يحرم على المعتكف اُمور : \ أحدها : مباشرة النساء 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 12:الصوم   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2182


ــ[477]ــ


فصل

في أحكام الاعتكاف

    يحرم على المعتكف اُمور :

   أحدها : مباشرة النساء بالجماع في القُبل أو الدُّبر (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) ليلا كان أو نهاراً بلا خلاف فيه ، بل ادّعي الإجماع عليه بقسميه ، وتشهد له جملة من النصوص :

   منها: موثّقة سماعة: عن معتكف واقع أهله «فقال هو بمنزلة من أفطر يوماً من شهر رمضان»(1).

   دلّت على حرمة الوقاع ، لكونه بمنزلة الإفطار في شهر رمضان ، وهو حرام .

   وموثّقته الاُخرى: عن معتكف واقع أهله «قال: عليه ما على الذي أفطر يوماً من شهر
رمضان»(2).

   وموثّقة الحسن بن الجهم ، قال : سألته عن المعتكف ، يأتي أهله ؟ «فقال : لا يأتي امرأته ليلا ولا نهاراً وهو معتكف»(3) .

   ونحوها غيرها، وفي بعضها: أ نّه إذا جامع نهاراً فعليه كفّارتان : كفّارة الصوم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 10 : 547 /  أبواب الاعتكاف ب 6 ح 2 ، 5 .

(3) الوسائل 10 : 545 /  أبواب الاعتكاف ب 5 ح 1 .

ــ[478]ــ

وباللمس والتقبيل بشهوة ((1)) (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وكفّارة الاعتكاف ، وفي الليل كفّارة واحدة .

   والحكم مسلّم لا خلاف فيه ولا غبار عليه .

   ومن المعلوم أنّ إطلاق الجماع في هذه النصوص يشمل المخرجين .

   (1) على المشهور بين الفقهاء كما نُسب إليهم ، بل عن المدارك : أ نّه ممّا قطع به الأصحاب(2) ، ولعلّه للقياس على المحرم ، وإلاّ فلا دليل عليه ، ومقتضى الأصل العدم ، وكأنّه لأجله خصّ الحكم في التهذيب بالجماع(3) .

   وكيفما كان ، فإن تمّ الإجماع فهو المستند ، وإلاّ فالأصل عدم الحرمة كما عرفت .

   وأمّا قوله تعالى : (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدَ)(4) فهو وإن كان ظاهراً في إرادة الاعتكاف الشرعي ، كما في قوله تعالى : (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَا لْعَاكِفِينَ) إلخ(5) ، كيف ؟! ولو كانت الآية المباركة ناظرة إلى بيان حكم المسجد من حيث هو مسجد لا إلى بيان حكم الاعتكاف لكان قوله تعالى: (وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ) زائداً، ولزم الاقتصار على هذا المقدار: ولا تباشروهنّ في المساجد ، كما لا يخفى .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في حرمتهما إشكال والاجتناب أحوط .

(2) المدارك 6 : 343 .

(3) التهذيب 4 : 292 / 889 .

(4) البقرة 2 : 187 .

(5) البقرة 2 : 125 .

ــ[479]ــ

   ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة (1) ، فيحرم على المعتكفة أيضاً الجماع واللمس والتقبيل بشهوة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   إلاّ أنّ المراد بالمباشرة هو الجماع كما لعلّه الظاهر من اللفظ عرفاً . كيف ؟ ! ولو اُريد المعنى الأعمّ لشمل حتّى مثل المخالطة والمحادثة واللمس والتقبيل بغير شهوة أيضاً ، وهو غير محرّم قطعاً . فيكشف ذلك عن إرادة الجماع خاصّة . فلا تدلّ الآية على حرمة غيره بوجه .

   بقي شيء، وهو أ نّه قد ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «قال : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد وضُربت له قبّة من شعر وشُمّر المئزر وطوى فراشه» وقال بعضهم : واعتزل النساء ، فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : «أمّا اعتزال النساء فلا»(1) .

   قوله (عليه السلام) : «طوى فراشه» لا يبعد أن يكون ذلك كناية عن ترك الجماع ، لا أ نّه (صلّى الله عليه وآله) كان يطوي بساطه بحيث كان يجلس على التراب ، وأظنّ أنّ صاحب المدارك (قدس سره) أيضاً فسّره بذلك(2) .

   وأمّا الاعتزال فليس المراد به ترك الجماع قطعاً ، لأ نّه (صلّى الله عليه وآله) كان في المسجد فكيف نفاه (عليه السلام) عنه (صلّى الله عليه وآله) عند ردّ قول ذلك البعض ؟! بل المراد : ترك المجالسة والمخالطة معهنّ كما لا يخفى .

   وكيفما كان ، فليس المراد هنا الجماع يقيناً ولو بقرينة سائر الروايات .

   (1) بلا خلاف فيه ، ويدلّنا عليه :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 10 : 545 /  أبواب الاعتكاف ب 5 ح 2 .

(2) المدارك 6 : 308 ـ 309 .

ــ[480]ــ

   أوّلا : قاعدة الاشتراك ، فإنّ الظاهر عرفاً من مثل قوله : عن معتكف واقع أهله ، أنّ الحكم من آثار الاعتكاف ، لا من آثار الرجوليّة كما في مثل قوله : رجل شكّ بين الثلاث والأربع ، فإنّه ظاهر أيضاً في أ نّه من آثار الشكّ فيعمّ الرجل والمرأة بقاعدة الاشتراك .

   وثانياً : قوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة الحلبي : «واعتكاف المرأة مثل ذلك»(1) ، فإنّ المشار إليه بكلمة «ذلك» هو اعتكاف الرجل ـ طبعاً ـ المذكور في الصدر ، وقد رواها المشايخ الثلاثة كلّهم كذلك ، فقد تضمّنت تشبيه اعتكاف باعتكاف ، وأنّه لا فرق بين الاعتكافين ، وأنّهما متماثلان من جميع الجهات بمقتضى الإطلاق ويتساويان في جميع الأحكام ، غاية الأمر أنّ تلك الأحكام بعضها مذكور في هذه الصحيحة والبعض الآخر ـ كحرمة الجماع ـ غير مذكور هنا ومستفادٌ من الأدلّة الاُخر، وهذا لا يضرّ باستفادة المساواة في جميع الأحكام بمقتضى إطلاق المماثلة، ولا موجب للاقتصار على المذكورات في هذه الصحيحة، فإنّه تقييد من غير مقيّد يقتضيه بعد انعقاد الإطلاقات في الذيل .

   نعم ، لا تتمّ هذه الدعوى في صحيحة داود بن سرحان ، لأنّ المذكور في ذيلها هكذا : «والمرأة مثل ذلك»(2) ، فتضمّنت تشبيه المرأة بالرجل ، لا تشبيه اعتكافها باعتكافه كما في تلك الصحيحة ، وكم فرقٌ بين الأمرين ، فإنّ تشبيه المرأة بالرجل ظاهرٌ في إرادة ما ذكر من الأحكام ، وإلاّ فلا معنى لتشبيهها به على سبيل الإطلاق ، وهذا بخلاف الثاني ، فإنّ تشبيه الاعتكاف بالاعتكاف يعطينا بمقتضى الإطلاق أنّ كلّ حكم ثبت لذاك الاعتكاف فهو ثابت لهذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 10 : 549 /  أبواب الاعتكاف ب 7 ح 2 ، الكافي 4 : 178 / 3 ، الفقيه 2 : 122 / 529 ، التهذيب 4 : 288 / 871 .

(2) الوسائل 10 : 549 /  أبواب الاعتكاف ب 7 ح 1 .

 
 

ــ[481]ــ

أيضاً ، ومعه لا مقتضي للتخصيص بالأحكام المذكورة في نفس هذه الصحيحة ، بل يعمّها وما ثبت من الخارج كحرمة الجماع حسبما عرفت .

   وثالثاً : تدلّنا عليه صحيحة أبي ولاّد الحنّاط : عن امرأة كان زوجها غائباً فقدم وهي معتكفة بإذن زوجها ، فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها ، فتهيّأت لزوجها حتّى واقعها «فقال : إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تقضي ثلاثة أيّام ولم تكن اشترطت في اعتكافها فإنّ عليها ما على المظاهر»(1) .

   فإنّها ظاهرة في أنّ الموجب للكفّارة إنّما هو الوقاع لا مجرّد الخروج من المسجد ، كيف ؟! وطبيعة الحال تقتضي أن يكون خروجها لحاجة لا بدّ منها مسوّغة لذلك ، فإن من كان زوجها غائباً وقد قدم من السفر ولا سيّما إذا كان السفر طويلا ـ كما في الأزمنة السابقة لا مثل هذا الزمان الذي يمكن الخروج أول النهار والرجوع وسطه أو آخره ـ فالحاجة العرفيّة تقتضي لزوم الخروج لملاقاته ، فمثل هذا الخروج غير محرّم ولا يوجب الكفّارة قطعاً .

   وعليه ، فإن كانت مشترطة فلها رفع اليد ، وإلاّ فهي باقية على اعتكافها ، فلو مكّنت نفسها عندئذ من الجماع فقد تحقّق في حال الاعتكاف بطبيعة الحال ، وقد دلّت الصحيحة على حرمته ولزوم الكفّارة كما في الرجل ، غاية الأمر أنّها دلّت على أنّ الكفّارة هي كفّارة الظهار ، وهي محمولة على الاستحباب من هذه الجهة كما مرّ سابقاً .

   وبالجملة : فاحتمال أنّ موجب الكفّارة هنا هو الخروج السابق على الوطء خلاف الظاهر جدّاً ، لما عرفت من أنّ مثل هذا الخروج جائز قطعاً ، فلاحظ .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 10 : 548 /  أبواب الاعتكاف ب 6 ح 6 .

ــ[482]ــ

   والأقوى عدم حرمة النظر بشهوة إلى من يجوز النظر إليه (1) ، وإن كان الأحوط اجتنابه أيضاً .
ــــــــــــــــــــــ

   (1) وإن نُسبت الحرمة إلى بعض لعدم الدليل عليه ، فإنّا لو سلّمنا شمول المباشرة الواردة في الآية المباركة للّمس والتقبيل ، لكنّه لا يشمل النظر جزماً ، فلا يقال لمن نظر إلى أحد : إنّه باشره ، فيرجع حينئذ إلى أصالة البراءة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net