عدم حرمة الزنا الطارئ على التزويج - الزنا بالعمة أو الخالة قبل التزويج موجب لحرمة بنتيهما 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثاني:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 12442


   [ 3764 ] مسألة 28 : الزنا الطارئ على التزويج لا يوجب الحرمة إذا كان بعد الوطء(2) بل قبله أيضاً على الأقوى(3). فلو تزوّج امرأة ثم زنى باُمها أو ابنتها

ـــــــــــــــــــــــــــــ
   (2) إجماعاً ، ولما ورد في جملة من النصوص من أنّ «الحرام لا يفسد الحلال» أو أنّ «الحرام لا يحرم الحلال» وما ورد في خصوص الزنا بالعمة أو الخالة بعد التزوّج من ابنتيهما .

   (3) وهو المشهور والمعروف بين الأصحاب . ويدلّ عليه إطلاق قولهم (عليهم السلام) : «الحرام لا يفسد الحلال» أو أنّ «الحرام لا يحرم الحلال» لا سيما ما ورد في بعضها من التعبير بـ «قط» فإنّه يدلّ على عدم الحرمة في المقام .

   إلاّ أنّ صاحب الحدائق (قدس سره) ذهب إلى ثبوت الحرمة في المقام على حد ثبوتها فيما إذا كان الزنا قبل العقد ، ونسبه إلى بعض مشايخه (2) مستدلاًّ عليها بروايتين ، هما :

   أوّلاً : رواية عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الرجل تكون عنده الجارية

ــــــــــــــ
(2) الحدائق 23 : 484 .

ــ[307]ــ

لم تحرم عليه امرأته ، وكذا لو زنى الأب بامرأة الابن لم تحرم على الابن ، وكذا لو زنى الابن بامرأة الأب لا تحرم على أبيه .

   وكذا الحال في اللّواط الطارئ على التزويج(1) . فلو تزوّج امرأة ولاط بأخيها أو أبيها أو ابنها ، لم تحرم عليه امرأته ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيقع عليها ابن ابنه قبل أن يطأها الجد ، أو الرجل يزني بالمرأة ، هل يجوز لأبيه أن يتزوجها ؟ قال : «لا ، إنّما ذلك إذا تزوجها فوطئها ثم زنى بها ابنه لم يضره ، لأنّ الحرام لا يفسد الحلال ، وكذلك الجارية» (1) .

   ثانياً : رواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : «إذا فجر الرجل بالمرأة لم تحلّ له ابنتها أبداً ، وإن كان قد تزوج ابنتها قبل ذلك ولم يدخل بها بطل تزويجه ، وإن هو تزوج ابنتها ودخل بها ثم فجر باُمها بعد ما دخل بابنتها فليس يفسد فجوره باُمها نكاح ابنتها إذا هو دخل بها ، وهو قول : لا يفسد الحرام الحلال إذا كان هكذا» (2) .

   وهاتان الروايتان وإن كانتا واضحتي الدلالة بل الثانية صريحة في مدعاه (قدس سره) ، إلاّ أ نّه لا مجال للاعتماد عليهما نظراً لضعف سندهما . فإنّ في طريق الاُولى سهل بن زياد وقد عرفت ما فيه غير مرة ، وفي طريق الثانية محمد بن الفضيل وقد تقدم الكلام فيه قريباً .

   إذن فالروايتان ضعيفتان سنداً وإن عبّر عن الاُولى في بعض الكلمات بالموثقة .

   ومن هنا فالمتعيّن هو اختيار عدم التحريم، لإطلاق قولهم (عليهم السلام): «الحرام لا يفسد الحلال» الشامل للمقام ، حيث إنّ الحلية ثابتة في المقام بأصل العقد إذ لا يعتبر في ثبوتها الدخول ، وعدم ثبوت المقيد له .

   (1) وقد تقدم الكلام فيه مفصلاً في المسألة الحادية والعشرين من الفصل السابق فراجع .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 4 ح 3 .

(2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 8 ح 8 .

ــ[308]ــ

إلاّ أنّ الاحتياط فيه لا يترك((1)) (1) .

   وأمّا إذا كان الزنا سابقاً على التزويج، فإن كان بالعمة أو الخالة يوجب حرمة بنتيهما((2)) (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) وقد عرفت أنّ وجه الاحتياط إنّما هو مرسلة ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل يأتي أخا امرأته ، فقال : «إذا أوقبه فقد حرمت عليه المرأة»(3) . إلاّ أ نّك عرفت أيضاً أ نّها لإرسالها لا يمكن الاعتماد عليها لا  سيما وإنّها لم يعمل بها المشهور كي يدعى انجبار ضعفها بعملهم .

   ومن هنا فلا بأس بترك الاحتياط ، لإطلاق قولهم (عليهم السلام) : «الحرام لا يفسد الحلال» ، حيث لم يثبت له مقيد .

   نعم ، تقدم أيضاً أ نّه لو لاط بأخي زوجته ثم طلقها وبعد ذلك أراد التزوّج منها ثانياً ، فلا يبعد شمول أدلة المنع له ، حيث إنّ أدلة عدم إفساد الحرام للحلال ناظرة إلى الزوجية الثابتة بالفعل والحلية الفعلية ، فلا تشمل الزوجية السابقة والزائلة بالفعل .

   وهذا الحكم لا يختص باللواط بل يجري في ابنة العمّة وابنة الخالة أيضاً ، فإنّه لو زنى بالعمّة أو الخالة في حال كون ابنتهما زوجة له ، ثم طلقهما وبعد ذلك أراد التزوّج منهما ، فإنّ أدلّة المنع تشمله نظراً لاختصاص أدلّة عدم الإفساد بالزوجة بالفعل .

   (2) على ما هو المعروف والمشهور بينهم .

   وتدلّ على الحكم في الخالة صحيحة محمد بن مسلم ، قال : سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) وأنا جالس عن رجل نال من خالته في شبابه ثم ارتدع ، يتزوج ابنتها ؟ قال : «لا» . قلت : إنّه لم يكن أفضى إليها إنّما كان شيء دون شيء ؟ فقال : «لا يصدق ولا كرامة» (4) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا بأس بتركه في غير ما إذا أراد التزويج بها ثانياً .

(2) على الأحوط في بنت العمّة .

(3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 15 ح 2 .

(4) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 10 ح 1 .

ــ[309]ــ

   وخبر أبي أيوب عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : سأله محمد بن مسلم وأنا جالس عن رجل نال من خالته وهو شاب ثم ارتدع ، أيتزوج ابنتها ؟ قال : «لا» . قال : إنّه لم يكن أفضى إليها إنّما كان شيء دون ذلك ؟ قال : «كذب» (1) .

   وقد نسب التوقف في المسألة إلى بعض الأصحاب من جهة المناقشة في متن الروايتين وسنديهما .

   أمّا الأوّل : فبدعوى أنّ تكذيب الإمام (عليه السلام) للفاعل في إخباره مناقشة صغروية ، وهي لا تناسب شأنه (عليه السلام) وغير لائقة بمقامه .

   وأمّا الثاني : فللتنافي بين السندين ، حيث إنّ أبا أيوب يرويها عن محمد بن مسلم في الاُولى ومحمد بن مسلم يقول سأله رجل وأنا جالس ، في حين إنّ أبا أيوب في الثانية يقول إنّ محمد بن مسلم سأل الإمام (عليه السلام) وأنا جالس ، فإنّ مثل هذا التنافي مع كون القضية واحدة جزماً يوجب ضعف الروايتين سنداً .

   إلاّ أنّ هاتين المناقشتين معاً قابلتان للدفع .

   أمّا الاُولى : فلأنّ من الممكن أن تكون المناقشة الصغروية لمصلحة عرفها الإمام (عليه السلام) ، فإنّه حينئذ لا مانع من ذلك وإن لم يكن واجباً عليه (عليه السلام) .

   وأمّا الثانية : فلأنّ مثل هذا الاختلاف لا يضر بصحة الرواية سنداً بعد اتفاق النصين على المضمون ، إذ ليس من المهم بعد وضوح المطلب سؤالاً وجواباً من كان هو السائل ومن كان هو السامع .

   على أنّ الرواية الثانية ضعيفة سنداً وإنْ عبّر عنها في بعض الكلمات بالموثقة فلا  تصلح لمعارضة الاُولى الصحيحة سنداً، وذلك لأنّ الرجال المذكورين في السند وإن كانوا جميعاً ثقات ـ فإن الطاطري ثقة ، ومحمد بن أبي حمزة هو الثمالي الجليل القدر ، ومحمد بن زياد هو محمد بن زياد بن عيسى بياع السابري ابن أبي عمير الثقة ـ إلاّ أنّ طريق الشيخ (قدس سره) إلى علي بن الحسن الطاطري ضعيف بعلي بن الزبير القرشي .

   إذن فينحصر النص بالرواية الاُولى من غير معارض لسندها أو متنها ، ومن هنا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 10 ح 2 .

ــ[310]ــ

وإن كان بغيرهما ففيه خلاف (1) والأحوط التحريم ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيتعيّن العمل بها .

   هذا كلّه بالنسبة إلى الخالة . وأما بالنسبة إلى العمة فلم نعثر على أيّ نص يقتضي حرمة ابنتها إذا زنى ابن أخيها بها ، غير ما نسب إلى السيد المرتضى (قدس سره) في الانتصار من الاستدلال على حرمتها بالإجماع والنصوص (1) إلاّ أ نّنا لم نعثر عليها .

   نعم ، لو قلنا بحرمة بنت مطلق المزني بها ، لشملتها الأخبار الدالة على الحرمة بلا إشكال ، باعتبار كونها مصداقاً لها . إلاّ أ نّه خروج عن محل الكلام ، حيث إنّ الكلام في هذا المقام إنّما هو عن ثبوت الحرمة لبنت العمة في فرض الزنا بالعمة ، من حيث كونه زنا بالعمة وبالنظر إلى هذه الخصوصية ، بحيث لو لم نقل بثبوت الحرمة في فرض الزنا بالأجنبية لقلنا بها في المقام ، ولا يخفى على المتتبع أنّ مثل هذا النص مفقود .

   ومن هنا فإن ثبت قطع بعدم القول بالفصل أو ثبتت أولوية العمة عن الخالة فهو وإلاّ فالقول بالتحريم مشكل لعدم الدليل عليه . نعم ، الاحتياط في محلّه .

   (1) فقد نسب إلى المشهور القول بالحرمة ، في حين إنّه نسب إلى جماعة من الأصحاب ـ بل قيل أ نّه المشهور بين القدماء ـ القول بالعدم . ومنشأ الخلاف اختلاف النصوص الواردة في المقام : فمنها ما دلّ على التحريم ، ومنها ما دلّ على العدم .

   فمن الأوّل صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) أ نّه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة ، أيتزوج بابنتها ؟ قال : «لا» (2) .

   وصحيحة العيص بن القاسم ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) : عن رجل باشر امرأة وقبّل غير أ نّه لم يفض إليها ثم تزوج ابنتها ، فقال : «إن لم يكن أفضى إلى الاُم فلا  بأس ، وإن كان أفضى إليها فلا يتزوج ابنتها» (3) .

   وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل فجر بامرأة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الانتصار : 108 .

(2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 1 .

(3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 2 .

ــ[311]ــ

أيتزوّج اُمّها من الرضاع أو ابنتها ؟ قال : «لا» (1) . بدعوى أنّ السؤال عن خصوص الاُم الرضاعية وابنتها إنّما يكشف عن وضوح الحرمة في جانب الاُم والبنت النسبية لدى السائل ، وإنّما السؤال عن تنزيل الرضاعية منزلتهما .

   ومثلها صحيحته الاُخرى عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : سألته عن رجل فجر بامرأة ، أيتزوج اُمها من الرضاعة أو ابنتها ؟ قال : «لا» (2) .

   والظاهر اتحاد هذين النصّين ، إذ من البعيد جداً أن يسأل محمد بن مسلم قضية واحدة من الإمام (عليه السلام) مرتين بلفظ واحد ويرويها لعلاء مرتين كذلك ، بل الظاهر أنّ الرواية واحدة ، غاية الأمر أنّ العلاء الذي يرويها عن محمد بن مسلم قد رواها مرتين ، فتارة رواها لعلي بن الحكم ، واُخرى رواها لابن محبوب .

   وصحيحة يزيد الكناسي ، قال : إنّ رجلاً من أصحابنا تزوج امرأة قد زعم أ نّه كان يلاعب اُمها ويقبّلها من غير أن يكون أفضى إليها ، قال : فسألت أبا عبدالله (عليه السلام) فقال لي : «كذب ، مره فليفارقها» . قال : فأخبرت الرجل ، فوالله ما دفع ذلك عن نفسه وخلى سبيلها (3) .

   وهذه الرواية قد رواها في الوسائل عن بريد ، إلاّ أنّ الظاهر أنّ الصحيح هو يزيد الكناسي على ما في الكافي (4) . ثم إنّه لا مجال للمناقشة في سند هذه الرواية بأنّ يزيد الكناسي لم يرد فيه توثيق ، وذلك لما ذكرناه في كتابنا (معجم رجال الحديث) من أ نّه هو يزيد أبو خالد القماط الذي وثّقه النجاشي ، فراجع (5).

   وصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل كان بينه وبين امرأة فجور ، هل يتزوج ابنتها ؟ فقال : «إن كان من قبلة أو شبهها فليتزوّج ابنتها وليتزوّجها هي إن شاء» (6) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 7 ح 2 .

(2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 7 ح 1 .

(3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 5 .

(4) الكافي 5 : 416 .

(5) معجم رجال الحديث 21 : 111 .

(6) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 3 .

      وفي الكافي 5 : 416 : «فليتزوج ابنتها إن شاء ، وإن كان جماعاً فلا يتزوّج ابنتها ... » ونحوه في التهذيب 7 : 330 / 1357 .

ــ[312]ــ

   وقد روي هذا النص باختلاف يسير جداً عن منصور بن حازم بطريق صحيح أيضاً (1) .

   وهذه كل الروايات الواردة في المقام والمعتبرة سنداً ، وإلاّ فهناك عدّة روايات اُخر تدل على المنع إلاّ أ نّها لا تخلو من الإشكال السندي ، كمرسلة زرارة ورواية أبي الصباح الكناني .

   وبإزاء هذه النصوص الصحيحة نصوص صحيحة اُخرى دالة على الجواز ، منها :

   صحيحة هاشم (هشام) بن المثنى عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، إنّه سُئل عن الرجل يأتي المرأة حراماً ، أيتزوجها ؟ قال : «نعم ، واُمها وابنتها» (2) .

   ولا يخفى أنّ القاسم بن محمد المذكور في سند هذه الرواية ليس مردداً بين الإصفهاني الضعيف والجوهري الثقة ، وذلك فلأنّ الحسين بن سعيد لم يرو عن الإصفهاني قط ، فمن يروي عن الحسين بن سعيد هو الجوهري لا محالة . ومن هنا فالرواية معتبرة سنداً .

   ثم إنّ المذكور في التهذيب هو القاسم بن حميد، وهو من غلط النسخة جزماً، كما تشهد له نسخة الاستبصار. على أنّ القاسم بن حميد لا وجود له لا في كتب الروايات ولا في كتب الرجال ، فالصحيح هو القاسم بن محمد .

   وصحيحته الاُخرى ، قال : كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) فقال له رجل : رجل فجر بامرأة ، أتحل له ابنتها ؟ قال : «نعم ، إنّ الحرام لا يفسد الحلال» (3) .

   ولا يخفى أنّ ترديد نسخ الكتب في الراوي بين هاشم وهشام لا يضر بصحتها فإنّهما شخص واحد جزماً ، كما تدل عليه رواية الشيخ (قدس سره) في كتابيه لنص واحد ، مع إسناده إلى هاشم في أحدهما وإلى هشام في الآخر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 8 .

(2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 7 .

         وفي هامشه : هاشم «هامش المخطوط» وكذلك التهذيبين .

(3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 10 .

ــ[313]ــ

   وصحيحة سعيد بن يسار ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل فجر بامرأة ، يتزوج ابنتها ؟ قال : «نعم يا سعيد ، إنّ الحرام لا يفسد الحلال» (1) .

   وصحيحة حنان بن سدير ، قال : كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) إذ سأله سعيد عن رجل تزوج امرأة سفاحاً ، هل تحلّ له ابنتها ؟ قال : «نعم ، إنّ الحرام لا يحرم الحلال» (2) .

   وصحيحة صفوان ، قال : سأله المرزبان عن رجل يفجر بالمرأة وهي جارية قوم آخرين ثم اشترى ابنتها ، أيحل له ذلك ؟ قال : «لا يحرم الحرام الحلال» . ورجل فجر بامرأة حراماً ، أيتزوج بابنتها ؟ قال : «لا يحرم الحرام الحلال» (3) .

   وفي مقام حل مشكلة التعارض بين هاتين الطائفتين ، ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) : أنّ روايات الجواز قاصرة عن معارضة نصوص الحرمة سنداً وعدداً وعاملاً ودلالة ، لاحتمال إرادة مقدمات الوطء من الفجور الوارد في أدلة الجواز ، أو حمله على الزنا بعد التزويج ، أو حمل نصوص الجواز على التقية وهو أحسن المحامل (4) .

   إلاّ أنّ ما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه . أما من حيث السند فما أفاده (قدس سره) عجيب ، فإنّ رواة الطائفتين معاً ثقات وممدوحون ، فلا مجال لترجيح إحداهما على الاُخرى .

   وأما من حيث العدد فإنّ عدد الروايات الصحيحة من الطائفتين متساو بتمام معنى الكلمة ، إذ أن عدد الروايات الصحيحة الدالة على المنع كعدد الروايات الصحيحة الدالة على الجواز خمسة لا غير . نعم ، لو نظرنا إلى مجموع النصوص الواردة في المنع بالقياس إلى مجموع النصوص الواردة في الجواز ، أو اقتصرنا على خصوص الصحاح منهما ولكن قلنا باتحاد روايتي هشام بن المثنى الدالتين على الجواز ، كان عدد رواية المنع أكثر من عدد روايات الجواز ، إلاّ أنّ الفارق بينهما ليس إلى حد يوجب طرح

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 6 .

(2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 11 .

(3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 12 .

(4) الجواهر 29 : 372 .

ــ[314]ــ

روايات الجواز ، إذ لا يصدق مع الفارق البسيط عنوان الشاذ على نصوص الجواز . هذا كلّه بالنظر إلى عدد الروايات نفسها ، وأما بالنظر إلى عدد الرواة فالأمر كذلك أيضاً ، فإنّ عدد كل من رواة الطائفتين هو أربعة فقط . وعليه فلا مجال للترجيح من هذه الجهة .

   وأما من حيث العامل فلا مجال للترجيح به أيضاً ، لما عرفت غير مرة أنّ كثرة العامل أو عمل المشهور لا توجب وهن الرواية الصحيحة ورفع اليد عنها . على أنّ العامل بروايات الجواز ليس بقليل ، فقد عمل بها جملة من الأصحاب ، بل أفتى بمضمونها المشهور من القدماء ، بل ادعى السيد (قدس سره) في الناصريات الإجماع عليه (1) .

   وأما من حيث الدلالة ، فأما حمله للفجور على ما دون الجماع فهو خلاف الظاهر جزماً ، ولا مجال للمصير إليه ولا سيما وإنّ المذكور في بعضها هو الإتيان والتزوّج سفاحاً ، ومن الواضح أ نّه لا مجال لحملهما على مقدمات الجماع .

   وأما حمله على التقية فهو أبعد الكل وإن ذكر (قدس سره) أ نّه أقرب المحامل، وذلك فلأن المسألة كما هي خلافية بيننا فهي خلافية بينهم أيضاً ، فقد ذهب أكثرهم إلى المنع في حين اختار جماعة منهم الجواز ، ومعه فلا مجال للحمل على التقية . على أنّ الحمل على التقية في مقام الترجيح إنّما هو في مرحلة متأخرة عن العرض على الكتاب الكريم ، فإنّه إنّما يصار إليه بعد موافقة الطائفتين المتعارضتين أو مخالفتهما للكتاب ، وإلاّ فالترجيح للموافق منهما له . ومن هنا فحيث أنّ نصوص الجواز موافقة لقوله تعالى : (وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَراءَ ذلِكُمْ) فالترجيح لها ، ولا مجال للحمل على التقية .

   ثم إنّ بعضهم قد حاول الجمع بين الأخبار بحمل أدلة المنع على الكراهة ، نظير ما  يقال في كل مورد ورد فيه منع ودلّ الدليل على جوازه .

   إلاّ أ نّه لا يمكن المساعدة عليه أيضاً ، وذلك :

   أوّلاً : لما تقدم منّا غير مرة من أنّ الجمع العرفي إنّما يكون في مورد لو فرض فيه اتصال الكلامين لكان أحدهما قرينة على الآخر ، وحيث أنّ هذا غير متصوّر فيما نحن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية) : 245 .

ــ[315]ــ

بل لعلّه لا يخلو عن قوّة((1)) (1) .
ـــــــــــــــــــ

فيه فلا مجال للجمع بينهما ، فإنّ «لا» المذكورة في أدلّة المنع لا تجتمع مع «نعم» المذكورة في أدلّة الجواز في كلام واحد ، فإنّهما متهافتان بتمام معنى الكلمة .

   وثانياً : إنّ بعض روايات المنع قد تضمنت تعابير تأبى عن الحمل على الكراهة نظير ما ورد في معتبرة يزيد الكناسي من الأمر بمفارقتها ، فإنّ ظاهره أ نّها ليست بزوجته وإنّ نكاحهما باطل ، ومن الواضح أ نّه لو كان الزواج مكروهاً لم يكن لمفارقتها بهذا المعنى وجه .

   وثالثاً : إنّ الجمع العرفي بالحمل على الكراهة إنّما يتصوّر في الأحكام التكليفية وأما الأحكام الوضعية ـ كنفوذ العقد وعدمه ـ فلا مجال فيها للحمل على الكراهة فإنّ العقد إما هو نافذ أو لا .

   وبالجملة : فالمتحصل مما تقدم أنّ الأخبار الواردة في المقام متعارضة بتمام معنى الكلمة ، وأنّ المحامل التي ذكرت للجمع بينها لا تخلو من مناقشة .

   إذن فلا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه قواعد الترجيح ، وقد عرفت في طيات البحث أنّ مقتضاها ترجيح نصوص الجواز نظراً لموافقتها للكتاب . ومع التنزل عن ذلك فمقتضى القواعد هو التساقط ، ويكون المرجع حينئذ هو عمومات الحل إذ لم يثبت لها مخصص .

   (1) وقد عرفت ما فيها من الإشكال .
ـــــــــــــــ

(1) في القوّة إشكال بل منع .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net