موارد الأنفال : \ منها : ما يغنمه المسلمون من الكفّار بغير قتال 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3768

 فنقول ومنه الاستعانة : ذكر الفقهاء موارد لذلك ، وقد اختلفت كلماتهم في تعدادها :


 فمنها :  كلّ أرض يغنمها المسلمون من الكفّار بغير قتال(2) ، إمّا بصلح أو

ـــــــــــ
(2) في رسالة شيخنا الوالد (قدس سره) التي كتبها في الخمس ما لفظه : قد تسالم الأصحاب على أنّ ما يؤخذ من غير أن يوجف عليه بخيل ولا ركاب فهو من الفيء والأنفال ، وهو لله ولرسوله ، وبعده القرابة ، والمال المأخوذ من بني النضير حسب حكاية الكتاب في سورة الحشر (59 : 6) ـ وهو قوله تعالى : (وما أفاءَ اللهُ على رسولِهِ مِنهُم ) إلخ ـ لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فهو لله ورسوله ولا يشاركه شركاؤه في الخمس ، مع أنّ الآية المتّصلة بهذه الآية من دون ذكر عاطف مشعر بالمغايرة مصرّحة بعين ما صرّحت به في آية الغنيمة (الحشر 59 : 7) ، قال تعالى : (ما أفاءَ اللهُ على رسولِهِ مِن أهلِ القُرى

ــ[357]ــ

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   فَلِلّهِ ولِلرَّسولِ ولِذِي القُربى واليَتَامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ) ، وفي جملة من الكلمات التصريح بأنّ الآية الثانية بيانٌ للاُولى ولذلك لم تعطف عليها ، ومنهم الفيض في تفسيره (5 : 155) والفاضل المقداد في كنز العرفان (256) ونُقل عن الكشّاف (4 : 82) .

   وإن كانت الآية الثانية غير مرتبطة بسابقتها ، ولا ينافيه عدم العطف ، كما أنّ ذكر العاطف لا ينافي التوكيد ، بل كانت من آيات الخمس وكانت متّحدة المفاد مع آية سورة الأنفال . فيشكل حينئذ بأنّ صريح الآية : أنّ ما أفاء الله من أهل القرى بتمامه لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .

   ومحصّل الشبهة : أنّ الآية الاُولى ساكتة عن بيان المصرف وتعيين من له المال ، والثانية إن كانت مبيّنة لإجمال الاُولى فينافيه ما هو المسلّم من أنّ المأخوذ بلا خيل ولا ركاب من الأنفال ، وإن كانت مساوقة لآية : (وَاعْلَموا أنّما غَنِمتُم) الواقعة في سورة الأنفال (8 : 41) ، فلا يوافق ما هو المسلّم أيضاً من أنّ المأخوذ بالقتال يخمّس وخمسه يقسّم بين الطوائف المذكورة ، وظاهر الآية عدم إعطاء شيء لغير الإمام . وإن كانت متعرّضة لعنوان ثالث وكبرى اُخرى غير الفيء والغنيمة فما هي تلك الكبرى التي لم يعنونها الفقهاء في كتب الاستدلال ؟!

   هذا ما خطر بالبال في تقريب الإشكال . انتهى .

   أقول : قد اُشير إلى الإشكال في جملة من الكلمات ، وتفصّي عنه بوجوه لا تخلو عن الخدش كما لا يخفى على من لاحظها ، التي منها ما عن المحقّق الأردبيلي (قدس سره) في كشف آياته (زبدة البيان : 214) ، قال ما لفظه : المشهور بين الفقهاء أنّ الفيء له (صلّى الله عليه وآله) وبعده للقائم مقامه يفعل به ما يشاء ، كما هو ظاهر الآية الاُولى ، والثانية تدلّ على أ نّه يقسّم كالخمس ، فأمّا أن يجعل هذا غير مطلق الفيء فيئاً خاصّاً كان حكمه هكذا ، أو منسوخاً ، أو يكون تفضّلاً منه ، وكلام المفسّرين أيضاً هنا لا يخلو عن شيء . انتهى .

   ويظهر من الشيخ في التبيان (9 : 564) أنّ الآيتين تنظران إلى مال واحد هو الفيء ،

ــ[358]ــ

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يشير الصدر إلى من بيده أمر هذا المال ، والذيل إلى من يستحقّ الصرف فيه ، وأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ومن يقوم مقامه يضعه في المذكورين في هذه الآية . وهو أيضاً كما ترى .

   هذا ، وقد أجاب سيِّدنا الاُستاذ (دام ظلّه) عن الإشكال : بأنّ موضوع الآية الاُولى هو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، وهو راجع إلى النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، والآية المباركة ظاهرة في ذلك ، ومع التنزّل عن ظهور الآية ودعوى سكوتها عن بيان المصرف فالروايات صريحة الدلالة على ذلك، ولا خلاف في المسألة.

   وأمّا الآية الثانية فموضوعها : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ، والمراد به ما يؤخذ منهم بالقتال وبعد الغبة عليهم ودخول قراهم ، بقرينة المقابلة مع الآية الاُولى ، ولم يذكر فيها أنّ ما يرجع إلى النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) أيّ مقدار ممّا غنمه المسلمون ، إلاّ أنّ آية الغنيمة قد كشفت القناع عنه وبيّنت أنّ ما يغنمه المسلمون فخمسه يرجع إليه (صلّى الله عليه وآله) ، كما وبيّن أيضاً مصرفه في كلتا الآيتين .

   ولا يقدح تخصيصه (صلّى الله عليه وآله) بالذكر مع أ نّه أحد الستّة ، لكونه المحور والأصيل في هذا التسهيم كما لا يخفى .

   هذا ، وأنّ صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) صريحة في أنّ الآية الثانية ناظرة إلى الغنيمة ، كما أنّ الاُولى ناظرة إلى الأنفال .

   قال (عليه السلام) : «الفيء والأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة الدماء ، وقوم صولحوا وأعطوا بأيديهم ، وما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهو كلّه من الفيء ، فهذا لله ولرسوله ، فما كان لله فهو لرسوله يضعه حيث يشاء ، وهو للإمام بعد الرسول وأمّا قوله : (وما أفاءَ اللهُ على رسولِهِ مِنهُم فما أوجَفتُم عَليهِ مِن خَيل وَلا رِكاب ) . قال : ألا ترى هو هذا ؟ وأمّا قوله : (ما أفاءَ اللهُ على رسولِهِ مِن أهلِ القُرى)فهذا بمنزلة المغنم» إلخ ، (الوسائل 9 : 527 /  أبواب الأنفال ب1 ح 12 . والآيتان من الحشر 59 : 6 و 7) .

ــ[359]ــ

بجلاء أهلها ، وقد دلّت عليه جملة من الأخبار :

   منها : معتبرة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : قلت له : ما يقول الله : (يَسْأَ لُونَكَ عَنِ ا لاَْنفَالِ قُلِ ا لاَْنفَالُ للهِِ والرَّسُولِ) ؟ «وهي كلّ أرض جلا أهلها من غير أن يحمل عليها بخيل ولا رجال ولا ركاب فهي نفل لله وللرسول (صلّى الله عليه وآله) » (1) .

   وموثّقة سماعة ، قال : سألته عن الأنفال «فقال : كلّ أرض خربة أو شيء يكون للملوك فهو خالص للإمام وليس للناس فيها سهم. قال: ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولاركاب»(2).

   وصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، أ نّه سمعه يقول : «إنّ الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم ، أو قوم صولحوا وأعطوا بأيديهم ، وما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهذا كلّه من الفيء ، والأنفال لله وللرسول ، فما كان لله فهو للرسول يضعه حيث يحبّ» (3) .

   إنّما الكلام في أنّ ذلك هل يختصّ بالأراضي ، أو يعمّ كلّ ما يغنمه المسلمون من الكفّار ولو كان غير الأراضي كالفرش والأواني ونحوها من المنقولات ؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

      ولا ينافيه التعبير بالمنزلة المشعر بالمغايرة ، لجواز كون التغاير من أجل اختلاف المورد بعد الاشتراك في الحكم نظراً إلى أنّ الغالب في الغنائم الاستيلاء عليها في دار الحرب ، وميدان القتال ، لا من أهل القرى ، فاُشير إلى تنزيل إحدى الغنيمتين منزلة الاُخرى .

(1) الوسائل 9 : 526 /  أبواب الأنفال ب 1 ح 9 ، وفيه سقط كما نبّه عليه المعلّق . والآية من الأنفال 8 : 1 .

(2) الوسائل 9 : 526 /  أبواب الأنفال ب 1 ح 8 .

(3) الوسائل 9 : 526 /  أبواب الأنفال ب 1 ح 10 .

ــ[360]ــ

فهل تعدّ هذه أيضاً من الأنفال ، أو أ نّها من الغنائم ويجب خمسها ؟

   لعلّ المشهور بين الفقهاء هو الاختصاص ، حيث قُيِّد الموضوع في كلماتهم بالأراضي .

   ولكن التعميم غير بعيد ، لإمكان استفادته من بعض الأخبار :

   منها : صحيح حفص بن البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، أو قوم صالحوا ، أو قوم أعطوا بأيديهم ، وكلّ أرض خربة وبطون الأودية فهو لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء» (1) ، فإنّ الموصول مطلق يعمّ الأرض وغيرها .

   وصحيحة معاوية بن وهب ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : السريّة يبعثها الإمام فيصيبون غنائم ، كيف تقسّم ؟ «قال : إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم أخرج منها الخمس لله وللرسول وقسّم بينهم أربعة أخماس ، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ» (2) .

   دلّت بصيغة العموم على شمول الحكم لكلّ غنيمة لم يقاتل عليها .

   يبقى ظهور النصوص المتقدّمة في الاختصاص ، حيث إنّها وردت في مقام البيان وشرح مفهوم الأنفال . وظاهر التفسير أنّ للأرض خصوصيّة في هذا العـنوان ، فله نوع مفهوم يدلّ على نفي الحكم عن غيره ، إذ ما ورد في مقام التحديد يدلّ على المفهوم بطبيعة الحال ، كالروايات الواردة في تحديد مفهوم الكرّ ، ولأجله يقيّد الإطلاق في هاتين الروايتين .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 523 /  أبواب الأنفال ب 1 ح 1 .

(2) الوسائل 9 : 524 /  أبواب الأنفال ب 1 ح 3 .

 
 

ــ[361]ــ

   ولكن لا بدّ من رفع اليد عن هذا الظهور :

   أمّا أوّلاً : فلأنّ تلك الروايات لم تكن في مقام بيان الأنفال بتمام أقسامها ، كيف ؟! وهي غير منحصرة في الأراضي بالضرورة ، فإنّ منها قطائع الملوك وميراث من لا وارث له والمعادن ونحوها ، ولم يتعرّض فيها إليها ، فيعلم أ نّها بصدد بيان مصداق الأنفال ولو من باب المثال ، لا تحديد مفهومه ليدلّ على الانحصار كما لا يخفى .

   وثانياً : أنّ الظهور المزبور وإن كان قابلاً لأن يتقيّد به الإطلاق في صحيحة حفص ، إلاّ أ نّه غير قابل لأن يخصّص به العموم في صحيحة معاوية بن وهب ـ  أعني : قوله (عليه السلام) : «كان كلّ ما غنموا» إلخ ـ حيث إنّ دلالتها على الشمول والاستيعاب بالعموم اللفظي والدلالة الوضعيّة التي هي أظهر من الإطلاق وأقوى من الظهور المزبور المستند إلى المفهوم ، فإنّه كالصريح في عدم الفرق بين الأرض وغيرها ، وأنّ المدار على الاغتنام بمفهومه العام الشامل لكلا الموردين بمناط واحد .

   على أنّ في صدر هذه الرواية دلالة اُخرى على الشمول لغير الأراضي ـ  أعني : قوله : فيصيبون غنائم ، كيف تقسّم ؟ ـ فإنّ السؤال عن تقسيم ما يصيبونه من الغنائم ظاهر في المنقول ، بل لعلّه القدر المتيقّن منه بحيث لا يمكن التخصيص بالأراضي قطعاً .

   وعليه ، فلا مناص من الأخذ بعموم هذه الصحيحة ورفع اليد عن ظهور تلك الروايات في الحصر بصراحة هذه ـ بمقتضى الدلالة الوضعيّة ـ في العموم وعدم الحصر .

   فتحصّل : أنّ ما ذكره جماعة من عدم الاختصاص بالأراضي وشمول الحكم لكلّ ما يؤخذ من الكفّار بغير قتال المطابق لإطلاق الآية المباركة (مَا أَفَاءَ اللهُ

ــ[362]ــ

عَلَى رَسُولِهِ) إلخ ، هو الأظهر .

   ثمّ لا يخفى أنّ مقتضى المحافظة على العنوان المأخوذ في هذا القسم من الأنفال بحيث يعدّ قسماً برأسه وبحياله واستقلاله في مقابل القسم الآتي : تعميم الحكم لمطلق الأرض التي يستولي عليها المسلمون بغير قتال ، سواء أكانت من الموات أم المحياة ، كما يقتضيه أيضاً إطلاق كلماتهم ، إذ لو كانت مختصّة بالموات لم يكن وجه حينئذ للتقييد بعدم القتال المأخوذ في هذا العنوان ، ضرورة أنّ الأراضي الميّتة التي يستولي عليها المسلمون تعدّ من الأنفال حتى إذا كان ذلك مع القتال ، إذ الشرط في الأراضي التي تكون ملكاً للمسلمين المأخوذة من الكفّار بالقتال المعبّر عنها بالأراضي الخراجيّة تارةً وبالمفتوحة عَنوةً اُخرى أن تكون عامرة حال الفتح ، وإلاّ فهي من الأنفال ، سواء أكان الاستيلاء مع القتال أم بدونه . فالموضوع في هذا القسم أعمّ من كون الأراضي خربة مواتاً أم عامرة محياة حسبما عرفت .

   نعم ، في صحيحة حفص المتقدّمة قيّدت الأرض بالخربة ، وظاهرها الاختصاص ، لكن لا بدّ من رفع اليد عنه تحكمياً لعموم : كلّ غنيمة ، الوارد في صحيحة ابن وهب المتقدّمة ، والمؤيّد بما ورد في جملة من الأخبار ، منها صحيحة الكابلي : من أنّ الأرض كلّها للإمام وأنّ الله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين ، «قال (عليه السلام) : ونحن المتّقون» (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 25 : 414 /  أبواب إحياء الموات ب 3 ح 2 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net