لزوم تأخير الحلق عن الذبح والرمي - حكم تقديم الحلق على الذبح أو الرمي 

الكتاب : المعتمد في شرح العروة الوثقى-الجزء الرابع:الحج   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3541


ــ[318]ــ

والأحوط تأخيره عن الذبح والرمي (1) .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

النحر ؟ قال : كل شيء إلاّ النساء والطيب» (1) فان قوله (عليه السلام) «يحل له يوم النحر كل

شيء» يدل على وقوع الحلق يوم النحر ، إذ الحاج لا يتحلل يوم العيد بدون الاتيان بأعمال منى ،

وإنما يتحلل الناسك بالأعمال الصادرة في منى ، فكان من المفروغ عنه وقوع الحلق في يوم العيد ، ولذا

ذكر بأنه تحل له الأشياء يوم النحر .

   والحاصل : لو تم ما ذكر من الاستدلال فهو ، وإلاّ فلا ريب في أن ايقاع الحلق في نهار العيد وعدم

تأخيره عنه أحوط كما صرحنا بذلك في المتن ، فالتعبير بالأحوط في قبال من قال بجواز التأخير عمداً إلى

آخر أيام التشريق .

   هذا كله في حال العمد والاختيار ، وأمّا لو نسي الحلق نهار العيد أو لم يتمكن منه في النهار لعدم

التمكن منه في نفسه ، أو لأجل إيقاع الرمي أو الذبح في أواخر النهار فلم يتمكن من الحلق في نهار

العيد ، فيجوز له الحلق حينئذ متى شاء ، سواء في الليلة الحادي عشرة أو في نهار غده ، ولكن لا ريب

أن التأخير إلى النهار والاتيان فيه أحوط .

   (1) وهل يجب تأخير الحلق عن الذبح أم يجوز التقديم عليه ؟

   نسب إلى جماعة جواز التقديم ، والصحيح ما ذهب إليه المشهور من لزوم تأخيره عن الذبح ، ويدل

عليه أوّلاً السيرة . مضافاً إلى ما في صحيح سعيد الأعرج «فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من

شعورهن ويقصرن»(2) فانه كالصريح في لزوم التأخير فان المتفاهم منه أنه لو كان عليهنّ ذبح لا يجوز

لهنّ التقصير إلاّ بعد الذبح .

   ويدل على ذلك أيضاً صحيح جميل الوارد في الناسي «عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق ، قال :

لا ينبغي إلاّ أن يكون ناسياً ، ثم قال : إن رسول الله (صلّى الله عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 14 : 236 / أبواب الحلق ب 14 ح 1 .

(2) الوسائل 14 : 53 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 1 ح 1 .

ــ[319]ــ

وآله وسلّم) أتاه اُناس يوم النحر فقال بعضهم : يا رسول الله إني حلقت قبل أن أذبح وقال بعضهم :

حلقت قبل أن أرمي ، فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي أن يؤخروه إلاّ قدّموه فقال : لا حرج» (1) .

   فان ظاهر كلمة «ينبغي» وإن كان هو الاستحباب ولكن في المقام بقرينة صدر الرواية «لا ينبغي ـ

أن يزور البيت قبل أن يحلق عامداً ـ إلاّ أن يكون ناسياً» يراد بها العمل بالوظيفة ، فالمعنى كانت

وظيفتهم التأخير فقدّموه ، ومن ذكر الحلق قبل الذبح يعلم أن المرتكز عند المسلمين كان تقديم الذبح

وتأخير الحلق ، وأن وظيفتهم الأوّلية كانت ذلك ولكن قدّمه نسياناً ، والمراد بالنسيان ما هو الأعم منه

ومن الجهل .

   ثم إن هنا رواية ذكرها الشيخ في الاستبصار باسناده عن موسى بن القاسم عن علي (عليه السلام)

قال : «لا يحلق رأسه ولا يزور حتى يضحي فيحلق رأسه ويزور متى شاء» (2) .

   وطريق الشيخ إلى موسى بن القاسم صحيح ، ومِن ذكر (عليه السلام) يعلم أن المروي عنه أحد

الأئمة (عليهم السلام) فتكون الرواية معتبرة والدلالة واضحة .

   ولكن ليس لموسى بن القاسم رواية عن أحد المعصومين بلا فصل يسمّى بعلي وإنما روى عن علي

بن جعفر وغيره ممن يسمى بعلي ، والظاهر أن المراد بعلي في هذه الرواية هو علي بن جعفر ، وعن

العلاّمة التصريح بعلي بن جعفر(3) فتكون الرواية مقطوعة غير مسندة إلى الإمام ، وذكر كلمة (عليه

السلام) كما في الاستبصار من غلط النسّاخ ، ولذا لم تثبت هذه الجملة في الوسائل ولا في الوافي (4)

ولا في التهذيب (5) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 14 : 155 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 39 ح 4 .

(2) الوسائل 14 : 158 / أبواب الذبح ب 39 ح 9 ، الاستبصار 2 : 284 / 1006 .

(3) لاحظ المنتهى 2 : 754 السطر 35 .

(4) الوافي 14 : 1240 / 14179 .

(5) التهذيب 5 : 236 / 795 .

ــ[320]ــ

   فتحصل : أن اللاّزم إيقاع الحلق في نهار العيد وتأخيره عن الذبح والرمي .

   ولكن وردت في المقام روايات دلت على جواز الحلق إذا اشترى الهدي وربطه وإن لم يذبحه ، وله

أن يذبحه بعد الحلق ، وفي سند جملة من هذه الروايات علي بن أبي حمزة البطائني فهي ضعيفة . نعم في

رواية واحدة لم يذكر في سندها علي بن أبي حمزة وإنما رواها المشايخ الثلاثة عن وهب بن حفص كما

في الوسائل أو وهيب بن حفص كما في التهذيب والاستبصار (1) والرواية معتبرة إن كان المذكور

وهيب بلا كلام ، لأنه ممن وثقه النجاشي (2) وإن كان وهب فموثق أيضاً ، لأنه من رجال تفسير

علي بن إبراهيم «قال : إذا اشتريت اُضحيتك وقـمّطتها في جانب رحلك فقد بلغ الهدي محله ، فان

أحببت أن تحلق فاحلق»(3) وقد عمل الشيخ بهذه الروايات(4) ومالَ إليه في الحدائق(5) .

   أقول : لو لم يذكر التعليل في الرواية لأمكن العمل بها ، ولكن ذكر التعليل فيها بقوله : «فقد بلغ

الهدي محله» مانع عن ذلك ، وذلك لأن بلوغ الهدي محله خاص لمن كان محصوراً ، فانه يجب عليه

الصبر حتى يبلغ الهدي ويصل محله أي أرض منى ، فلا يشمل المتمتع الذي وصل إلى منى واشترى

الهدي ، فان المراد بقوله : «محله» هو أرض منى ، فانه إذا وصل الهدي إلى منى يجوز له الحلق ، ولذا

ورد في بعض الروايات أن يجعل بينه وبين المحصور موعداً حتى يحلق عند الموعد المقرّر(6). والحاصل لو

كان المراد ببلوغ الهدي محله هو بلوغه منى ذبح أو لا ، كان للاستدلال بالرواية وجه ، ولو اُريد به

العمل بالوظيفة والذبح في منى فتكون الرواية أجنبية عن المقام بالمرة ، وشدّ الهدي وربطه لا أثر له في

الحكم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي 4 : 502 / 4 ، الفقيه 2 : 300 / 1494 لكن الراوي فيهما علي بن أبي حمزة .

التهذيب 5 : 235 / 794 ، الاستبصار 2 : 284 / 1007 .

(2) رجال النجاشي : 431 / 1159 .

(3) الوسائل 14 : 157 / أبواب الذبح ب 39 ح 7 .

(4) التهذيب 5 : 235 ، الخلاف 2 : 345  المسألة 168 .

(5) الحدائق 17 : 237 .

(6) الوسائل 13 : 181 / أبواب الاحصار والصد ب 2 .

 
 

ــ[321]ــ

ولكن لو قدّمه عليهما أو على الذبح نسياناً أو جهلاً منه بالحكم أجزأه ولم يحتج إلى الإعادة (1) .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــ

   وكيف ما كان فلا ريب في أن تأخير الحلق عن الذبح أحوط لو لم يكن أقوى .

   (1) قد ظهر مما تقدم أن ترتيب هذه المناسك واجب في يوم النحر، الرمي أوّلاً ثم الذبح ثم الحلق.

   ويقع الكلام فعلاً فيما لو خالف وقدّم أو أخّر بعضها على بعض ، يقع البحث تارة في الناسي ،

واُخرى في الجاهل ، وثالثة في العالم العامد .

   أمّا الناسي : فلا ريب ولا خلاف في الإجزاء وأن الترتيب المعتبر إنما هو شرط ذُكري معتبر في فرض

العلم .

   ويدل على ذلك صحيحة معاوية بن عمار «في رجل نسي أن يذبح بمنى حتى زار البيت فاشترى بمكة

ثم ذبح ، قال : لا بأس قد أجزأ عنه»(1) فان الظاهر منه أنه أتى بمناسك يوم النحر من الرمي والحلق

ولذا ذهب إلى مكة وزار البيت وطاف به ، وإنما نسي الذبح فقط فأمر (عليه السلام) بأنه لا بأس

بذلك ويجزئه ذلك ، وإنما عليه الذبح خاصة وليس عليه إعادة التقصير .

   وصحيحة جميل الواردة في النسيان «عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق ، قال : لا ينبغي إلاّ أن

يكون ناسياً ، ثم قال : إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أتاه اُناس يوم النحر فقال بعضهم : يا

رسول الله إني حلقت قبل أن أذبح ، وقال بعضهم : حلقت قبل أن أرمي ، فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي

أن يؤخروه إلاّ قدّموه ، فقال : لا حرج»(2) .

   ونحوها صحيحة محمد بن حمران(3) ولكن فيها «وقال بعضهم: ذبحت قبل أن أحلق»

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 14 : 156 / أبواب الذبح ب 39 ح 5 ، 4 .

(3) الوسائل 14 : 215 /  أبواب الحلق ب 2 ح 2 .

ــ[322]ــ

كما في الوسائل أو «ذبحت قبل أن يحلقوا» كما في التهذيب القديم وإلاّ في التهذيب الجديد كما في

الوسائل (1) .

   ولا ريب أن ذكر هذا من غلط النسّاخ واشتباههم ، لأن وقوع الذبح قبل الحلق صحيح وواقع في

محله فلا حاجة إلى السؤال وأنه لا حرج في ذلك ، والثابت في الرواية إنما هو حلقت قبل أن أذبح .

   وأمّا الجاهل : فحكمه كالناسي ، فانه وإن لم يصرح به في النصوص ولكن المراد بالنسيان المذكور في

النصوص هو الأعم منه ومن الجهل المصطلح ، لأن فرض النسيان في اُناس وطوائف من المسلمين قد لا

يتحقق ولا يتفق في الخارج ، فان النسيان قليل الاتفاق ، بخلاف الجهل فانه كثيراً ما هو واقع في الخارج

، فان عامة الناس لا يعلمون الأحكام الشرعية ، فارادة المعنى المصطلح من النسيان بعيدة جدّاً بل المراد

به الأعم منه ومن الجهل فانه الفرد الغالب .

   وأمّا العالم المتعمد: فالمعروف بينهم الإجزاء أيضاً، بل ادعي عليه الاجماع، وذكروا أن وجوب

الترتيب واجب تكليفي محض غير دخيل في صحة الحج وفساده فلو قدّم أو أخّر بعضاً على بعض عالماً

عامداً لا إعادة عليه ، وأجزأه ، وإنما يكون عاصياً فيكون الوجوب المزبور وجوباً مستقلاً تعبدياً لا

شرطياً .

   وناقش في ذلك السيد في المدارك بأنه كيف يمكن القول بالصحة والإجزاء ، مع أن ظاهر الروايات

كون الوجوب وجوباً شرطياً (2) وتبعه صاحب الحدائق (3) .

   واستدل للمشهور بروايات منها : خبر البزنطي الوارد في أن طوائفاً من المسلمين أتوا النبيّ (صلّى

الله عليه وآله وسلّم) وقد قدّموا وأخّروا مناسك يوم النحر ، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : لا

حرج ولا حرج(4) ولم يذكر فيه النسيان ، ومقتضى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب 5 : 240 / 810 .

(2) المدارك 8 : 101 .

(3) الحدائق 17 : 246 .

(4) الوسائل 14 : 156 / أبواب الذبح ب 39 ح 6 .

ــ[323]ــ

إطلاقه هو الحكم بالإجزاء حتى في صورة العمد . وقد حمله الشيخ على النسيان بقرينة صحيحة جميل

المتقدمة الواردة في مورد النسيان (1) وما صنعه الشيخ هو الصحيح ، لأن فرض التعمد بترك الوظيفة

في طوائف من المسلمين بعيد جداً ، والقول باطلاقه بعيد جداً أيضاً ، لأن ظاهر صحيح جميل أن

النسيان له دخل في الحكم بالإجزاء . هذا مضافاً إلى أن الخبر ضعيف بسهل بن زياد .

   واستدلّوا أيضاً بصحيح ابن سنان «عن رجل حلق رأسه قبل أن يضحي ، قال : لا بأس وليس عليه

شيء ولا يعودنّ» (2) .

   ولكنه غير ظاهر في العالم المتعمد ، إذ كيف لم يكن عليه شيء مع أنه آثم وعصى ولا أقل أن عليه

التوبة ، فالظاهر أن مورده الناسي أو الجاهل فانه ممن ليس عليه شيء ، بل لعل قوله : «ولا يعودن»

ظاهر في أنه لا يجوز له اختيار خلاف الترتيب والاخلال به عمداً وإنما الجاهل يجوز له ذلك .

   مضافاً إلى أنه لو تنزلنا عن ذلك فدلالته بالاطلاق ونرفع اليد عنه بالروايات الدالة على لزوم

الترتيب كصحيحة سعيد الأعرج الدالة على الترتيب في حال العلم والعمد «فان لم يكن عليهن ذبح

فليأخذن من شعورهنّ ويقصّرن من أظفارهنّ» (3) فانه صريح في أن من كان عليه الذبح يؤخر

التقصير عنه .

   وبعبارة أوضح لو كنّا نحن وتلك الروايات الدالة على الترتيب كصحيحة سعيد الأعرج لكان

مقتضاها لزوم الترتيب مطلقاً حتى في صورة الجهل ، لكن خرجنا عن إطلاقها في صورة الجهل، فتختص

أدلّة الترتيب بالعالم العامد، فتنقلب النسبة بينها وبين صحيحة ابن سنان إلى العموم والخصوص المطلق

فنقيد إطلاق الصحيح بأدلّة الترتيب.

   ومن هذا البيان يظهر الجواب عن موثقة عمار الساباطي «عن رجل حلق قبل أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب 5 : 236 .

(2) الوسائل 14 : 158 / أبواب الذبح ب 39 ح 10 .

(3) الوسائل 14 : 53 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 1 ح 1 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net