الأوّل : الغنائم \ مناقشة في تعميم الخمس للمنقول وغيره من الغنائم 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2676


ــ[5]ــ


فصل

فيما يجب فيه الخُمس

   وهو سبعة أشياء :

   الأوّل : الغنائم المأخوذة من الكفّار من أهل الحرب(1) قهراً بالمقاتلة معهم

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومن ثمّ ادّعى الخليفة الثاني نسخ وجوب الصرف في سهم ذوي القربى ، لما كان يرتئيه من لزوم الصرف فيما هو أهمّ وأولى من المصالح العامّة ، كحفظ ثغور المسلمين وتحصيل السلاح والكراع ونحوها .

   وكيفما كان ، فأصل الحكم ولو في الجملة ممّا لا كلام فيه ولا ريب .

   قال الله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَ نَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْء فَأَنَّ للهِِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) الآية (1) .

   وفي غير واحد من النصوص : أنّ الله تعالى قد جعل هذه الفريضة لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) وذرِّيّته عوضاً عن الزكاة إكراماً لهم وإجلالاً عن أوساخ ما في أيدي الناس كما أشار إليها في المتن .

   (1) بلا خلاف فيه ولا إشكال كما نطق به الكتاب والسنّة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأنفال 8 : 41 .

ــ[6]ــ

بشرط أن يكون بإذن الإمام عليه السّلام ، من غير فرق بين ما حواه العسكر وما لم يحوه والمنقول وغيره(1) كالأراضي((1)) والأشجار ونحوها .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومحلّ الكلام فعلاً الغنائم المأخوذة منهم بالمقاتلة لا بغيرها من سرقة أو غيلة أو نحوهما ، وأن يكون ذلك بإذن الإمام (عليه السلام) ، فلا بدّ من مراعاة القيدين معاً ، إذ الفاقد للأوّل ملك لآخذه ، وللثاني ملك للإمام (عليه السلام) ، وسنتعرّض لهما عند تعرّض الماتن لهما مستقلاًّ إن شاء الله تعالى .

   (1) لإطلاق الأدلّة بعد صدق الغنيمة على الجميع ، سواء أكان ممّا حواه العسكر أم لا ، وسواء أكان من المنقول أم من غير المنقول .

   ولا خلاف في الأوّل بل عليه الإجماع . وأمّا الثاني فهو المشهور بين الأصحاب ، وقد صرّح بالتعميم جماعة منهم ، وأطلق الآخرون .

   ولكن صاحب الحدائق (قدس سره) ناقش في هذا التعميم ، نظراً إلى عدم الدليل عليه سوى ظاهر إطلاق الآية المباركة ، وإلاّ فالنصوص قاصرة عن إفادة التعميم ، بل ظاهرها الاختصاص بالأموال المنقولة كما تشهد به صحيحة ربعي (2) وغيرها الدالّة على أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وقسّم الباقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه ثمّ يقسّم أربعة أخماس بين المقاتلين ، ونحوها ممّا دلّ على قسمة الخمس أخماساً أو أسداساً وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ، فإنّ ظاهرها أنّ مورد الخمس هو المال الذي يؤتى به إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ويقسّم المختصّ ـ بطبيعة الحال ـ بما ينقل ويحوّل من غنيمة أو غيرها ، وكيف يجري هذا في الأراضي والضياع والعقار ونحوها ؟!

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ثبوت الخمس في الأراضي محلّ إشكال بل منع .

(2) الوسائل 9 : 510 /  أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 3 .

ــ[7]ــ

   على أنّ تلك الأراضي المفتوحة عنوةً المعبّر عنها بالأراضي الخراجيّة ملكٌ لعامّة المسلمين قاطبةً من وجد منهم ومن سيوجد إلى يوم القيامة كما نطقت به النصوص المتظافرة ، فلا تشملها أدلّة التخميس (1) .

   وأورد عليه في الجواهر بأنّ غاية ما يتحصّل من صحيحة ربعي ونحوها قصورها عن إفادة الإطلاق لا الدلالة على الاختصاص ، فيكفينا حينئذ ما اعترف به من إطلاق الآية المباركة ، وأمّا نصوص الأراضي الخراجيّة فهي قابلة للتخصيص بأدلّة التخميس كما لا يخفى (2) .

   أقول :  الظاهر أنّ ما ذكره صاحب الحدائق في المقام هو الصحيح ، فإنّ صحيحة ربعي ونحوها وإن لم تدلّ على نفي الخمس عن غير المنقول كما اُفيد ، إلاّ أنّ الإنصاف أ نّها لا تخلو عن الإشعار وأنّ المال المحكوم بالتخميس هو الذي يؤتى به إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ويقسّمه بين المقاتلين بعد أخذ صفوه منه ، وهذا الإشعار وإن لم يكن ممّا يركن إليه بحسب الصناعة ، إلاّ أ نّه يؤثر في النفس بمثابة يخفّف عن قوّة ظهور الآية المباركة في الإطلاق المدّعى لها كما لا يخفى .

   ويتقوّى هذا الإشعار بعد ملاحظة الأخبار الواردة في الأراضي الخراجيّة من أ نّها ملك لعامّة المسلمين .

   وما أفاده في الجواهر من أ نّها لا تأبى التقييد بما هنا من كون ذلك بعد الخمس . غير قابل للتصديق . ضرورة أنّ نصوص الخراج أخصّ من آية الغنيمة ، فإنّ النسبة بين الدليلين عمومٌ وخصوصٌ مطلق ، ولا شكّ أنّ إطلاق الخاصّ مقدّم على عموم العامّ ، فتلك النصوص لأجل كونها أخصّ تخصّص

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 12 : 324 ـ 325 .

(2) الجواهر 16 : 8 .

ــ[8]ــ

الآية لا أ نّها تخصّص تلك النصوص كما لا يخفى .

   بل يمكن أن يقال بعدم إطلاق للآية المباركة بالإضافة إلى غير المنقول ، فإنّ الغنيمة هي الفائدة العائدة للغانم بما هو غانم ، وعليه فتختصّ بما يقسّم بين المقاتلين وهي الغنائم المنقولة .

   وأمّا الأراضي المحكوم عليها بأ نّها ملك لعامّة المسلمين فلا تعدّ غنيمة للغانم والمقاتل بما هو كذلك وإن استفاد منها بما أ نّه فرد من آحاد المسلمين فلا تختصّ به ، ولا مدخل لوصفه العنواني في الانتفاع بها لتتّصف بكونها غنيمة له كما لا يخفى . فالإطلاق إذن ساقط من أصله ، ومعه لا دليل على وجوب الخمس في غير المنقول .

   هذا ، ومع الغضّ عن ذلك وتسليم كون النسبة بين الدليلين عموماً من وجه ، بدعوى أنّ الآية تعمّ المنقول وغيره وتختصّ بالخمس ، كما أنّ نصوص الخراج تختصّ بغير المنقول وتعمّ مقدار الخمس وغيره ـ  أي تشمل جميع المال  ـ فغايته أ نّه يتعارض الدليلان حينئذ في مورد الاجتماع ـ أعني : الخمس من غير المنقول ـ فإنّ مقتضى إطلاق الآية وجوبه ، ومقتضى تلك النصوص عدمه ، فيتساقطان لعدم الترجيح ، إذ عموم الكتاب إنّما يتقدّم على عموم السنّة لدى المعارضة فيما إذا لم تكن قطعيّة كعموم الخبر الواحد ، أمّا السنّة القطعيّة كما في المقام فهي تعادل قطعيّة الكتاب ، فإذن يرجع بعد تساقط الدليلين إلى أصالة البراءة عن الخمس ، فتكون النتيجة أيضاً هي ما ذكرناه من الاختصاص .

   فإن قلت : لو تساقط الدليلان فبماذا يحكم بعدئذ بأنّ مقدار الخمس ملكٌ للمسلمين وقد سقط دليله بالمعارضة ؟!

   قلت : إنّ الخمس ينتقل إلى مستحقّه من المالك ، فإذا كان دليله معارَضاً وساقطاً بها فالمال يبقى على ملك مالكه .

ــ[9]ــ

   والعمدة ما عرفت من إنكار الإطلاق في الآية المباركة من أصله ، لما أشرنا إليه من أنّ الغنيمة في الآية المباركة وغيرها من سائر موارد إطلاقاتها في الأخبار هي الفائدة العائدة للغانم والربح الذي يستفيده بشخصه ويدخله في ملكه ، وقد حكم بأنّ خمس ما ملكه كذلك يكون للإمام كما حكم بأنّ مقدار الزكاة في العين الزكويّة ملكٌ لمصرف الزكاة بعد بلوغ النصاب أو حَوَلان الحول فيما يعتبر فيه الحول ، وأنّ مقدار النصاب في الذهب ـ مثلاً ـ بتمامه ملكٌ لمالكه قبل الحَوَلان ، وبمجرّد أنّ حال الحول يخرج مقدار الزكاة عن ملكه ويدخل في ملك الفقير ، وكذا في الغلاّت بعد صدق الاسم . ويراعى مثل ذلك في الخمس أيضاً، فيخرج ممّا يغتنمه الغانم ويربحه الرابح خمسه عن ملكه، وهذا غير صادق بالإضافة إلى الأراضي الخراجيّة بعد أن لم تكن ملكاً للمقاتلين وغنيمةً لهم بما هم كذلك ، بل لعامّة المسلمين إلى يوم القيامة .

   نعم ، هي غنيمة بمعنى آخر ، أي يستفيد منها المقاتل بما أ نّه مسلم ، لكن الغنيمة بهذا المعنى لا خمس فيها ، لوجهين :

   أمّا أوّلاً : فلاختصاص أدلّة الخمس بالغنائم الشخصيّة وما يكون ملكاً لشخص الغانم ، لا ما هو ملك للعنوان الكلِّي كما في الأراضي الخراجيّة ، حيث إنّها لم تكن ملكاً لأيّ فرد من آحاد المسلمين وإنّما ينتفع منها المسلم بإزاء دفع الخراج من غير أن يملك رقبتها ، بل المالك هو العنوان الكلّي العام ، نظير الأوقاف العامّة التي هي ملك لعناوين معيّنة .

   ومن ثمّ لم يلتزم أحد بوجوب تخميسها ، وليس ذلك إلاّ لانتفاء الملك الشخصي والغنيمة الشخصيّة التي هي الموضوع لوجوب الخمس .

   والمشهور إنّما ذهبوا إلى التخميس في الأراضي الخراجيّة زعماً منهم أ نّها غنيمة للمقاتلين ، لا باعتبار كونها غنيمة لعامّة المسلمين كما لا يخفى .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net