طرق ثبوت الاجتهاد 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3949


    طرق معرفة الاجتهاد

   (3) لأنه حجة بذاته ، كما يثبت بالاطمئنان لأنه علم عادي وهو حجة عقلائية ولم يردع عنها في الشريعة المقدسة .

   (4) قد استدلّ على حجية البينة بوجوه :

   منها : دعوى الاجماع على اعتبارها في الشريعة المقدسة . وفيه : أن هذا الاجماع على تقدير ثبوته ليس من الاجماعات التعبدية ، لاحتمال استناده إلى أحد الوجوه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا يبعد ثبوته بشـهادة عدل واحد ، بل بشـهادة ثقة أيضاً مع فقد المعارض ، وكذا الأعلمية والعدالة .

(2) راجع ص 16  .

ــ[172]ــ

المذكورة في المقام فلا يستكشف به قول المعصوم (عليه السّلام) بوجه .

   ومنها : أن الشارع قد جعل البينة حجة في موارد الترافع والخصومات وقدّمها على غير الاقرار من معارضاتها ، وإذا ثبتت حجية شيء في موارد القضاء مع ما فيها من المعارضات ، ثبتت حجيته في سائر الموارد مما ليس لها معارض فيه بطريق أولى .

   ويرد عليه : أن الدعوى والخصومة مما لا مناص من حلّه بشيء ، لأن بقاء الترافع بحاله ينجر إلى اختلال النظام فما به ترتفع المخاصمات لا يلزم أن يكون حجة حتى في غير المرافعات ، ومن هنا أن اليمين تفصل بها الخصومة شرعاً ولا تعتبر في غير المرافعات فالأولوية لا تبتني على أساس صحيح .

   ومنها : موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبدالله (عليه السّلام) قال : سمعته يقول : «كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، أو المملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً ، أو امرأة تحتك وهي اُختك أو رضيعتك والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة» (1) . لدلالتها على أن اليد في مثل الثوب والمملوك وأصالة عدم تحقق النسب أو الرضاع في المرأة ، حجة معتبرة لا بدّ من العمل على طبقها إلاّ أن يعلم أو تقوم البينة على الخلاف . إذن يستفاد منها أن البينة حجة شرعية في إثبات الموضوعات المذكورة في الموثقة ، وبما أن كلمة «الأشياء» من الجمع المحلى باللاّم وهو من أداة العموم ، ولا سيما مع التأكيد بكلمة «كلها» فنتعدى عنها إلى بقية الموضوعات الّتي يترتب لها أحكام ومنها الاجتهاد والأعلمية .

   وحيث إن مورد الموثقة هو الموضوعات الخارجية لا يصغى إلى دعوى أن الموثقة إنما دلت على اعتبار البينة في الأحكام فلا يثبت بها حجيتها في الموضوعات ، فالموثقة تدلنا على حجية البينة في الموضوعات مطلقاً . ويؤيدها رواية عبدالله بن سليمان عن أبي عبدالله (عليه السّلام) في الجبن قال : «كل شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة» (2) .

   وحيث إن سندها غير قابل للاعتماد عليه جعلناها مؤيدة للموثقة ، هذا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 17 : 89 / أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4 .

(2) وسائل الشيعة 25 : 118 / أبواب الاطعمة المباحة ب 61 ح 2 .

ــ[173]ــ

   وقد تعرضنا للاستدلال بهذه الموثقة في كتاب الطهارة عند التكلم على طرق ثبوت النجاسة (1) وذكرنا أن الرواية وإن عبّر عنها في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بالموثقة ، إلاّ أ نّا راجعنا حالها فوجدناها ضعيفة حيث لم يوثق مسعدة في الرجال ، بل قد ضعّفه المجلسي(2) والعلاّمة(3) وغيرهما . نعم ، ذكروا في مدحه أن رواياته غير مضطربة المتن وأن مضامينها موجودة في سائر الموثقات ولكن شيئاً من ذلك لا يدل على وثاقة الرجل فهو ضعيف على كل حال .

   والأمر وإن كان كما ذكرناه إلاّ أن التحقيق أن الرواية موثقة ، وذلك لأن مسعدة بن صدقة من الرواة الواقعة في طريق كامل الزيارات وقد بنى ـ أخيراً ـ سيدنا الاُستاذ (أدام الله إظلاله) على وثاقة رجاله وذلك لتصريح ابن قولويه في ديباجته بأنه روى في ذلك الكتاب الأخبار غير المتصفة بالشذوذ والّتي رواها الثقات من أصحابنا . ولا يضرّه ما حكى عن المجلسي والعلاّمة وغيرهما من تضعيف الرجل ، وذلك لأن العلاّمة والمجلسي وغيرهما من المتأخرين المضعفين على جلالتهم وتدقيقاتهم لا يعتني بتضعيفاتهم ولا بتوثيقاتهم المبتنيتين على اجتهاداتهم ، ولا يحتمل أن يكون توثيق العلاّمة أو تضعيفه من باب الشهادة والاخبار فضلاً عن المجلسي أو غيره لبعد عصرهم عن الرواة . نعم ، لو علمنا أن توثيقه أو تضعيفه مستند إلى الحس والاخبار أو احتملنا ذلك في حقهم ، لم يكن توثيقاته أو تضعيفاته قاصرة عن توثيق أو تضعيف مثل الشيخ والنجاشي وغيرهما من المتقدمين ، فالرواية لا إشكال فيها من تلك الجهة .

   نعم ، يمكن المناقشة في الاستدلال بها من جهة الدلالة وذلك لأن «البينة» لم تثبت لها حقيقة شرعية ولا متشرعية ، وإنما استعملت في الكتاب والأخبار بمعناها اللغوي وهو ما به البيان والظهور على ما فصلناه في كتاب الطهارة فلاحظ (4) ومعه لا يمكن أن يستدل على حجية البينة المصطلح عليها ، بالموثقة لعدم كونها مستعملة فيها بمعنى شهادة العدلين .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في المسألة [ 129 ]

(2) رجال المجلسي : 320 / 1860  .

(3) الخلاصة (العلاّمة) : 260  .

(4) في المسألة [ 129 ] .

ــ[174]ــ

   فالصحيح أن يستدل على حجية البينة ـ بالمعنى المصطلح عليه ـ بما بيّناه في البحث عن طرق ثبوت النجاسة وحاصله : أ نّا علمنا من الخارج أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يعتمد على إخبار العدلين في موارد الترافع من غير شك واعتماده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليها يدلنا على أن شهادة العدلين أيضاً من مصاديق الحجة وما به البيان ، فإنه لولا كونها كذلك لم يجز له أن يعتمد عليها أبداً ، فبهذا نستكشف أنها حجة مطلقاً من دون أن يختص اعتبارها بموارد الخصومة والقضاء لأن اعتماد الشارع عليها يدلّنا على أن خبر العدلين حجة معتبرة في مرتبة سابقة على القضاء لا أنه اتصف بالحجية بنفس القضاء ، هذا .

   ثمّ إن الاجتهاد والأعلمية كما أنهما يثبتان بالبينة كذلك يثبتان بالخبر الواحد وذلك لما بيّناه في محلّه من أن خبر العدل الواحد كما أنه حجة معتبرة في الأحكام الشرعية كذلك يعتمد عليه في الموضوعات الخارجية وهذا للسيرة الجارية على الاعتماد عليه عند العقلاء مطلقاً ولم يردع عنها في الشريعة المقدسة . بل لا تتوقف حجيته على عدالة المخبر لكفاية الوثاقة في حجية الخبر وإن استشكل الماتن في حجية الخبر الواحد في الموضوعات في جملة من الموارد .

   وقد يتخيّل أن الموثقة المتقدمة (1) كافية في الردع عن العمل بالخبر الواحد في الموضوعات الخارجية حيث ورد في ذيلها : «والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة» نظراً إلى أنه دلّ على حصر المثبت بالاستبانة وقيام البينة ، فلو كان الخبر الواحد أيضاً حجة مثبتة للموضوعات الخارجية كالبينة لبيّنه (عليه السّلام) ويدفعه ، أوّلاً : أن الموثقة ليست بصدد الحصر أبداً وذلك لوضوح أن الأشياء كما أنها تثبت بالاستبانة والبينة كذلك تثبت بالاستصحاب والاقرار وحكم الحاكم وغيرها ، فلو كانت بصدد حصر المثبت فيهما لاستلزم ذلك تخصيص الأكثر المستهجن .

   وثانياً : أن البينة في الموثقة كما قدّمناه بمعنى الحجية وما به البيان وهذا هو الّذي دلّت الموثقة على حجيته في قبال العلم الوجداني والاستبانة ، وأما تطبيق ذلك على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص 172 .

ــ[175]ــ

   إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد (1) وكذا يعرف بالشياع المفيد للعلم ، وكذا الأعلمية تعرف بالعلم أو البينة غير المعارضة ، أو الشياع المفيد للعلم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصاديقه وأن ما به البيان أي شيء فالموثقة غير ناظرة إلى بيانه ، فلا مناص من أن يحرز مصاديقه من الخارج فإذا أقمنا الدليل على اعتبار الخبر في الموضوعات الخارجية استكشفنا بذلك أنه أيضاً مصداق لكبرى الحجية وما به البيان ، كما استكشفنا حجية البينة المصطلح عليها من الخارج على التقريب المتقدم فلاحظ .

   وثالثاً : لو سلمنا أن البينة في الموثقة بمعناها المصطلح عليه ، فعدم ذكر الخبر الواحد في قبال العلم والبينة إنما هو من جهة خصوصية في موردها وهي أن الحلّية في مفروضها كانت مستندة إلى قاعدة اليد في مسألة الثوب ، ومن الواضح أن الخبر الواحد غير معتبر مع اليد فكأنه (عليه السّلام) كان بصدد بيان ما يعتبر في جميع الموارد على وجه الاطلاق . وعلى الجملة أن الموثقة غير رادعة عن السيرة العقلائية وتمام الكلام في ذلك موكول إلى محلّه .

   ودعوى أن الاجتهاد ليس من الاُمور الحسية ، وأن القوة والملكة إنما يستكشفان بالحدس والاختبار ، والشهادة والاخبار إنما تقبلان في المحسوسات ولا اعتبار بهما في الحدسيات أبداً .

   مندفعة بأن الاجتهاد كالعدالة وغيرها من الاُمور الّتي تقبل فيها الشهادة والاخبار ، والوجه فيه مع أن الملكة غير قابلة للحسّ ، أن تلك الاُمور من الاُمور الحدسية القريبة من الحس ، لأنها مما يقل فيه الخطأ وتكون مقدماته موجبة للحدس غالباً ، والاخبار عن مثلها كالاخبار عن الاُمور المحسوسة في الاعتبار عند العقلاء .

   (1) لأن أدلة الاعتبار غير شاملة للمتعارضين ، فإن شمولها لهما معاً يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين ، وشمولها لأحدهما دون الآخر بلا مرجح ، وهذا معنى ما يقال : إذا تعارضا تساقطا ، فلا يتصف شيء منهما بالحجية والاعتبار .

ــ[176]ــ

   [ 21 ] مسألة 21 : إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلمية أحدهما ولا البينة ، فإن حصل الظن بأعلمية أحدهما تعين تقليده ((1)) بل لو كان في أحدهما احتمال الأعلمية يقدم كما إذا علم أنهما إما متساويان أو هذا المعين أعلم ، ولا يحتمل أعلمية الآخر فالأحوط تقديم من يحتمل أعلميته (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) ذكرنا عند التكلم على مسألة وجوب الفحص عن الأعلم ، أنه إذا لم يشخّص الأعلم من المجتهدين ، ولم يتمكن من تحصيل العلم بأعلمية أحدهما مع العلم بمخالفتهما في الفتوى فإن تمكن من الاحتياط وجب ، لما مرّ غير مرة من أن الأحكام الواقعية قد تنجّزت على المكلفين بالعلم الاجمالي بوجود أحكام إلزامية في الشريعة المقدسة ، ولا طريق للعامّي إلى امتثالها سوى العمل على طبق فتوى الأعلم وهو مردد بين شخصين ، ومعه لا مناص من الاحتياط تحصيلاً للعلم بالموافقة لاستقلال العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب كما هو الحال في بقية موارد العلم الاجمالي . ولا أثر للظن بالأعلمية أو احتمالها في أحدهما حينئذ ، لأن أدلة الحجية غير شاملة للمتعارضين ومعه لم يجعل شيء من الفتويين المتعارضتين حجة على المكلف ليجب الأخذ بما ظن أو احتمل حجيته ، بل الوظيفة وقتئذ هو الاحتياط حتى يقطع بخروجه عن عهدة ما علم به من التكاليف الالزامية .

   وأما إذا لم يتمكن من الاحتياط إما لعدم سعة الوقت للجمع بين الفتويين ، وإما لأن أحدهما أفتى بوجوب شيء والآخر بحرمته ، فلا محالة يتخيّر بينهما للعلم بوجوب تقليد الأعلم وهو مردد بين شخصين ولا مرجح لأحدهما على الآخر وفي هذه الصورة إذا ظنّ بأعلمية أحدهما أو احتملها وجب الأخذ به . ولا يقاس هذه الصورة بالصورة المتقدمة ، فإن في تلك الصورة أوجب التعارض سقوط فتوى كلا المجتهدين عن الحجية فلم يجعل شيء منهما حجة على المكلف ليتميز بالظن أو الاحتمال ، وأما في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الظاهر أنه مع عدم العلم بالمخالفة يتخيّر في تقليد أيهما شاء ، ومع العلم بها ولو إجمالاً يأخذ بأحوط القولـين ، ولا اعتبار بالظن بالأعلمية فضلاً عن احـتمالها ، هذا فيما إذا أمكن الأخذ بأحوطهما ، وإلاّ وجب تقليد من يظن أعلميته أو يختص باحتمال الأعلمية على الأظهر .

ــ[177]ــ

   [ 22 ] مسألة 22 : يشترط في المجتهد اُمور : البلوغ (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذه الصورة فبما أنه غير متمكن من الاحتياط لم يجب عليه إلاّ العمل بفتوى أحدهما لعدم تكليفه بالاحتياط لتعذره ولا ترتفع عنه الأحكام لتنجزها عليه بالعلم الاجمالي ، فلا مناص إلاّ من اتباع إحدى الفتويين ، فإذا احتمل أو ظن بأعلمية أحدهما دار أمر المكلف بين التعيين والتخيير ، وقد تقدم أن العقل يستقل بلزوم الأخذ بما يحتمل تعينه ، للعلم بأنه معذّر على كل حال ومعذّرية الآخر غير محرزة .

   وبما سردناه اتضح أن الظن بالأعلمية أو احتمالها إنما يكون معيّناً لتقليد من ظن بأعلميته أو احتمل إذا لم يتمكن من الاحتياط دون ما إذا كان متمكناً منه ، فما أفاده الماتن في المقام لا يمكن المساعدة على اطلاقه . كما أن ما أفاده في المسألة الثامنة والثلاثين من أن المكلف في تلك المسألة إذا لم يتمكن من الاحتياط تخير بينهما وإذا أمكنه فالأحوط هو الاحتياط ، لا يمكن المساعدة على إطلاقه أيضاً لما عرفته من أن المكلف إنما يتخيّر بينهما عند عدم التمكن من الاحتياط ، إذا لم يظن أو لم يحتمل أعلمية أحدهما ، وإلاّ فالمتعيّن تقليد المظنون أو المحتمل أعلميته، هذا كلّه مع العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى .

   وأما إذا لم يعلم المخالفة بينهما ، فقد مرّ أنه لا يجب تقليد معلوم الأعلمية وقتئذ فضلاً عن المظنون أو المحتمل أعلميته .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net