اعتبار الدخول في العدّة أو بعدها أو الجهل بها وعدمه 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثاني:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2489

 

ــ[181]ــ

   [ 3711 ] مسألة 4 : هل يعتبر في الدخول الذي هو شرط في الحرمة الأبدية في صورة الجهل أن يكون في العدّة ، أو يكفي كون التزويج في العدّة مع الدخول بعد انقضائها ؟ قولان ، الأحوط الثاني بل لا يخلو عن قوة ، لإطلاق الأخبار (1) بعد منع الانصراف إلى الدخول في العدّة .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) الأخبار الواردة في المقام على طائفتين :

   الاُولى : ما فرض فيها كون الدخول في العدّة وهي أكثر الأخبار ، إلاّ أ نّها لم تتكفل أخذ ذلك شرطاً للحكم ، وإنّما فرضت ذلك مورداً خاصاً ، كمعتبرة إسحاق بن عمار المتقدمة وغيرها .

   الثانية : المطلقات من حيث الدخول ، وهي ليست إلاّ روايتين معتبرتين وهما :

   أ ـ صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : «إذا تزوج الرجل المرأة في عدّتها ودخل بها لم تحلّ له أبداً» (1) .

   فإنّها مطلقة من حيث الدخول ، إذ من البعيد جداً أن يقال : بأن قوله (عليه السلام) : «في عدّتها» قيد للتزوج والدخول كليهما ، بل ظاهره الرجوع إلى الأمر المتقدم عليه ـ  أعني التزوج خاصة  ـ وعليه فيبقى المتأخر ـ أعني الدخول ـ مطلقاً .

   ودعوى عدم إمكان التمسك بالإطلاق ، لاقتران المطلق بما يصلح للقرينية من جهة المناسبات الكلامية .

   غير مسموعة ، وذلك لأنّ الذي يوجب إجمال الدليل هو ما كان بحسب الفهم العرفي صالحاً للقرينية فلا يكفي فيه مجرد الاحتمال . ومن هنا فمجرد احتمال كون قوله (عليه السلام) : «في عدّتها» صالحاً للقرينية لا يكفي في رفع اليد عن إطلاق قوله : «ودخل بها» .

   ومما يؤيد الإطلاق في المقام ملاحظة أنّ العقد لو كان واقعاً في الجزء الأخير من العدّة مع علم الزوج بذلك ، كان ذلك موجباً لثبوت الحرمة الأبدية بلا كلام . فإنّ من الواضح أنّ هذا الموضوع بعينه هو الموضوع للحرمة في حال الجهل ، لكن بإضافة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 17 ح 3 .

ــ[182]ــ

   [ 3712 ] مسألة 5 : لو شكّ في أ نّها في العدّة أم لا ، مع عدم العلم سابقاً ، جاز التزويج(1) خصوصاً إذا أخبرت بالعدم(2). وكذا إذا علم كونها في العدّة سابقاً وشكّ في بقائها إذا أخبرت بالانقضاء(3). وأما مع عدم إخبارها بالإنقضاء ، فمقتضى استصحاب بقائها عدم جواز تزويجها . وهل تحرم أبداً إذا تزوّجها مع ذلك ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدخول إليه بدلاً من العلم . وحيث أنّ من الواضح أيضاً أنّ الدخول في الفرض إنّما يكون بعد انقضاء العدّة قهراً ، كشف ذلك عن عدم وجود خصوصية لكون الدخول في أثناء العدّة ، بل الحكم ثابت سواء أدخل بها في أثنائها أم دخل بها بعد انقضائها .

   ب ـ معتبرة سليمان بن خالد ، قال : سألته عن رجل تزوج امرأة في عدّتها ، قال : فقال : «يفرّق بينهما ، وإن كان دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها ، ويفرّق بينهما فلا تحلّ له أبداً . وإن لم يكن دخل بها فلا شيء لها من مهرها» (1) .

   فإنّها أظهر دلالة من سابقتها ، فإنّ موضوع الحكمين ـ الحرمة والمهر ـ فيها واحد وهو الدخول ، ومن الواضح أنّ الدخول الذي يوجب المهر لا يختصّ بما إذا كان في أثناء العدّة كما هو ظاهر .

   (1) لأصالة عدم كونها في العدّة .

   (2) لدلالة الأخبار الصحيحة على تصديقها إذا ادعت ، على ما سيأتي بيانها .

   (3) وهو المشهور والمعروف ، بل لا خلاف فيه بينهم . وتدلّ عليه روايات مستفيضة وإن كان أكثرها لا يخلو من الخدشة في السند ، إلاّ أنّ فيها المعتبرات أيضاً .

   ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «العدّة والحيض للنساء إذا ادعت صدقت» (2) .

   فإنّ من الواضح أنّ المراد بها كون أمر العدّة والحيض لهن ، بمعنى الرجوع إليهن والأخذ بقولهنّ وجوداً وعدماً ، وإلاّ فكون نفس عدّ الأيام المعبّر عنه بالعدّة ونفس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 17 ح 7 .

(2) الوسائل ، ج 2 كتاب الطهارة ، أبواب الحيض ، ب 47 ح 1 .

ــ[183]ــ

الدم لهنّ لا معنى له .

   وفي معتبرة ميسر قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ألقى المرأة في الفلاة التي ليس فيها أحد فأقول لها : ألك زوج ؟ فتقول : لا ، فأتزوجها ؟ قال : «نعم ، هي المصدقة على نفسها» .

   وهي معتبرة سنداً ، وإن رواها صاحب الوسائل تبعاً للكافي في موردين ، وردت في إحداهما وساطة عمر بن أبان (1) ولم يذكر في الاُخرى (2) إلاّ أ نّه على ما صرح به الكافي هو الكلبي الثقة . كما لا يضر تردد اسم الراوي بين ميسر وميسرة ، فإنّه رجل واحد وهو ثقة .

   وواضحة دلالة ، لظهور كون السؤال فيها عن وجود المانع من الزواج مطلقاً لا عن وجود الزوج خاصة ، وإلاّ فعدم وجود الزوج فقط لا ينفع في جـواز التزوج منها لو كانت ثيباً ـ كما هو الغالب ـ لاحتمال كونها في العدّة . ومن هنا فحيث كان السؤال عن الزوجية بتوابعها ، كانت دلالتها على قبول قولها في عدم كونها في العدّة واضحة ، إذ أ نّها تدلّ على كونها مصدّقة في الزوجية وتوابعها .

   وكذا معتبرة الحسين بن سعيد ، قال : كتبت إليه أسأله عن رجل تزوج امرأة في بلد من البلدان ، فسألها لكِ زوج ؟ فقالت : لا ، فتزوجها ، ثم إنّ رجلاً أتاه فقال : هي امرأتي ، فأنكرت المرأة ذلك ما يلزم الزوج ؟ فقال : «هي امرأته إلاّ أن يقيم البينة» (3) .

   فإنّ دلالتها على تصديقها في ادعاء عدم العدّة بالتقريب المتقدم في سابقتها واضحة ، فإنّها تدلّ على قبول قولها في عدم وجود الزوج بتوابعه .

   والحاصل أ نّه لا ينبغي الإشكال في هذا الحكم، فإنّه بعد دلالة النصوص الصحيحة عليه لا مجال للتمسك باستصحاب بقاء العدّة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 25 ح 2 . الكافي 5  :  392 .

(2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 10 ح 1 . الكافي 5 : 462 .

(3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 23 ح 3 .

ــ[184]ــ

الظاهر ذلك (1) . وإذا تزوّجها باعتقاد خروجها عن العدّة ، أو من غير التفات إليها ، ثم أخبرت بأ نّها كانت في العدّة ، فالظاهر قبول قولها((1)) وإجراء حكم التزويج في العدّة ، فمع الدخول بها تحرم أبداً (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لقيام الاستصحاب مقام العلم الموضوعي فيما إذا اُخذ العلم موضوعاً على نحو الطريقية فإنّه محرز للموضوع ، فيكون التزوج بها مع العلم أو الدخول موجباً لثبوت الحرمة الأبدية . نعم ، لو منعنا من قيام الأمارات والاُصول التنزيلية مقام العلم الموضوعي ، أشكل إثبات الحرمة الأبدية بالاستصحاب . إلاّ أنّ التحقيق خلافه على ما ذكرنا مفصّلاً في محلّه من المباحث الاُصولية .

   (2) ولا بدّ من فرض الكلام فيما إذا احتمل الزوج صدق قولها ، بحيث كان قولها موجباً للشكّ الساري وزوال اعتقاده السابق ، وإلاّ فلا وجه للحكم بالحرمة الأبدية جزماً ، إذ لا أثر لقولها بعد الجزم بكذبها وعدم وقوع العقد في العدّة .

   وبعبارة اُخرى : لا بدّ من فرض اعتقاد عدم كونها في العدّة ـ حين العقد عليها ـ بنحو ينسجم مع احتمال صدق قولها بعد العقد ، بحيث يكون الاحتمال موجباً لتزلزل ذلك الاعتقاد ، وإلاّ فلا وجه لقبول قولها والحكم بالحرمة الأبدية .

   كما أ نّه لا بدّ من فرض الكلام فيما لو كان العقد في نفسه ـ ومع قطع النظر عن إخبارها بكونه في العدّة ـ محكوماً بالصحة ، وإلاّ فلا أثر لقولها ، سواء التزمنا بحجيته أم لم نلتزم ، فإنّ العقد باطل وتتبعه الحرمة الأبدية إذا كان قد دخل بها . وذلك كما لو كانت المرأة مسبوقة بالعدة فعقد عليها مع الغفلة عن ذلك ، وبعد الدخول أخبرت المرأة بكونها في العدّة حين العقد ، فإنّ مقتضى استصحاب بقائها في العدّة هو الحكم ببطلان العقد ومن ثم ثبوت الحرمة الأبدية ، سواء أ كان قولها حجة أم لم يكن .

   ومما يؤيد ما ذكرناه فرض الماتن (قدس سره) للكلام في مورد الاعتقاد أو الغفلة خاصة ، فإنّه إنّما يكشف عن خروج فرض العلم السابق بكونها في العدّة عن محلّ الكلام ، وإلاّ لما كان وجه لتخصيصه (قدس سره) بالذكر اعتقاد عدم كونها في العدّة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فيه إشكال بل منع ، نعم إذا أخبرت قبل الدخول بها أ نّها في العدّة لزم الفحص على ما دلّت عليه صحيحة أبي بصير .

ــ[185]ــ

أو الغفلة . فإنّ الكلام ـ  على هذا  ـ يجري حتى فيما لو كان التزويج منها مبنياً على إخبارها بعدم كونها في العدّة ، ثم أخبرت بعد العقد بكونها حينه في العدّة ، فإنّه إذا بنينا على حجية إخبارها بالنسبة إلى حالتها السابقة أيضاً كما اختاره الماتن ، فبعد تعارض الإخبارين وسقوطهما يرجع إلى استصحاب كونها في العدّة ، فيحكم بالبطلان وثبوت الحرمة الأبدية على تقدير الدخول ، فلا يكون الحكم مختصاً بحالة الاعتقاد بعدم كونها في العدّة أو الغفلة .

   وكيف كان ، فقد توقف في الحكم جماعة منهم شيخنا الاُستاذ (قدس سره) حيث جعله مبنياً على الاحتياط . ومنشأ التوقف التردد في مدلول صحيحة زرارة المتقدمة ، وهل إنّها تدلّ على حجية قول المرأة وإخبارها مطلقاً ، سواء أخبرت عن حالتها الفعلية أم أخبرت عن حالتها السابقة ، أو أ نّها إنّما تدل على حجية إخبارها عن الفعلية خاصة ؟

   فمن اختار الأوّل ـ  كالماتن (قدس سره) ـ حكم بقبول قولها ، ومن تردّد حكم بالاحتياط .

   غير أنّ من المظنون قريباً من المطمأَن به هو الثاني ، فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) : «العدّة والحيض للنساء إذا ادعت صدقت» كونهما لهن بلحاظ الحالة الفعلية كما يشهد له عدم التزام الفقهاء بتصديق قولها لو ادعت كون الطلاق ـ بعد وقوعه أو بعد موت الزوج ـ حال الحيض ، بل حكموا بصحته عملاً بأصالة الصحة . وعلى هذا فلا أثر لإخبارها في المقام حيث لا يشمله الدليل ، فيحكم بصحة العقد لا محالة .

   ولو تنزّلنا عن ذلك وسلّمنا إطلاق صحيحة زرارة ، فلا نتنزّل عمّا ذكرناه من الحكم ، وذلك لصحيحة أبي بصير ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة فقالت : أنا حبلى ، وأنا اُختك من الرضاعة ، وأنا على غير عدّة ، قال : فقال : «إن كان دخل بها وواقعها فلا يصدقها ، وإن كان لم يدخل بها ولم يواقعها فليختبر وليسأل إذا لم يكن عرفها قبل ذلك» (1) .

   فإنّها بتفصيلها بين الدخول وعدمه حيث يجب الاختبار والسؤال في الثاني دون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 18 ح 1 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net