إستحالة الحجيّة التخييريّة 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2498


    الحجية التخييرية غير معقولة

   لأنها بمعنى جعل الحجية على هذا وذاك يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين لأن مرجعه إلى أن الشارع قد اعتبر المكلف عالماً بالحرمة وعالماً بعدمها ، أو عالماً بحرمة شيء وعالماً بوجوبه ، ومن هنا قلنا إن اطلاق أدلة الحجية غير شاملة لكلتا الفتويين لاستلزام حجيتهما معاً الجمع بين الضدين أو النقيضين .

   وأما الحجية التخييرية بمعنى جعل الحجية على الجامع بين الفتويين ، أعني عنوان أحدهما الّذي هو عنوان انتزاعي ، فهي أيضاً غير متصورة في المقام لأن التكليف بل الصفات الحقيقية كلها كالشوق والعلم وإن كان أمراً قابل التعلق للعناوين الانتزاعية كعنوان أحدهما الجامع بين فردين ، لأن الشوق يمكن أن يتعلق بأحد فعلين أو شيئين آخرين ، وكذلك العلم الاجمالي لأنه يتعلّق بأحدهما . بل قد التزمنا بذلك في الواجبات التخييرية ، وقلنا إن التكليف فيها إنما تعلّق بعنوان أحدهما وأن الفعل المأتي به في الخارج فرد للواجب لا أنه الواجب بنفسه ، إلاّ أن ذلك في الحجية أمر غير معقول ، لأنه لا معنى لاعتبار المكلف عالماً بالحرمة أو عالماً بعدمها ، واعتباره عالماً بوجوب شيء أو عالماً بحرمته ، لأنه معنى جعل الحجية على أحدهما .

   على أ نّا ذكرنا في محلّه أن كلاً من المتعارضين ينفي معارضه بالالتزام . إذن يكون معنى الافتاء بحرمة شيء أنه ليس بواجب كما أن معنى الافتاء بوجوبه أنه ليس بحرام فالفتويان المتعارضتان بين نفي وإثبات ، وجعل الحجية على الجامع بين النفي والاثبات

ــ[138]ــ

أمر غير ممكن ، فالحجية التخييرية بهذا المعنى أيضاً غير معقولة .

   مضافاً إلى أ نّا لو سلمنا أنها أمر ممكن بحسب الثبوت ، فلا ينبغي التردد في عدم إمكانها بحسب الاثبات ، فإن الأدلة لا تساعدها بوجه والوجه فيه : أن أدلة الحجية إنما تدل على حجية فتوى كل فقيه متعينةً ومعناها أن إنذار هذا المنذر وفتوى ذلك الفقيه حجة معينة ولا دلالة لها بوجه على أن الحجة فتوى هذا أو فتوى ذاك على نحو التخيير .

   وأما جعل الحجية على كل منهما مشروطاً بعدم الأخذ بالآخر ليكون كل منهما حجة تعيينية مشروطة بعدم الأخذ بالآخر ، فهو أيضاً كسابقه والوجه فيه : أن التكليف بكل واحد من الضدين مشروطاً بعدم الأخذ بالآخر أي تركه ، وإن كان أمراً ممكناً في نفسه فإنه الترتب من الجانبين وقد بيّنا في محلّه أن الترتب من الجانب الواحد إذا أثبتنا امكانه فهو من الجانبين أيضاً ممكن فيكون كل من الضدين واجباً مشروطاً بترك الآخر ، ولا يلزمه طلب الجمع بين الضدين على ما حققناه في موضعه .

   كما لا يتوجه عليه أن لازمه الالتزام باستحقاق عقابين عند تركهما معاً لتحقق الشرط في وجوبهما . وهو من العقاب على ما لا يكون بالاختيار لعدم تمكن المكلف من الجمع بين الفعلين ، وذلك لما بيّناه هناك من أن العقابين ليسا مستندين إلى ترك الجمع بين الفعلين فلا يقال له لماذا لم تجمع بينهما حتى يرد أنه غير مقدور للمكلف ، بل مستند إلى الجمع في الترك فيقال له لماذا تركت هذا عند ترك ذاك وبالعكس ، ولا شبهة في أن كلاً من ترك الآخر وفعله عند ترك الأول مقدور ، إلاّ أن ذلك في الحجية أيضاً غير معقول وذلك لأن لازمه أن يتصف كل منهما بالحجية الفعلية إذا ترك المكلف الأخذ بهما معاً لحصول شرط الحجية في كليهما وهو عدم الأخذ بالآخر . وقد مرّ أن جعل الحجية على كل من الفتويين أمر غير معقول إذ لا معنى لاعتبار المكلف عالماً بالحرمة وعالماً بالوجوب . فالحجية التخييرية بهذا المعنى أيضاً غير معقولة .

    معنى آخر للحجية التخييرية

   بقى الكلام في الحجية التخييرية بمعنى آخر وهو جعل الحجية على كل من الفتويين مثلاً مشروطاً بالأخذ بها ـ لا مشروطاً بعدم الأخذ بالآخر كما في سابقه ـ وهذا

ــ[139]ــ

المعنى من الحجية التخييرية أمر معقول بحسب الثبوت والحجية في كل منهما تعيينية حينئذ مقيدة بالأخذ بها من دون أن يترتب عليها المحذور المتقدم ، لأنه إذا لم يأخذ بهذا ولا بذاك لم يتصف شيء منهما بالحجية لأنها مشروطة بالأخذ كما عرفت ، إلاّ أنه لا دليل عليه في مرحلة الاثبات لوضوح أن ما دلّ على حجية فتوى الفقيه غير مقيد بالأخذ بها ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في حجيتها بين الأخذ بها وعدمه . ومعه يكون شمول أدلة الحجية لاحداهما عند الأخذ بها معارضاً بشمولها للاُخرى حال عدم الأخذ بها ، وقد مرّ أن الأدلة غير شاملة للمتعارضين . نعم ، لو قام هناك دليل على الحجية مقيدة بالأخذ بها كما إذا كانت الأخبار الدالة على التوسعة عند التعارض وأن المكلف له أن يأخذ بأيهما شاء من باب التسليم ، معتبرة سنداً وعممنا الحكم لغير الروايتين من المتعارضين لم يكن مانع ثبوتي عن الالتزام بالحجية التخيرية بهذا المعنى ، إلاّ أنها لم يقم عليها دليل كما عرفت .

   بقى الكلام فيما ربّما يظهر من كلام بعضهم من الاجماع على أن العامّي ليس له العمل بالاحتياط ، بل دائماً يجب أن يستند في أعماله إلى فتوى من يجوز تقليده من المجتهدين . وهو أيضاً لا يمكن الاستدلال به على التخيير في محل الكلام وذلك لأنه من الاجماع المنقول بالخبر الواحد وهو مما لا اعتبار به . على أن الاجماع المدعى لا يقتضي الالتزام بالتخيير ولو مع الجزم بانعقاده لأن عدم العمل بالاحتياط كما أنه يجتمع مع الحجية التخييرية كذلك يجتمع مع الالتزام بسقوط الفتويين عن الحجية واختيار العمل على إحداهما من جهة تنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالي عند عجز المكلف من الامتثال جزماً ، ولعلّ الشارع قد اكتفى بالعمل على طبق إحداهما المحتملة المطابقة للواقع .

   والمتحصل إلى هنا : أن الحجية التخييرية لا يمكن تتميمها بدليل. إذن يجب على العامّي الاحتياط للعلم بتنجز الأحكام الواقعية في حقه . ووجوب الاحتياط في أطراف العلم الاجمالي على طبق القاعدة ، هذا إن تمكن من الاحتياط .

   وأما لو لم يتمكن من العمل بالاحتياط إمّا لأن أحدهما أفتى بوجوب القصر مثلاً والآخر بوجوب التمام والوقت لا يسعهما ، وإما لأن أحدهما أفتى بوجوب شيء والآخر بحرمته ، وإما للاجماع على عدم جواز الاحتياط فلا مناص من الحكم

ــ[140]ــ

إلاّ إذا كان أحدهما أورع فيختار الأورع (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بوجوب العمل على طبق إحدى الفتويين مخيراً ، وهو من التخيير العقلي في مقام الامتثال لتنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالي عند العجز عن الامتثال الجزمي .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net