجزاء إذا  كان جاهلا بعدم صحّة غيره فيه . وإن لم يقصد الغير أيضاً بل قصد الصوم في الغد مثلاً ((2)) فيعتبر في مثله تعيين كونه من رمضان ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) هل يصحّ صومٌ آخر في شهر رمضان ليتردّد فيحتاج إلى قصد التعيين ، أو أ نّه لا يصحّ ، بل هو متعيّن فيه بالذات فلا يحتاج إلى القصد ؟

   فنقول : إنّ للمسألة صوراً :

   إحداها : ما إذا كان المكلّف في نفسه ممنوعاً من الصيام بلا فرق بين رمضان وغيره ، في رمضان أو في غيره ، لفقد شرط أو وجود مانع من مرض أسفر أو حيض أو نفاس ونحو ذلك، ولا إشكال في بطلان صومه والحال هذه بأيّ عنوان كان ، فلو صام وهو في السفر ولو عن نذر ـ غير متقّيد بالسفر ـ بطل ، لأنّ ما دلّ على عدم جواز الصيام في السفر ـ  إلّا ما استثني كما في بدل الهدي  ـ يدلّ على عدم مشروعيّته في نفسه من غير خصوصيّة لصوم رمضان .

 ولا حاجة إلى الاستدلال ـ كما في الجواهر(3) ـ بالنبوي: «ليس من البرّ الصيام في السفر»(4)، بل النصوص الصحيحة قد دلّت على ذلك ، التي منها : صحيحة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) على إشكال أحوطه ذلك .

(2) لا يبعد الإجزاء فيه .

(3) جواهر الكلام 16 : 332 ـ 333 .

(4) الوسائل 10 : 177 /  أبواب من يصح منه الصوم ب 1 ح 10 .

ــ[16]ــ

صيقل ، قال : كتبت إليه : يا سيّدي ، رجلٌ نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي ، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام تشريق أو سفر أو مرض ، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه ، أو كيف يصنع يا  سيّدي ؟ فكتب إليه : «قد وضع الله عنك الصيام في هذه الأيّام كلّها ، ويصوم يوماً بدل يوم»(1).

   فيعلم منها أنّ هذه الموارد ـ التي منها السفر ـ غير صالحة للصيام ، لا لأجل رمضان ، بل للمانع العامّ الشامل لغيره أيضاً .

   الثانية : ما إذا كان الصوم سائغاً من المكلّف في حدّ نفسه ، ولكنّه لا يصحّ إيقاع صوم رمضان بالخصوص لكونه مسافراً ، فهل يصح منه صوم يوم آخر لم يكن السفر مانعاً عنه ، كما لو كان ناذراً صوم يوم في السفر إمّا مطلقاً ، أو على تقدير خاصّ ، مثل : أن نذر أن يصوم في اليوم الذي يولد له ولدٌ وإن كان في السفر ، فولد له وهو في السفر وصادف أ نّه من شهر رمضان ، فهل يصحّ منه الصوم حينئذ وفاءً عن نذره أو لا ؟

   أمّا دعوى عدم الصحّة استناداً إلى المزاحمة فغير قابلة للإصغاء، إذ المفروض عدم وقوع رمضان منه ليكون طرفاً للمزاحمة ، لسقوطه عن المسافر وتعيّن القضاء عليه ، فلا بدّ اذن من البحث عن مانع آخر .

   وقد قيل ـ بل ادُّعي الإجماع عليه ـ  : إنّ أيّام رمضان لا تقبل أيّ صوم ما  عدا صوم رمضان ، فإن كان المكلّف معذوراً منه انتفى عنه كلّ صوم في هذا الشهر، فحال أيام رمضان حال الليالي بالنسبة إلى سائر أقسام الصيام . وعليه، فلا يصحّ صوم النذر في الفرض المزبور .

   ويندفع بعدم تحقّق الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 10 : 196 /  أبواب من يصحّ منه الصوم ب 10 ح 2 .

ــ[17]ــ

ولم ترد رواية تدلّ على المنع ، والآية المباركة أيضاً لا تقتضيه ، فإنّ قوله تعالى : (فَمَن كَانَ مِنكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَر) إلخ(1)، ناظرٌ إلى أنّ المسافر لا يجب عليه صوم رمضان ، لا أ نّه لا يصحّ منه صوم آخر وأنّ الشهر لا يكون قابلا لما عداه ، فهي أجنبيّة عن التعرّض لصوم النذر وغيره بالكلّيّة ، فليس لدينا أيّ دليل يدلّ على المنع ، فنبقى نحن ومقتضى القاعدة ، ولا ريب أنّ مقتضاها هو الجواز ، أخذاً بإطلاق دليل وجوب الوفاء بالنذر المتعلّق بالصوم في السفر ـ بعد الفراغ عن صحّة هذا النذر في نفسه كما هو المفروض ـ الشامل لما إذا كان السفر في رمضان .

   وعليه ، فالأقوى صحّة الصوم المزبور بل وجوبه ، عملا بالنذر ، إلاّ أن يقوم إجماعٌ على الخلاف ، وقد عرفت الحال فيه .

   الثالثة : ما إذا كان مكلّفاً بالصيام من شهر رمضان .

   والبحث هنا يقع في جهات :

   الاُولى : هل الصوم في شهر رمضان معنون بعنوان خاصّ يجب قصده لدى التصدّي لامتثاله فلا يكفي مجرّد صوم الغد ، أو أ نّه عار عن العنوان وغير متقيّد بشيء ؟

   فصّل في المتن بين صورتي العلم بعدم صحّة غير رمضان في رمضان والجهل بذلك، فيكفي صوم الغد في الأوّل ولا حاجة إلى قصد خصوصيّة رمضان بعنوانه الخاصّ ، بل يكفي تعلّق القصد بطبيعي الصوم .

   وهذا بخلاف الثاني، إذ مع الجهل وتخيّل صحّة صوم آخر فيه فللصوم في هذا الشهر أقسامٌ بنظره ولم يقصد قسماً خاصّاً ، ولأجله احتاط في كفاية صوم الغد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 184 .

ــ[18]ــ

واعتبر حينئذ تعيين كونه من رمضان .

   ولكن الظاهر عدم الفرق بين القسمين :

   أمّا في القسم الأوّل :  فلا ينبغي الإشكال في الصحّة ، فإنّ الملتفت إلى أ نّه لا يصحّ منه أيّ صوم إلاّ رمضان وقد قصد طبيعي الصوم وتقرّب بذلك، فلا جرم يكون هذا منه اشارة إجمالية ونيّة ارتكازيّة إلى صوم رمضان بطبيعة الحال .

   ولو تنازلنا عن هذا البيان وفرضنا عدم استقامته ، أمكن تصحيح الصوم المزبور بوجه آخر يظهر منه الحال في القسم الثاني أيضاً بمناط واحد ، وهو أ نّه لم يظهر من شيء من الأدلة لا الكتاب ولا السنة أخذ عنوان شهر رمضان في صحّة صـومه حتّى يلزم قصـده ، بل اللازم تعلّق القصد بنفس الصوم مع العلم بأنّ غـداً من رمضـان كما هو ظاهر قـوله تعـالى : (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَلْيَصُمْهُ)(1) أي من علم بالشهر يصوم ذلك الشهر ، بحيث يكون الشهر ظرفاً للصوم لا قيداً مأخوذاً في العنوان ليلزم تعلّق القصد به .

   نعم ، يُعتبَر أن لا يقصد عنواناً آخر من العناوين المضادة لرمضان كالكفّارة أو النيابة أو القضاء ونحو ذلك ممّا لا ينطبق عليه ، وأمّا إذا لم يقصد شيئاً منها وقصد طبيعي الصوم غداً القابل للانطباق على رمضان فلم يدلّ أيّ دليل على عدم الاجتزاء به ، فالقيد المعتبر عدمي لا وجودي ، أي يعتبر أن لا يؤخذ عنوانٌ آخر لا أن يؤخذ عنوان رمضان ، ولا فرق في ذلك بين العالم والجاهل من الشاكّ أو المعتقد بالخلاف ، فمتى قصد الطبيعي ولم يقيّده بعنوان آخر صحّ وكان مصداقاً للواجب .

   وبعبارة اُخرى : الصوم في شهر رمضان كالصوم في سائر الأيّام ، غاية الأمر أنّ الصوم في سائر الأيام بعنوان أ نّه صوم مستحبٌّ وهنا واجب ، ولم يؤخذ في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 185 .

ــ[19]ــ

شيء منهما عنوانٌ آخر وراء نفس الطبيعة .

   نعم ، قد يُقصَد عنوانٌ آخر مضادّ ، ولأجله لا يقع عن رمضان ، وذلك أمر آخر نتكلّم فيه .

   فتحصّل : أنّ صوم رمضان لا يتوقّف إلاّ على نيّة طبيعي الصوم المقيّد بعدم قصد عنوان آخر وبقصد التقرّب ، وكلا الأمرين حاصلٌ حسب الفرض ، والعلم والجهل في ذلك شرع سواء .

   الجهة الثانية : لو قصد الملتفت إلى أنّ غداً من رمضان وهو مكلّف به صوماً آخر من قضاء أو كفارة ونحوهما سواء كان عالماً بتعيّن رمضان عليه أم جاهلا بذلك ، فهل يصحّ صومه ؟

   أمّا بالنسبة إلى صوم رمضان والاجتزاء به عنه فلا ينبغي الشكّ في عدم الصـحّة ، لعدم إتيانه بالمأمور به ، فإنّه كان متقيّداً بعدم قصد عنوان آخر حسبما عرفت في الجهة السابقة ، والمفروض قصده ، فما هو المأمور به لم يأت به ، وما أتى به لم يكن مأموراً به من رمضان ، والإجزاء يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل ، وهذا ظاهر .

   وأمّا بالنسبة إلى الصوم الآخر الذي قصده ، فالمشهور والمعروف هو عدم الصحّة ، بل قد ادُّعي الإجماع والتسالم على أنّ شهر رمضان لا يقبل صوماً غيره ، ولكن من المحتمل بل المظنون بل المقطوع به ولا أقلّ من الاطمئنان : أنّ أكثر من ذهب إلى ذلك إنّما ذهبوا بناءً منهم على امتناع الأمر بالضدّين ، فإنّه مأمور بالصيام من رمضان على الفرض فكيف يؤمر في عين الحال بصوم آخر مضادّ له ؟! سواء قلنا بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه أم لا .

   أمّا على الأوّل فواضح ، وكذا على الثاني ، إذ لا أقل من عدم الأمر كما ذكره

ــ[20]ــ

شيخنا البهائي(1) فتفسد العبادة من أجل عدم الأمر بها .

   ولكن بناءً على ما سلكناه في الاُصول(2) وسلكه من سبقنا من جواز الأمر بالضدّين على سبيل الترتب ـ بأن يؤمَر بأحدهما مطلقاً ، والآخر على تقدير ترك الأوّل من غير أيّ محذور فيه حسبما فصّلنا القول فيه في محلّه ، وشيّدنا تبعاً لشيخنا الاُسـتاذ (قدس سره) (3) أساسه وبنيانه ـ كان مقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة في المقام ، بأن يؤمَر أوّلا بصوم رمضان ثمّ بغـيره على تقدير تركه ، فإنّ هذا ممكن في نفسه حتّى على القول بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه فضلا عن عدمـه ، إذ هو نهيٌ غيري لا يقتضي الفسـاد بوجه ، وقد أشرنا في محلّه إلى أنّ إمكانه مساوقٌ لوقوعه من غير حاجة إلى التماس دليل بالخصوص .

   وعليه ، فالحكم بالفساد مشكلٌ جدّاً ، لعدم تماميّة الإجماع ، بل الجزم بعدم التماميّة ، ومقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة حسبما عرفت .

   ثمّ إنّ المحقّق الهمداني (قدس سره) ذكر أ نّه قصد الملتفت إلى رمضان صوماً غيره جهلا بحيث تمشّى منه قصد القربة ، وقع عن رمضان دون ما نواه ، نظراً إلى أ نّه لا يُعتبَر في رمضـان قصد الخصـوصيّة ولا تتقوّم حقيقته بشيء عدا الإمساك في هذا الوقت متقرّباً إلى الله تعالى وقد حصل ، وقصد الخلاف زائدٌ يُلغى ، ولا يكون قادحاً ، فإنّه من باب الخطأ في تشخيص الأمر المتوجّه إليه ، فكأنّ الداعي هو ما تخيّله لا ما اُمر به ، ولا ضير فيه بعد حصول الفعل على الوجه الذي تعلّق به الطلب كما عرفت(4) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحبل المتين : 151 .

(2) ، (3) أجود التقريرات 1 : 310 .

(4) مصباح الفقاهة : 169 .

  
 

ــ[21]ــ

   ويندفع بما أسلفناه قريباً من أنّ صوم رمضان وإن لم يكن مقيّداً بخصوصيّة وجوديّة إلاّ أ نّه مقيّدٌ بعنوان عدمي ، وهو عدم قصد الخلاف من سائر أقسام الصيام المانع عن انطباق الطبيعي على رمضان وهو غير متحقّق في المقام .

   وعلى الجملة : إمّا أن يتعلقّ القصد بطبيعي الصوم على الإطلاق ، أو بالمقيّد برمضان ، أو بالمقيّد بخلافه ، ولا رابع ، فإنّ الإهمال في الواقعيّات أمرٌ غير معقول ، والصحّة تتوقف على تعلق القصد بأحد النحوين الأولين ، وهما منفيّان في المقام، لفرض تعلّق النيّة بالخلاف الذي هو النحو الثالث الباطل، ولا يصحّحه حديث الخطأ ، إذ بعد أن أوجب فقد القيد العدمي المزبور المانع عن الانطباق على رمضان فكيف يقع عنه ؟!

   نعم ، يصحّ عمّا نواه على سـبيل الترتّب على النحو الذي عرفت ، ويكون عاصياً في صورة العلم ، معذوراً في صورة الجهل كما هو ظاهر .

   الجهة الثالثة : لو قصد في رمضان غيره جاهلا أو ناسياً ثمّ انكشف الخلاف ، فهل يجزئ عنه ؟

   أمّا في الجاهل بالحكم فقد عرفت أ نّه لا يجزئ وإن علم بالحال أثناء النهار وجدّد النيّة قبل الزوال كما ذكره في المتن ، لأنّ صوم رمضان مقيّد بقيد عدمي ، وهو أن لا ينوي غيره كما مرّ ، والمفروض أنه نوى ذلك ، ولا دليل على إجزاء غير المأمور به عن المأمور به ، كما لا دليل على جواز التجديد في المقام بعد كونه خلاف الأصل .

   وأمّا في الجاهل بالموضوع ـ أي أنّ هذا اليوم من رمضان ـ كما لو صام في يوم الشكّ بعنوان شعبان ثمّ بان أ نّه من رمضان فقد دلّت الروايات المستفيضة على الاجتزاء والصحّة وأنّ ذلك يومٌ وُفِّق له .

   وهل يلحق به الناسي كما لو رأى الهلال ثمّ ذهل وغفل وصام تطوّعاً ـ مثلا ـ




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net