هل تحريم المعاملة يدلّ على فسادها ؟ - هل فساد الاعتكاف الواجب يوجب الكفّارة ؟ 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 12:الصوم   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2096


ــ[495]ــ

   [ 2610 ] مسألة 8 : إذا باع أو اشترى في حال الاعتكاف لم يبطل بيعه وشراؤه وإن قلنا ببطلان اعتكافه (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   أقول : قد يفرض الكلام في الواجب المعيّن كما لا يبعد أن يكون هذا هو محلّ كلامه لاتّصاله بالمسألة السابقة المحكوم فيها بالقضاء في المعيّن ، واُخرى يفرض في غير المعيّن . وهذا على نحـوين : إذ قد يفرض شروعه في الاعتكاف أوّل أزمنة التمكّن ، واُخرى آخره لفرض سعة الوقت ، ثمّ اعتكف فصادف موته ، فالصور ثلاث .

   لا ينبغي الشكّ في عدم وجوب القضاء في الصورتين الاُوليين، لكشف الموت الطارئ عن عدم الوجوب من أوّل الأمر ، لعدم انعقاد النذر بعد عدم التمكّن من الوفاء في ظرفه وإن لم يكن يعلم به ، فلم يفت عن الميّت شيء ليجب على الولي قضاؤه حتّى لو قلنا بوجوبه عن كلّ عبادة فائتة ، لاعتبار القدرة في متعلّق النذر ، والمفروض هو العجز .

   نعم ، في الصورة الأخيرة يجري ما ذكره (قدس سره) من عدم الوجوب ، لعدم الدليل على القضاء عن كلّ ما فات عن الميّت .

   إذن لا بدّ من التفصيل وأنّه في القسمين الأوّلين لا يجب القضاء قطعاً ، وفي الأخير يبتني على تعميم حكم القضاء لكلّ فائتة أو اختصاصه بالصلاة والصيام .

   فتحصّل : أنّ الأظهر عدم وجوب القضاء مطلقاً، ولكن في الأوّلين لا موضوع للقضاء ، لعدم الفوت بتاتاً ، وفي الأخير لا دليل عليه .

   (1) لأنّ تحريم المعاملة لا يدلّ على فسادها ، إذ لا تنافي بين الحرمة وبين النفوذ الوضعي، كما لا تنافي بين ارتكاب الإثم وبين حصول الطهارة فيما لو غسل المتنجّس بالماء المغصوب ، فالبيع نافذ بمقتضى إطلاق الأدلّة ، والنهي لا يدلّ

ــ[496]ــ

على الفساد كما هو موضح في الاُصول .

   بل قد يتوهّم دلالته على الصحّة كما عن أبي حنيفة(1) ، ووافقه في الكفاية(2) ، نظراً إلى اعتبار القدرة في متعلّق التكليف ، فلو لم تقع المعاملة صحيحة فكيف يتعلّق النهي بها ، فالنهي يدلّ على الصحّة لا أ نّه دليل الفساد .

   ولكنّه مدفوع بما أو ضحناه في محلّه ، ومحصّله : أنّ الاعتبار الشرعي الذي يتسبّب إليه المكلّف ـ كاعتبار الملكيّة ونحوها ـ فعل من أفعال المولى ، وخارج عن قدرة المـتعاملين ، فهو غير قابل لتعلّق النهي به حتّى يقال : إنّه يدلّ على الصحة أو لا .

   بل الذي يمكن تعلّق النهي به أحد أمرين : إمّا الاعتبار النفسي القائم بشخصي المتبايعين ، أو إبرازه بمبرز ما من لفظ أو غيره ، حيث إنّ البيع يتقوّم بهذين الجزأين ، فلا يكفي الاعتبار المحض ، كما لا يكفي مجرّد اللفظ ، بل هو اسم للمجموع المركّب من الكاشف والمنكشَف .

   وهذا قد يكون ممضى عند الشارع أو العقلاء بحيث تترتّب عليه الملكيّة الشرعيّة أو العقلائيّة ، وقد لا يكون ، وهو ـ أي الإمضاء ـ أمر آخر يعدّ من فعل الشارع أو العقلاء وخارج عن فعل المكلّف ، فلا يمكن تعلّق الأمر به أو النهي ، وإنّما يتعلّقان بفعله الذي هو منحصر في الاعتبار النفسي أو إبرازه حسبما عرفت .

   ومن البديهي أنّ النهي المتعلّق بمثل ذلك أعمّ من الصحّة والفساد ، لعدم دلالته بوجه على أ نّه ممضى عند الشـارع أو العقـلاء أو ليس بممضى ، فكما لا يدلّ على الفساد لا يدلّ على الصحّة أيضاً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) روضة الناظر 2 : 653 .

(2) كفاية الاُصول : 187 ـ 189 .

ــ[497]ــ

   [ 2611 ] مسألة 9 : إذا أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع ولو ليلا وجبت الكفّارة (1) ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) بلا خلاف ولا إشكال كما نطقت به الأخبار ، مصرّحاً في بعضها بعدم الفرق بين الليل والنهار ، إذ هي من أحكام الاعتكاف دون الصيام .

   وقد روى الصدوق مرسلا : أ نّه إن جامع بالليل فعليه كفّارة واحدة ، وإن جامع بالنهار فعليه كفّارتان(1) .

   وبإسناده عن محمّد بن سنان، عن عبدالأعلى بن أعين، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل وطئ امرأته وهو معتكف ليلا في شهر رمضان «قال : عليه الكفّارة» قال : قلت : فإن وطئها نهاراً ؟ «قال : عليه كفّارتان»(2) .

   والأخيرة وإن كانت ضعيفة السند بمحمّد بن سنان كالأولى بالإرسال ، لكنهما تؤيّدان الإطلاقات المتضمّنة لوجوب الكفّارة من صحيحة زرارة وموثّقة سماعة وغيرهما(3) .

   كما أنّ التقييد برمضان في الأخيرة ليس إلاّ من أجل أ نّه مورد الرواية ، ولا يدلّ على المفهوم ، لعدم احتمال الاختصاص بالضرورة .

   وكيفما كان ، فالإطلاقات تدلّنا على وجوب الكفّارة من غير فرق بين الليل والنهار ، كما أنّها تتكرّر في نهار رمضان بعنوانين ، وأمّا في غيره فكفّارة واحدة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 10 : 547 /  أبواب الاعتكاف ب 6 ح 3 ، الفقيه 2 : 122 /  ذيل الحديث 532 .

(2) الوسائل 10 : 547 /  أبواب الاعتكاف ب 6 ح 4 ، الفقيه 2 : 122 / 533 .

(3) الوسائل 10 : 546 و 547 /  أبواب الاعتكاف ب 6 ح 1 ، 2 .

ــ[498]ــ

وفي وجوبها في سائر المحرّمات إشكال ، والأقوى عدمه (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإن كان مقتضى الإطلاق في مرسلة الصدوق هو التكرّر في النهار مطلقاً ، فإن حملت على نهار رمضان كما لا يبعد بقرينة ورود جملة من الروايات في شهر رمضان ، وإلاّ فلا قائل بذلك منّا ولا من غيرنا ، وهي رواية مرسلة .

   (1) لاختصاص النصوص بالجماع ، ولم يحرز لدينا المناط ليلتزم بالإلحاق ، فالتعدّي لا يخرج عن كونه قياساً باطلا كما لا يخفى .

   نعم ، قد يقال بالتعدّي ، تمسّكاً بصحيحة أبي ولاّد ، بدعوى أنّ الظاهر منها أنّ الكفّارة إنّما هي من جهة الخروج عن المسجد عامداً السابق على الوطء لا من جهته ، لبطلان الاعتكاف بالمكث في خارج المسجد بغير ضرورة ، فالجماع وقع في غير حال الاعتكاف طبعاً .

   ويندفع أوّلا : بأنّ الصحيحة كالصريحة في أنّ الكفّارة إنّما هي من جهة الجماع ـ الواقع حال الاعتكاف ـ دون الخروج ، بناءً على ما عرفت من قضاء العادة بكون الخروج المزبور مورداً للضرورة العرفيّة المسوّغة لارتكابه ، ولا كفّارة في مثله قطعاً .

   وثانياً : مع التنازل وتسليم أنّ الخروج المزبور كان زائداً على المقدار المتعارف وقد بطل به الاعتكاف ، فغايته أنّ الجماع المسبوق بمثل هذا الخروج ـ  وإن شئت فقل :  ـ الخروج المتعقّب بالجماع موجب للكفّارة ، لا أنّ كلّ ما يفسد به الاعتكاف يستوجبها ليبنى على ثبوتها على سبيل الإطلاق .

ــ[499]ــ

وإن كان الأحوط ثبوتها ، بل الأحوط ذلك حتّى في المندوب فيه قبل تمام اليومين (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) هل الكفّارة تختصّ بالاعتكاف الواجب ، أو أنّها تعمّ اليومين الأوّلين من المندوب ؟

   فيه وجهان ، بل قولان : احتاط الماتن في التعميم ، نظراً إلى إطلاق نصوص الكفّارة بعد وضوح عدم منافاتها للندب .

   ومال في الجواهر إلى العدم(1) ، مستظهراً ذلك من صحيحة أبي ولاّد المتقدّمة : عن امرأة كان زوجها غائباً فقدم وهي معتكفة(2) .

   حيث إنّ تعليق وجوب الكفّارة فيها على عدم الاشتراط يكشف عن اختصاص الكفّارة بمورد تعيّن الاعتكاف وعدم تزلزله ، فلا تعمّ المندوب المحكوم بجواز الإبطال ورفع اليد .

   أقول : لا موجب لما ذكره (قدس سره) ، فإنّ الذي تدلّ عليه الصحيحة أن إبطال الاعتكاف بالجماع لا يوجب الكفّارة إذا كان مع الاشتراط ، فيكون ذلك تخصيصاً لما دلّ على ترتّب الكفّارة على جماع المعتكف من دون فرق بين اليومين الأوّلين واليوم الثالث ، فإنّ جواز رفع اليد عن الاعتكاف في اليومين الأوّلين لا ينافي ترتّب الكفّارة على الجماع فيهما قبل رفع اليد عنه ووقوع الجماع حال الاعتكاف .

   فالنتيجة : أنّ إبطال الاعتكاف بالجماع موجب للكفّارة مطلقاً إذا لم يكن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 17 : 207 ـ 209 .

(2) الوسائل 10 : 548 /  أبواب الاعتكاف ب 6 ح 6 .

ــ[500]ــ

   وكفّارته ككفّارة شهر رمضان على الأقوى (1) وإن كان الأحوط كونها مرتّبة ككفّارة الظهار .
ـــــــــــــــــــــ

اشتراط ، ومع الاشتراط لا كفّارة كذلك .

   (1) كما تقدّم في فصل صوم الكفّارة(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 241 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net