عدم حرمة الوطء الطارئ شبهة وحرمته إن كان سابقاً على التزويج 

الكتاب : المباني في شرح العروة الوثقى- الجزء الثاني:النكاح   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 5752


   وكذا الكلام في الوطء بالشبهة ، فإنّه إن كان طارئاً لا يوجب الحرمة (2) وإن كان سابقاً على التزويج أوجبها ((2)) (3) .

ــــــــــــــــــــــــــــــ
   (2) لعدم الدليل عليها ، بعد أن كان دليل الإمضاء مقتضياً لثبوت ما أنشأه المنشئ وعدم ارتفاعه إلاّ برافع .

   (3) وهو مختار المشهور . واستدل عليه :

   تارة بالأولوية ، ببيان أنّ الزنا المحرم إذا كان موجباً لثبوت الحرمة ، فالوطء الحلال

ـــــــــــــ
(2) فيه إشكال بل منع .

ــ[316]ــ

موجب لثبوتها بطريق أولى .

   واُخرى بالاستقراء ، بدعوى أنّ المتتبّع لكلام الأصحاب ومسائل الفقه يجد ثبوت جميع الأحكام المترتبة على النكاح الصحيح ـ من لزوم المهر والعدّة ولحوق الولد ـ للوطء بالشبهة ، ومن هنا فإذا كان الوطء الصحيح موجباً لحرمة البنت ، كان الوطء شبهة موجباً لها أيضاً .

   وثالثة بمفهوم قولهم (عليهم السلام) : «الحرام لا يحرم الحلال» بتقريب أنّ مقتضاه هو أنّ الحلال يحرم الحلال ، وحيث إنّ الوطء شبهة من مصاديق الحلال يكون محرماً لا  محالة .

   إلاّ أنّ في جميع هذه الوجوه نظراً .

   أمّا الأول : فلأن اثباتها في غير العمة والخالة يتوقف على القول بالتحريم عند الزنا بهنّ ، وأما على المختار من عدم ثبوت الحرمة فلا مجال للقول بالأولوية . على أنّ المناقشة في أصل الأولوية واضحة ، فإنّ من القريب جداً أن يكون التحريم حكماً تأديبياً للفاعل وعقوبة له على فعله الشنيع ، وحيث لا وجه للعقوبة في وطء الشبهة فلا مجال لقياسه حتى بالأولوية على الزنا .

   وأمّا الثاني : فلعدم الدليل على إلحاق الوطء شبهة بالنكاح الصحيح . نعم ، ورد الدليل على إثبات جملة من آثار النكاح الصحيح ـ كالعدّة والمهر ولحوق الولد ـ للوطء شبهة ، وأما جميع الآثار فلم يدل دليل عليه ، بل ثبت العكس من ذلك ، فإنّه لا  يجوز النظر إلى اُم الموطوءة شبهة والحال أ نّه من أظهر آثار النكاح الصحيح .

   وأمّا الثالث : ففيه :

   أوّلاً : إنّ الوطء شبهة لا يلزم أن يكون حلالاً دائماً ، بل قد يكون حلالاً وقد يكون حراماً ، فإنّ الواطئ شبهة إنّما يعذر فيما إذا كان جهله غير ناشئ عن تقصير وأما إذا كان عن تقصير ففعله حرام وهو معاقب عليه . بل القاصر نفسه لا يكون فعله حلالاً دائماً ، فإنّه إن كان قاطعاً بحلّية المرأة من غير شكّ كان فعله حلالاً ظاهراً وواقعاً ، لأ نّه كالغافل والناسي لا يكلف بشيء . وأما إذا لم يكن الأمر كذلك ، كما لو استند فعله إلى دعواها عدم وجود الزوج لها ، ففعله وإن كان حلالاً ظاهراً إلاّ أ نّه حرام واقعاً .

ــ[317]ــ

   وثانياً : إنّ مفهوم هذه القضية ليس هو أنّ كل حلال يحرم الحلال كي ينفعنا في المقام ، فإنّ هذه القضية ليست بشرطية ، والوصف لا مفهوم له ; غاية الأمر أ نّه يدل على عدم ثبوت الحكم الطبيعي وإلاّ لكان ذكره لغواً ، وهذا يكفي فيه ثبوت التحريم لبعض أفراد الحلال فإنّه يرفع اللغوية .

   والحاصل أنّ غاية ما يقتضيه هذا الوصف من المفهوم هو أنّ بعض الحلال يحرم ومن الواضح أنّ ذلك لا يقتضي إثبات الحرمة في المقام .

   ثم إنّ الظاهر من كلام الماتن (قدس سره) أنّ زنا الأب بامرأة لا يوجب تحريمها على ابنه ، وكذا العكس ، حتى ولو كان الزنا سابقاً على العقد .

   والوجه في هذا الظهور أ نّه (قدس سره) قد تعرّض في صدر كلامه إلى الزنا الطارئ على العقد ، فذكر أنّ زنا الأب بامرأة الابن لا يوجب تحريمها عليه ، وكذا العكس . ثم تعرض للزنا بالعمة والخالة السابق على العقد على ابنتيهما ، واختار فيه التحريم أيضاً . ثم ذكر في آخر كلامه الوطء شبهة ، فذكر أ نّه إن كان طارئاً لا يوجب التحريم ، وإن كان سابقاً أوجبها ، من دون أن يتعرّض لزنا الأب أو الابن بالأجنبية وأ نّه هل يقتضي تحريمها على الآخر أم لا  ؟

   فيظهر من ذلك أ نّه (قدس سره) لم يَرَ ثبوت الحرمة في الزنا السابق على العقد ، فلا تحرم موطوءة الأب بالزنا على الابن ، كما لا تحرم موطوءة الابن كذلك على الأب . وهذا هو الصحيح إذ لا موجب للقول بالحرمة ، لا سيما بعد دلالة جملة من النصوص المعتبرة على أنّ «الحرام لا يحرم الحلال» ، فإنّ مقتضاها أنّ حلّية التزوّج بالمرأة الثابتة لكل من الأب والابن قبل صدور الفعل الشنيع من الآخر لا ترتفع بصدور الفعل من الآخر .

   نعم ، قد وردت في المقام روايتان تدلاّن على الحرمة صريحاً ، هما :

   1 ـ صحيحة أبي بصير ، قال : سألته عن الرجل يفجر بالمرأة ، أتحلّ لابنه ؟ أو يفجر بها الابن، أتحل لأبيه ؟ قال : «لا ، إن كان الأب أو الابن مسها واحد منهما فلا تحلّ» (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 9 ح 1 .

ــ[318]ــ

   2 ـ صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل زنى بامرأة ، هل يحل لابنه أن يتزوجها ؟ قال : «لا» (1) .

   وهاتان الروايتان معتبرتان سنداً وواضحتان دلالة، فلو كنّا نحن وهاتين الروايتين لكان اللاّزم تخصيص عموم: «الحرام لا يحرم الحلال» بهما، حيث دلّتا على تحريم الحرام للحلال في هذا المورد .

   إلاّ أنّهما مبتلاتان بالمعارض ، إذ يعارضهما صحيح زرارة ، قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : «إن زنا رجل بامرأة أبيه أو بجارية أبيه، فإنّ ذلك لا يحرمها على زوجها، ولا يحرم الجارية على سيدها. إنّما يحرم ذلك منه إذا أتى الجارية وهي له حلال، فلا تحلّ تلك الجارية لابنه ولا لأبيه»(2).

   ومحل الشاهد منها هو الذيل ، فإنّ مقتضى الحصر المذكور فيه بـ «إنّما» هو عدم ثبوت الحرمة في غير الإتيان حلالاً أبداً ، ومن هنا تكون معارضة للصحيحتين السابقتين .

   إذن فلا بدّ من الرجوع إلى المرجحات ، وقد عرفت في الفرع السابق أنّ أوّل المرجحات هو موافقة الكتاب العزيز ، وحيث إنّ صحيحة زرارة المقتضية لعدم الحرمة في المقام هي الموافقة للكتاب وللسنة أيضاً لما تقدم من أنّ «الحرام لا  يحرم الحلال» كان الترجيح لها لا محالة ، وعليه فتكون النتيجة هو اختيار عدم الحرمة في زنا الأب أو الابن بامرأة بالنسبة إلى الآخر .

   نعم ، قد يستدلّ للتحريم بالنسبة إلى موطوءة الأب خاصة بقوله تعالى : (وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُم) بدعوى أنّ النكاح اسم للوطء ، ومن هنا فتكون هذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى : (وَأُحلَّ لَكُم مَا وَراءَ ذلكُمْ) وبذلك فيكون الترجيح لأدلة المنع بالنظر إلى أ نّها الموافقة للكتاب العزيز .

   إلاّ أ نّه لا يسلم من المناقشة ، وذلك فلأنّ كلمة النكاح ومشتقاتها قد وردت في الكتاب العزيز فيما يزيد عن عشرين مورداً ، وهي مستعملة في جميع تلك الموارد في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 9 ح 2 .

(2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 4 ح 1 .

ــ[319]ــ

التزويج .

   كقوله تعالى : (وَأَنكِحُوا الأَيامى مِنكُم وَالصَّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائكُمْ) (1) .

   وقوله تعالى : (فانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِن النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) (2) .

   وقوله تعالى : (وَلاَ تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤمِنَّ) (3) .

   وقوله تعالى : (وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذا آ تَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) (4) .

   وقوله تعالى : (وَلاَ تُنكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤمِنُوا) (5) . إلى غير ذلك من الآيات الكريمة .

   نعم ، هي مستعملة في مورد واحد في الوطء هو قوله تعالى : (الزَّاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشرِكَةً وَالزَّانيَةُ لاَ يَنكِحُها إِلاَّ زان أَوْ مُشْرِكٌ) (6) وذلك على ما اختاره في محلّه ، وإلاّ فقد ذهب المشهور إلى أ نّها مستعملة في التزويج أيضاً .

   ومن هنا فحمل النكاح في المقـام على الوطء من غير قرينة خلاف الظاهر جدّاً بل الظاهر منه ولا سيما بملاحظة استعمالاته في سائر الموارد هو التزويج .

   نعم ، لا يبعد دعوى اشتراك هذه الكلمة لفظاً بين التزويج والوطء ، وعلى هذا فتحتاج معرفة المراد بها في كل مورد إلى القرينة وإن كان الغالب استعمالها في التزويج . وأما احتمال كونها مشتركة معنوية بينهما ـ  بمعنى كونها موضوعة للجامع بينهما  ـ فهو بعيد جداً، إذ لا جامع حقيقي بين الأمر الاعتباري والأمر الحقيقي، والجامع الانتزاعي وإن كان ممكناً في حدّ ذاته وثابتاً في متعلقات الأوامر ، إلاّ أ نّه لا  دليل عليه في باب الوضع بل لم يعهد ذلك في شيء من موارده .

   ثم هل إنّ حكم الوطء شبهة حكم الزنا ، فلو وطئ الأب امرأة شبهة ثم أراد الابن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النور 24 : 32 .

(2) سورة النساء 4 : 3 .

(3) سورة البقرة 2 : 221 .

(4) سورة الممتحنة 60 : 10 .

(5) سورة البقرة 2 : 221 .

(6) سورة النور 24 : 3 .

ــ[320]ــ

   [ 3765 ] مسألة 29 : إذا زنى بمملوكة أبيه ، فإن كان قبل أن يطأها الأب

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التزوّج منها ، أو بالعكس ، فهل يلتزم بالتحريم أم لا ؟

   نسب إلى جماعة القول بالحرمة. واستدلوا عليها بما تقدّم من الاستقراء، والأولوية ومفهوم قولهم (عليهم السلام) : «الحرام لا يحرم الحلال» وقوله تعالى : (وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُم) . وقد عرفت المناقشة فيها جميعاً .

   نعم ، قد يتمسك لإثباتها بذيل صحيحة زرارة المتقدمة ، حيث ورد فيها : «إنّما يحرم ذلك منه إذا أتى الجارية وهي له حلال» ببيان أنّ الوطء إذا كان حلالاً اقتضى ذلك حرمة الجارية على الابن .

   وفيه : ما قد عرفت من أ نّه ليس كل وطء شبهة حلالاً ، فإنّه قد يكون حراماً ومعاقباً عليه .

   على أنّ الرواية إنّما تضمنت إثبات الحرمة فيما إذا كانت المرأة له حلالاً وهو أجنبي عن كون الوطء حلالاً ، فإنّ البون بينهما بعيد ، فإنّ معنى حلية المرأة هو انفتاح الطريق وعدم انسداده وهو المعبّر عنه بالحلّية الأصلية ، في مقابل الحلّية العارضية فإنّها قد تتحقق حتى مع كون المرأة أجنبية ، نظير ما تقدم في لباس المصلي حيث يشترط فيه أن لا يكون من أجزاء محرّم الأكل ، إذ قلنا أنّ المراد من الحلية والحرمة ما ثبتت بالأصل دون العارض ، فلا يضرّ الصلاة في ثوب من أجزاء ما حرّم أكله لوقف وما شابهه ، كما لا تصحّ الصلاة في أجزاء ما حلّ أكله لاضطرار وما شاكله .

   ومن هنا فالنص لا يشمل المقام ، باعتبار أنّ حلية الوطء إنّما ثبتت في المقام لعارض ، وإلاّ فالمرأة أجنبية وهي محرمة عليه ولا يجوز له وطؤها . وعلى هذا فحيث لا دليل على حرمة موطوءة الأب شبهة على الابن أو العكس ، فلا محيص عن الالتزام بالجواز .

   ولو تمّ الاستدلال بصحيحة زرارة في المقام ، لكان اللاّزم القول بثبوت التحريم حتى ولو كان الوطء متأخراً عن الدخول أيضاً ، والحال أ نّه مما لا قائل به على الإطلاق .

 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net