الرابع:الغوص \ وجوب الخمس في الجواهر المخرجة من البحر بالغوص معدنيّاً كان أو نباتيّاً 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2782


ــ[107]ــ

   الرابع : الغوص ، وهو إخراج الجواهر من البحر مثل اللؤلؤ والمرجان وغيرهما معدنيّاً كان أو نباتيّاً (1) ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) كاليسر المصنوع منه السِّبَح الذي هو نبات ينبت في البحر والمرجان الذي هو مثل الشجر ينبت فيه ، فالحكم يشمل كلّ نفيسة تتكوّن في البحر ويستخرج منه بالغوص من غير فرق بين أنواعها .

   وهذا الحكم في الجملة موضع وفاق وإن ناقش فيه صاحب المدارك ، زعماً منه اختصاص الرواية الصحيحة بالعنبر واللؤلؤ (1) ، الواردين في صحيحة الحلبي ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن العنبر وغوص اللؤلؤ «فقال : عليه الخمس» إلخ (2) ، فيحتاج تعميم الحكم لغيرهما إلى دعوى عدم القول بالفصل ، لعدم ورود نصّ معتبر عنده (قدس سره) في غيرهما .

   وكأ نّه (قدس سره) لم يعتن ببقيّة الروايات الواردة في المقام ، جرياً على مسلكه من اختصاص الاعتماد بالصحيح الأعلائي .

   وليس الأمر كما ذكره (قدس سره) بل قد وردت رواية صحيحة بعنوان ما يخرج من البحر ، وهي ما رواه الصدوق بإسناده عن عمّار بن مروان ، قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : «فيما يخرج من المعادن، والبحر، والغنيمة، والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه ، والكنوز ، الخمس» (3) .

   فإنّها وإن عبّر عنها بالخبر في عدّة من الكتب المشعر بالضعف ، لكن الظاهر أ نّها صحيحة السند، لما عرفت فيما مرّ من أنّ عمّار بن مروان وإن كان مشتركاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المدارك 5 : 375 .

(2) الوسائل 9 : 498 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 7 ح 1 .

(3) الوسائل 9 : 494 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 6 ، الخصال : 290 / 51 .

ــ[108]ــ

بين اليشكري الموثّق جزماً وبين الكلبي الذي ذكره الصدوق في المشيخة في بعض طرقه ولم يوثّق ، إلاّ أنّ الأوّل الذي يروي عن الصادق (عليه السلام) معروفٌ مشهور وله كتاب ، بخلاف الثاني ، ولا شكّ أنّ اللفظ ينصرف لدى الإطلاق إلى من هو الأعرف الأشهر. فلا ينبغي التأمّل في صحّة الرواية.

   كما وردت صحيحة اُخرى بعنوان الغوص لابن أبي عمير ، عن غير واحد ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : الخمس على خمسة أشياء : على الكنوز ، والمعادن ، والغوص ، والغنيمة» ونسي ابن أبي عمير الخامس (1) .

   فإنّا قد أشرنا غير مرّة إلى أنّ مثل هذه الرواية لا تعتبر مرسلة ، إذ التعبير بـ  : غير واحد ، كاشفٌ بحسب الظهور العرفي عن أنّ المروي عنه جماعة معروفون مشهورون قد بلغ الأمر من الوضوح حدّاً يستغنى عن ذكر آحادهم ، كما في بعض روايات يونس عن غير واحد ، فلا يعدّ ذلك طعناً في السند . فهذه أيضاً صحيحة قد رواها الصدوق عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني ، فما في الوسائل من قوله : عن جعفر ، غلط ، كما مرّ سابقاً (2) .

   وهناك روايات اُخرى لا يخلو إسنادها عن الخدش ، وهي مؤيّدة للمطلوب ، والعمدة هاتان الصحيحتان .

   ولأجل أنّ المأخوذ في إحداهما عنوان الغوص ، وفي الاُخرى ما يخرج من البحر ، وبين العنوانين عموم من وجه ، لافتراق الأوّل بالغوص في غير البحار كالشطوط والأنهار الكبار ، وافتراق الثاني بالأخذ من البحر بغير الغوص كما لو أخذه بآلة أو من وجه الماء .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 494 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 7 ، الخصال : 291 / 53 .

(2) في ص 71 .

ــ[109]ــ

   فمن ثمّ وقع الإشكال في تشخيص موضوع ما يجب فيه الخمس ، وأنّ الاعتبار هل هو بصدق كلا العنوانين معاً ، فيكون الموضوع ما يخرج من البحر بالغوص كما اختاره المحقّق وجماعة منهم المحقّق الهمداني (قدس سره)(1) ، نظراً إلى صلاحيّة كلّ منهما لتقييد الآخر ، فيجمع بينهما عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد ؟

   أو بصدق كلّ واحد منهما فيكون كلّ منهما موضوعاً مستقلاًّ للحكم ، نظراً إلى عدم الموجب للتقييد بعد كونهما مثبتين ، وعدم التنافي في البين ليتصدّى للعلاج أو لإرجاع أحدهما إلى الآخر ؟

   أو بصدق عنوان الغوص وإرجاع الآخر إليه بدعوى أنّ التعبير بما يخرج من البحر جار مجرى الغالب باعتبار غلبة كون الغوص في البحر ؟

   أو بصدق عنوان الإخراج من البحر وإرجاع الغوص إليه عكس ما مرّ ، استناداً إلى أنّ التعبير بالغوص غالبي ، إذ التصدِّي لإخراج الجواهر من البحر لا يكون غالباً إلاّ بالغوص ؟

   وجوه بل أقوال :

   أظهرها : ثانيها ، أخذاً بإطلاق كلّ من الصحيحين المزبورين اللذين مفاد أحدهما : وجوب الخمس في كلّ ما اُخرج بالغوص ، سواء أكان من البحر أم من غيره ، ومفاد الآخر: وجوبه في كلّ ما اُخرج من البحر ، سواء أكان بالغوص أم بغيره ، بعد عدم التنافي بين الإطلاقين وإن كان بينهما عموم من وجه ، لتوافقهما حكماً .

   فلا موجب إذن لرفع اليد عنهما ، إذ الموجب إمّا التنافي ، ولا تنافي بعد التوافق في المدلول .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشرائع 1 : 207 ، مصباح الفقيه 14 : 83 .

ــ[110]ــ

   أو دعوى انصراف المطلق إلى الفرد الغالب واختصاصه به ، نظراً إلى أنّ الغالب في الغوص أن يكون في البحر ، كما أنّ الغالب في الإخراج من البحر أن يكون بالغوص .

   وتندفع بعدم المحذور في شمول المطلق للفرد النادر ، وإنّما الممنوع اختصاصه به لا شموله له . على أنّ الندرة غير مسلّمة ، فإنّ الغوص في الأنهار العظيمة لاستخراج ما أودعه الله فيها من الجواهر الكريمة أمرٌ شائع متعارف كإخراجها من البحر بالآلة .

   هذا ، ومع ذلك فقد ذكر المحقّق الهمداني (قدس سره) وجهاً للتنافي ، حاصله : أنّ المتراءى من ظواهر النصوص والفتاوى انحصار ما يجب فيه الخمس في الخمسة ، فلو كان كلّ من العنوانين المزبورين موضوعاً مستقلاًّ للحكم لأصبح الموجب ستّة ، وهو مناف للحصر المذكور . فلا محيص إذن عن إرجاع أحدهما إلى الآخر إمّا بارتكاب التقييد أو بوجه آخر ، وإن كان الأشبه بالقواعد هو الأوّل ، فيكون الموضوع ما اُخرج من البحر بالغوص .

   ثمّ ذكر (قدس سره) أ نّه مع التنازل والغضّ وانتهاء النوبة إلى مرحلة الشكّ فالمرجع أصالة البراءة عن الوجوب في غير مجمع العنوانين المتيقّن فيه التكليف(1) .

   ويندفع : بأنّ صحيحة ابن أبي عمير التي عدّت الغوص من الخمس وإن كانت ظاهرة في الحصر كما ذكر ، إلاّ أ نّه لا مناص من رفع اليد عن هذا الظهور ، نظراً إلى أنّ وجوب الخمس فيما يخرج من البحر بغير الغوص مقطوعٌ به في الجملة ، إمّا بعنوان ما يخرج من البحر ، أو كان بحياله عنواناً مستقلاًّ ، وإلاّ فبعنوان الفوائد والأرباح ، وتظهر الثمرة بينهما بالنسبة إلى استثناء مؤونة السنة كما لا يخفى . ومن المعلوم أنّ شيئاً من العنوانين لم يكن من الخمسة ، فالحصر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه 14 : 86 .

ــ[111]ــ

غير حاصر لا محالة .

   وربّما يحتمل ـ كما في الوسائل (1) ـ دخول الفوائد في عنوان الغنيمة المعدودة من الخمسة .

   ولكنّه كما ترى لا شاهد عليه بوجه ، بل أنّ بعض الروايات شاهدة على إرادة خصوص غنائم دار الحرب ، كيف ؟! ولو اُريد منها مطلق الفائدة لدخل فيها ما جعل قسيماً لها كالمعادن والكنوز والغوص ، فإنّها كلّها فوائد .

   وأمّا ما ذكره (قدس سره) أخيراً من جريان أصالة البراءة ، ففيه : أ نّه لا مجال لها بعدما عرفت من القطع بتعلّق الخمس بما اُخرج من البحر بالآلات ، وكذا ما اُخرج بالغوص من غير البحر ، إمّا بعنوان نفسه أو بعنوان الفائدة ، ولأجله يعلم بأنّ خمس المال قد انتقل إلى أربابه بمجرّد تملّكه ، فيتوقّف جواز التصرّف على إحراز الإذن ، ولم يحرز ما لم يخمّس ، فمقتضى الأصل عدم جواز التصرّف فيه ووجوب إخراج خمسه بمجرّد حيازته .

   وبعبارة اُخرى : أصل التعلّق معلوم ، وإنّما الشكّ في كيفيّة التعلّق وأ نّه هل كان على نحو يجب التصدِّي لأدائه فعلاً ، أو أ نّه يجوز التأخير إلى نهاية السنة ، نظراً لاستثناء المؤونة ؟ فالثبوت معلوم ، والشكّ إنّما هو في السقوط إذا صرف في المؤونة ، ومقتضى الأصل عدم السقوط ، والنتيجة لزوم المعاملة معه معاملة سائر ما يخرج من البحر بالغوص .

   والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ وجوب الخمس في كلّ من العنوانين هو الأوجه ، كما أ نّه الموافق للأصل ولمراعاة الاحتياط .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 489 /  أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 12 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net