أدلة القول بجواز العدول 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2757


ــ[94]ــ

   واستدلّ للجواز بوجهين .

    أدلة القول بجواز العدول

   أحدهما : الاطلاقات ، لأن ما دلّ على حجية فتوى المجتهد وجواز الأخذ بها غير مقيد بما إذا لم يرجع إلى غيره ، فمقتضى الاطلاق حجية فتوى المجتهد وإن أخذ العامّي بفتوى غيره ، هذا .

   وفيه : أ نّا قد تعرضنا لحال التمسك بالاطلاق في التكلم على التعادل والترجيح (1) وبيّنا أن الاطلاق غير شامل للمتعارضين لأنه يستلزم الجمع بين المتنافيين ، ولا أنه يشمل أحدهما المعيّن دون الآخر لأنه بلا مرجح ، ولا لأحدهما غير المعين لما سيأتي من أن الحجية التخييرية مما لا يمكن المساعدة عليه (2) .

   وثانيهما : الاستصحاب ، وذلك لأن المكلف قبل الأخذ بفتوى أحدهما كان مخيّراً بين الأخذ بهذا أو بذاك ، لفرض أن المجتهدين متساويان وفتوى كل منهما واجدة لشرائط الحجية ، فإذا رجع إلى أحدهما وشككنا لأجله في أن فتوى الآخر باقية على حجيتها التخييرية أو أنها ساقطة عن الاعتبار ، حكمنا ببقاء حجيتها التخييرية بالاستصحاب ، ومقتضى ذلك أن المكلف مخيّر بين البقاء على تقليد المجتهد الأول والعدول إلى المجتهد الّذي يريد العدول إليه .

   وهذا الاستدلال يمكن المناقشة فيه من جهات :

    الجهة الاُولى : أن الاستصحاب ، على ما بيّناه في محله (3) يعتبر في جريانه إتحاد القضية المتيقنة والمشكوك فيها ، ولا يتحقق هذا إلاّ ببقاء الموضوع فيه ، ولم يحرز بقاؤه في المقام ، وذلك لأن الحكم بالتخيير إن قلنا إن موضوعه من لم يقم عنده حجة فعلية فلا شبهة في أن ذلك يرتفع بالأخذ بإحدى الفتويين لأنها صارت حجة فعلية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 3 : 366 .

(2) راجع ص 132  .

(3) مصباح الاُصول 3 : 227 .

ــ[95]ــ

بأخذها ، فلا موضوع لاستصحاب التخيير وهو ظاهر ، وإن قلنا إن موضوعه من تعارض عنده الفتويان ، نظير من تعارض عنده الخبران أو جاءه حديثان متعارضان الّذي هو الموضوع للحكم بالتخيير في تعارض الروايتين على القول به ، فهو أمر يرتفع بالرجوع إلى إحدى الفتويين . فلو شككنا بعد ذلك في بقاء الحكم بالتخيير وارتفاعه لم يكن مانع من استصحابه بوجه ، ولكنا لم نحرز أن الموضوع أيهما حيث إن مدعي التخيير في المسألة إنما يروم إثباته بالاجماع أو السيرة وهما دليلان لبيان وليسا من الأدلة اللفظية ، لنستظهر أن موضوع الحكم فيها مَن تعارض عنده الفتويان كما استظهروا ذلك في تعارض الروايتين وقالوا إن مقتضى الروايات أن موضوع الحكم بالتخيير مَن جاءه حديثان متعارضان ، أو تعارض عنده الخبران وهذا باق بحاله قبل الأخذ بأحدهما وبعده ، بحيث لو لم يكن لتلك الروايات عموم أو إطلاق مثبت للتخيير بعد الأخذ بأحدهما أمكننا استصحابه لبقاء موضوعه . وهذا بخلاف المقام لدوران الموضوع فيه بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع . وقد ذكرنا غير مرة أن في مثله لا مجال للاستصحاب بالكلية لأنه لا يجري في الموضوع ولا في حكمه ، أمّا عدم جريانه في الحكم فلأجل الشك في بقاء موضوعه ، وأما عدم جريانه في الموضوع فلأجل أن استصحابه بوصف أنه كذلك عبارة اُخرى عن استصحاب الحكم نفسه ، وأما ذاته لا بوصف أنه موضوع فهو ليس بمورد للاستصحاب فإنه لا شك فيه ، حيث إنه مقطوع البقاء أو مقطوع الارتفاع .

    الجهة الثانية : أن الاستصحاب إن تمّ فإنما يتم فيما إذا كانت الحالة السابقة هو التخيير ، ولا يتم فيما إذا كان المجتهد الأول أعني من يريد العدول عنه أعلم ممن يريد العدول إليه ، إلاّ أنه ترقى متدرجاً حتى بلغ مرتبة المجتهد الأول وساوى معه في الفضيلة ، لأنا إذا شككنا حينئذ في تعين البقاء على تقليد الأول وجواز الرجوع إلى المجتهد الثاني ، لم يمكننا استصحاب التخيير بوجه إذ ليست له حالة سابقة لتستصحب بل الحالة السابقة هو التعيين لما فرضناه من أنه أعلم من المعدول إليه . إذن الاستدلال بالاستصحاب أخص من المدعى .

    الجهة الثالثة : أن الاستصحاب غير تام في نفسه ، لأنه من الاستصحابات الجارية

ــ[96]ــ

في الأحكام وقد بيّنا غير مرّة أن الأحكام الكلّية ليست مورداً للاستصحاب لابتلائه بالمعارض دائماً على ما قرّرناه في محلّه .

    الجهة الرابعة : أ نّا لو أغمضنا عن ذلك وبنينا على جريان الاستصحاب في الأحكام أيضاً لم يكن مجال لاستصحاب التخيير في المقام ، لأنه مبتلى بالمعارض وهو استصحاب الحجية الفعلية للفتوى المأخوذ بها وتوضيحه :

   أن الحجية التخييرية لا معنى محصل لها ، حيث إن الحجة بمعنى الطريقية والوسطية في الاثبات أعني جعل ما ليس بعلم علماً تعبداً ، إذن ما معنى كون الحجة تخييرية ؟ فإن اُريد بها أن الجامع بين ما أدى من الأمارات إلى حرمة شيء وما أدى إلى وجوبه قد جعل علماً تعبداً وطريقاً مستكشفاً عن الواقع على ما ذكرناه في الواجبات التخييرية وقلنا إن الواجب التخييري هو الجامع بين الفعلين والخصوصيات الفردية أو النوعية كلّها خارجة عن حيّز الطلب إلاّ أن المكلف له أن يطبقه على هذا وذاك ، فهو وإن كان أمراً معقولاً في نفسه إلاّ أنه في الحجية مما لا محصّل له ، فإن اعتبار الطبيعي الجامع بين ما دلّ على وجوب شيء وما دلّ على حرمته ، علماً تعبداً وحجة كاشفة عن الواقع معناه أن الجامع بين المتنافيين قد جعل طريقاً إلى الواقع ، ولا معنى لجعل الجامع بين الضدّين مثلاً طريقاً وكاشفاً عن الواقع فلا معنى للحجية التخييرية ، أللّهمّ إلاّ أن يرجع إلى إيكال أمر الحجية إلى اختيار المكلف بأن يتمكن من أن يجعل ما ليس بحجة حجة بأخذه فتوى أحد المتساويين ، لأنه حينئذ قد جعل الفتوى المأخوذ بها حجة فعلية وطريقاً إلى الواقع بعد ما لم يكن كذلك ، والحجية التخييرية بهذا المعنى صحيحة إلاّ أنها ليست مورداً للاستصحاب لابتلائه بالمعارض، وذلك لأن فتوى أحد المتساويين إذا اتصفت بالحجية الفعلية لأخذ المكلف بها ، وشككنا في أن فتوى المجتهد الآخر هل يجوز الأخذ بها أو لا يجوز جرى هناك استصحابان متعارضان، أحدهما : إستصحاب جواز الأخذ بفتوى المجتهد الآخر الّذي نشك في جواز الأخذ بها بقاءً ، لأنه مسبوق بالجواز على الفرض . وثانيهما : إستصحاب حجية ما اتصف بالحجية الفعلية بالأخذ به ، لأن الأصل عدم سقوطه عن الحجية بالرجوع إلى المجتهد الآخر ، فاستصحاب بقاء التخيير بالنسبة إلى ما لم يأخذ به قبل ذلك ،

ــ[97]ــ

معارض باستصحاب بقاء الحجية الفعلية فيما أخذ به .

   وأما ما عن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أن استصحاب الحجية التخييرية حاكم على استصحاب بقاء الحجية في أحدهما المعين (1) فمما لا يمكن المساعدة عليه، لما عرفت من أن الحجية التخييرية لا معنى لها سوى إيكال أمر الحجية إلى اختيار المكلف ، بأن تتصف الفتوى بالحجية الفعلية بأخذها ، ومن الظاهر أن عدم الحجية الفعلية بهذا المعنى ليس من الآثار الشرعية المترتبة على بقاء الحجية التخييرية ليكون استصحابها حاكماً على استصحاب بقاء الحجية التعيينية، وإنما هو من الآثار العقلية الّتي لا يترتب على الاستصحاب بوجه ، هذا .

   والصحيح أن اسـتصحاب الحجية التخييرية غير جار في نفسه ، لأنه بمعنى استصحاب الحجية الشأنية أعني الحجية على تقدير الأخذ بها ، وهو من الاستصحاب التعليقي ولا نقول به حتى إذا قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية في موارد الأحكام التخييرية ، ومع عدم جريان الاستصحاب إذا شككنا في حجية فتوى المجتهد الّذي يريد العدول إليه لا مناص من الحكم بعدم حجيتها لأن الشك في الحجية يساوق القطع بعدمها ، هذا .

   ثمّ إن لشيخنا المحقق (قدّس سرّه) كلاماً في المقام وحاصله : أن مقتضى حجية الطرق والأمارات على الطريقية كما هي الأصح ، أن تكون فتوى المجتهد منجّزة للواقع على تقدير الاصابة ومعذّرة عنه على تقدير الخطأ ، وإذا فرضنا أن الفتويين متعارضتان لم يكن معنى لكونهما منجّزتين لعدم احتمال الاصابة في كلتيهما وإنما هي تحتمل في إحداهما . نعم ، لا مانع من أن تكونا معذّرتين ومبرئتين للذمة معاً ، لأن التعارض إنما يمنع عن تصديق دليل الحجية من حيث منجزيتهما للواقع ، إذ لا واقع فيهما ولا يمنع عن تصديقه من حيث معذّريتهما بوجه ، ومعنى ذلك أن الشارع جعلهما معذّرتين تخييراً أي اقتنع عن الواقع بموافقة أحدهما مع دوران عقاب الواقع على مخالفتهما معاً ، وهذا المعنى من الحجية مما لا بدّ من الالتزام به في المقام ، للاجماع والعلم بعدم خروج وظيفة المكلف عن إحدى الفتويين ، وعدم تساقطهما والرجوع إلى غير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رسالة في الاجتهاد والتقليد : 87 .

ــ[98]ــ

فتوى المجتهد ، والمفروض أن الطريق للمقلّد منحصر في اتباع فتوى المجتهد . بل يمكن استفادة ذلك من نفس دليل الحجية لما عرفت من أن التعارض لا يمنع إلاّ عن تصديقه من حيث المنجّزية ، ولا يمنع عن تصديق دليل الحجية من حيث معذّريتهما معاً . فعلى ما ذكرناه من أن الفتويين قد جعلهما الشارع حجتين تخييراً بالمعنى المتقدم إذا شكّ المكلّف بعد العمل بإحدى الفتويين في أن ما أخذ به هل تعيّن في حقه أم أن كلاً منهما باقية على ما كانت عليه من المنجّزية والمعذّرية ، كان مقتضى الاستصحاب بقاءهما على تلك الصفة المجعولة وهي الحجية التخييرية بالمعنى الّذي عرفت .

   ومن هذا يتضح أن استصحاب الحكم الّذي أخذه المكلف قبل ذلك لا يوجب تعينه عليه ، لوضوح أنه كان ثابتاً من الابتداء ولم يكن ثبوته مانعاً عن ثبوت الآخر فكيف يمنع عن ثبوته بقاء ، فاستصحاب الحجية الفعلية لقول المجتهد الأول لا ينافي استصحاب الحجية التخييرية لفتوى المجتهد الآخر ، فإن حال الحكمين بحسب البقاء حالهما بحسب الحدوث ، ومعه لا حاجة إلى ما أفاده الشيخ الأجل (قدّس سرّه) من أن استصحاب الحجية التخييرية حاكم على استصحاب الحكم المختار . بل بناء على الطريقية ليس هناك حاكم ولا محكوم ولا حكم شرعي ، وإنما الموجود منجّزية الفتويين ومعذّريتهما ، ومن الظاهر أن حجية الفتوى المأخوذ بها بالمعنى المتقدم ، غير مانعة عن حجية الاُخرى بوجه وكلتاهما في عرض واحد .

   نعم ، لو قلنا بلزوم الالتزام بالحكم فيتحقق هناك حاكم ومحكوم ، لأن الحكم بالالتزام بهذا أو بذاك أمر ، ووجوب القصر أو وجوب الاتمام أمر آخر ، إلاّ أن وجوب الالتزام لو ثبت فإنما يخص التقليد ولا يأتي في العمل بالخبرين ، بل لا يمكن تصديقه في التقليد أيضاً ، لأنه يبتني على أن يكون التقليد هو الالتزام وقد مرّ أنه العمل دون الالتزام .

   أضف على ذلك أن الالتزام لا معنى محصّل له إلاّ أن يتعلق بالحكم الفعلي، لأن الالتزام مقدمة للعمل بمتعلقه فلا مناص من أن يكون متعلقه أمراً صالحاً للبعث نحو العمل ، ولا يعقل أن يكون كلا الحكمين فعلياً تعيينياً ، لأنهما متعارضان . إذن لا مناص من أن يكون الحكمان فعليين تخييريين تحقيقاً للالتزام بهذا أو بذاك ، ومعه لا يكون استصحاب الحكم المختار موجباً للتعين وإنما يقتضي الاستصحاب بقاء كل من

ــ[99]ــ

الحكمين على ما كان عليه أولاً . إنتهى ما أردنا نقله ملخّصاً موضّحاً (1) .

   ويرد عليه : أ نّا بيّنا فيما سبق وسنبين قريباً أيضاً أن الحجية التخييرية لا معنى محصل لها سوى إيكال أمر الحجية إلى اختيار المكلف ، بحيث يتمكن من أن يجعل ما ليس بحجة حجة باختياره وأخذه ، ومرجعه إلى حجية كل من الفتويين مشروطة بالأخذ بها ، ومعنى الحجية بناءً على ما هو الصحيح من الطريقية ، هو الكاشفية والوسطية في الاثبات أعني جعل ما ليس بعلم علماً تعبداً ، ونتيجة ذلك أن المجعول شرعاً إنما هو إحراز الواقع تعبداً لا المنجزية والمعذرية لأنهما من الأحكام العقلية المترتبة على الحجية بالمعنى الّذي ذكرناه ، لا أن الحجية هي المنجزية والمعذرية . ويترتب على هذا أن المكلف إذا أخذ بإحدى الفتويين كانت الفتوى المأخوذة حجة فعلية عليه ، ولازمها أن يكون الحكم الّذي أدّت إليه الفتوى المأخوذة متنجزاً عليه ومع صيرورة الفتوى الاُولى حجة فعلية لا تبقى الفتوى الثانية على الحجية التخييرية بوجه ، كما أن الحكم الفرعي قد تنجز على المكلف بأخذه الفتوى المؤدّية إليه ، وهو حكم تعييني منجّز عليه ولا معنى معه لبقاء الفتوى الثانية على الحجية التخييرية .

   فبهذا يتّضح أن الفتوى الثانية بعدما اتصفت الفتوى الاُولى بالحجية الفعلية من جهة أخذ المكلف بها ، لا يعقل اتصافها بالحجية التخييرية حدوثاً كما لا يعقل بقاؤها عليها ، سواء أ كان المستصحب حجية الفتوى المأخوذ بها سابقاً أو كان هو الحكم الفرعي الّذي أدت إليه الفتوى المأخوذ بها . بل ذلك في الحكم الفرعي أوضح لأنه حكم تعييني منجّز على المكلف بأخذه الفتوى المؤدية إليه ، فإن التخيير إنما هو في الحجية والمسألة الاُصولية دون الحكم الفرعي لتعينه بالأخذ بما أدت إليه . إذن كان استصحاب الحجية الفعلية أو الحكم الفرعي المتنجز معارضاً لاستصحاب الحجية التخييرية الثابتة على الفتوى الثانية كما ذكرناه . وبهذا يظهر أن هناك حكماً فعلياً شرعياً وهو الحكم الفرعي الّذي أدت إليه الفتوى المأخوذ بها وتعبدنا به الشارع بمقتضى حجيتها، فإن حال المقام حال بقية الأحكام الثابتة بالحجج والأمارات الشرعية .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رسالة في الاجتهاد والتقليد (الاصفهاني) : 148 .

ــ[100]ــ

   ثمّ إن الموافقة الالتزامية وإن لم يقم دليل على وجوبها ، إلاّ أن لتعارض الحجتين خصوصية مستتبعة للالتزام بناءً على القول بالتخيير ، وذلك لما قدّمناه من أن الحجية التخييرية لا معنى لها سوى إيكال أمر الحجية إلى المكلف بحيث يتمكن من جعل ما ليس بحجة حجة ، وذكرنا أن معنى ذلك أن الحجية الفعلية متوقفة على أخذ المكلف واختياره ، ولا معنى للأخذ والاختيار سوى الالتزام بتطبيق العمل على طبق إحدى الفتويين أو غيرهما من الأمارات المتعارضة ، فوجه الحاجة إلى الالتزام في تلك الموارد أن موضوع الحجية التخييرية لا يتحقق من دونه وليس ذلك مستنداً إلى أن التقليد هو الالتزام أو إلى القول بوجوب الموافقة الالتزامية في الأحكام .

   ثمّ إن كون الحجية منوطة بالاختيار إنما يخص القول بالتخيير عند تعارض الحجتين، لوضوح أن حجية الحجة إذا لم تكن معارضة غير منوطة بالاختيار بل يتوقف فعليتها على العلم بها فحسب .

   وبما سردناه يظهر أن متعلق الالتزام إنما هو الاستناد إلى الفتوى المأخوذ بها في مقام الامتثال ولا يلزم أن يكون متعلقه حكماً تخييرياً كما أفاده (قدّس سرّه) حتى بناء على وجوب الموافقة الالتزامية أو تفسير التقليد بالالتزام ، وذلك أما بناء على وجوب الموافقة الالتزامية فلأن متعلق الالتزام إنما هو الحكم الواقعي ، فإن كان معلوماً تفصيلياً للمكلف فهو ، وأمّا إذا كان معلوماً إجمالياً له فلا مناص من أن يلتزم بالحكم الواقعي على إجماله وتردده .

   وأمّا بناءً على أن التقليد هو الالتزام فمن الظاهر أن الالتزام إنما يتعلق بالعمل على طبق الفتوى المأخوذ بها ، والاستناد إليها في مقام الامتثال . والمتلخص أن الالتزام لا يلزم أن يتعلق بالحكم الفعلي أو التخييري ليدعى أن استصحاب الحكم المختار لا يكون موجباً للتعين وأن مقتضى الاستصحاب بقاء كل من الحكمين على ما كان عليه أولاً .

   فعلى ما بيّناه يكون استصحاب الحكم الّذي أفتى به المجتهد الأول وكذا استصحاب الحجية التعيينية لفتواه معارضاً باستصحاب الحجية التخييرية لفتوى المجتهد الآخر .

ــ[101]ــ

   تتميم : قد أسلفنا (1) أن المعنى المتحصل للتخيير عند تعارض الطرق والأمارات ـ  على القول به  ـ هو تفويض أمر الحجية إلى المكلف وجعلها تابعة لاختياره ، بحيث يتمكن من جعل ما ليس بحجة حجة بالالتزام بالعمل على طبقه ، فهو تخيير في المسألة الاُصولية أعني الحجية كما تقدم وغير راجع إلى التخيير الواقعي أو الظاهري في الأحكام .

   أمّا أنه ليس من التخيير الواقعي في المسألة الفرعية بأن يكون المكلف مخيراً واقعاً بين الاتيان بفعل وتركه أو الاتيان بفعل آخر نظير التخيير في الأماكن الأربعة بين القصر والتمام ، فلأن مفروض الكلام أن الفتويين متعارضتان وقد ذكرنا في محلّه (2) أن معنى التعارض تنافي مدلولي الدليلين بحسب الجعل ، لعدم إمكان جعلهما معاً فيكون كل منهما مكذباً للآخر . إذن لا يحتمل مطابقة كلتيهما للواقع لاستلزامه الجمع بين الضدّين أو النقيضين بل إحداهما غير مطابقة للواقع قطعاً وثانيتهما يحتمل أن تكون مطابقة للواقع كما يحتمل أن تكون مخالفة له وهذا بخلاف التخيير الواقعي في المثال فإن كلاّ من الفعلين واجب تخييري واقعاً .

   وأمّا عدم كونه من التخيير الظاهري فللعلم بأن المكلف مأمور بالعمل بفتوى هذا المجتهد معيناً أو فتوى المجتهد الآخر ولا نحتمل أن يكون مخيراً واقعاً بين العمل بهذا أو بذاك ، ومع انتفاء الشك الّذي هو الموضوع للأحكام الظاهرية لا مجال للتخيير الظاهري بوجه .

   وكيف كان فالتخيير في المقام من التخيير في الحجية بالمعنى المتقدم ، والمتعارضان حجتان شأنيتان فإذا اختار المكلف إحداهما فصارت فعلية ، وشككنا في أن الفتوى الثانية هل سقطت عن الحجية الشأنية ليزول بذلك التخيير أو أنها باقية بحالها ، فلنا أن نستصحب بقاءها على الحجية التخييرية إلاّ أنها معارضة باستصحاب الحجية الفعلية للفتوى المأخوذ بها ، بل باستصحاب الحكم الفرعي الّذي أدّت إليه الفتوى المذكورة فالاستصحابان متعارضان كما بيّناه . على أنه قد تقدم أن استصحاب الحجية الشأنية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص 96  .

(2) مصباح الاُصول 3 : 354 .

ــ[102]ــ

من الاستصحاب التعليقي ولا نقول به (1) .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net