بيع ما يُملك مع ما لا يُملك 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الثاني : البيع-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2592


الكلام في بيع ما يُملك وما لا يُملك

ذهب المشهور إلى صحّة بيع ما يملك وما لا يملك وأنّ الثمن يتقسّط بينهما فيكون بالاضافة إلى ما يملك صحيحاً وبالاضافة إلى ما لا يملك باطلا ، وهذا الذي ذهبوا إليه هو الذي تقتضيه القواعد والعمومات نحو (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وذلك لما أشرنا إليه سابقاً من أنّ الانشاء وإن كان واحداً إلاّ أنّ البيع متعدّد ، وتقابل المجموع بالمجموع يقتضي تقابل البعض بالبعض فيتقسّط الثمن عليهما ويحكم بالصحة فيما قابل ما يملك وبالفساد فيما قابل ما لا يملك ، هذا .

وقد استدلّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) على صحة البيع في المقام بصحيحة الصفّار(2) المتقدّمة حيث قال (عليه السلام) فيها يجوز البيع فيما يملك ولا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 531 .

(2) الوسائل 17 : 339 / أبواب عقد البيع وشروطه ب2 (نقل بالمضمون) .

ــ[132]ــ

يجوز فيما لا يملك ، ومورد هذه الرواية وإن كان هو بيع ماله ومال غيره كما تقدّم سابقاً وهو أمر آخر غير بيع ما يُملك وما لا يُملك ، إلاّ أنّ قوله (عليه السلام) يجوز فيما يملك ولا يجوز فيما لا يملك يقتضي صحة تقسيم الانشاء الواحد إلى أمرين ، ويتعدّى منه إلى المقام بتنقيح المناط ، وكيف كان فالبيع بالاضافة إلى ما يُملك صحيح ، هذا .

وربما يستشكل في صحّة البيع في المقام بوجوه .

الأول : أنّ البيع الواحد لا يقبل الصحة والفساد وكيف يحكم عليه بهما مع أنه إنشاء واحد وبيع فارد ، فإمّا أن يحكم بالصحة في الجميع ، وإمّا أن يحكم بالفساد كذلك ، وبما أنّ البيع في المقام غير محكوم بالصحة في الجميع فلا محالة يحكم بالفساد مطلقاً .

وهذا الوجه يندفع بما أشرنا إليه آنفاً من أنّ البيع متعدّد وإنّما الانشاء واحد إذ يصدق أن يقال إنّه باع الشاة وأنه باع الخنزير ، ولا مانع من أن نحكم بالصحة في بعضها وبالفساد في بعضها الآخر .

الثاني : أنّ المتبايعين إنّما قصدا المجموع في مقابل المجموع دون بعضها في مقابل بعض الثمن ، فلا محالة يكون البيع بالاضافة إلى البعض باطلا .

والجواب عن ذلك : يظهر ممّا ذكرناه آنفاً من أنّ البيع متعدّد وأنه قصد بيع كل واحد من الشاة والخنزير ، غاية الأمر اشترط الانضمام فهو قاصد لبيع كل واحد منهما بشرط انضمامه إلى الآخر لا أنه غير قاصد إليه ، وعليه فيكون الحكم بالصحة في بعضها موجباً لتخلّف شرط الانضمام لا أنه حكم بالصحة فيما لم يقصده المتبايعان .

الثالث : أنّ الحكم بالصحة في مقابل الشاة يستلزم الجهالة بمقدار الثمن والجهالة توجب فساد المعاملة ، وذلك لأنه لا يعلم أنّ الواقع بازاء الشاة أيّ مقدار

ــ[133]ــ

من مجموع قيمتي المجموع ، وهذا الوجه حكي عن الشافعي(1) ولأجله خصّوا الحكم بالصحة بصورة جهل المشتري بأنّ أحدهما ممّا لا يُملك .

والجواب عن ذلك : أمّا الغرر فهو مفقود في المقام لعدم كون إقدامه على بيعهما خطريّاً إذ على تقدير عدم قابليته للملكية يتقسّط الثمن بينهما ، والجهالة إنّما اشترط عدمها في البيع بالاجماع ولا دليل عليه غيره ، والعلم بمقدار الثمن وعدم الجهالة إنّما يشترط بالاضافة إلى المجموع لا إلى كل واحد واحد من أجزاء المبيع بمعنى أنّ اللازم في صحة المعاملة هو العلم بأنّ مجموع المبيع في مقابل كذا مقدار من الثمن والجهل بذلك يوجب فساد البيع لا الجهالة بثمن بعض أجزاء المبيع . والاجماع إنّما هو على فساد البيع فيما إذا كان ثمن المجموع مجهولا ولم يقم إجماع على بطلانه لجهالة ثمن بعض أجزاء المبيع كيف وقد ذهب المشهور إلى صحّة البيع في المقام مع أنّ الثمن الواقع في مقابل بعض الأجزاء مجهول .

وإن شئت قلت : إنّ المعتبر في صحة المعاملات إنّما هو العلم بمقدار الثمن في مقام البيع والمعاملة لا من حيث إمضاء الشارع وعدمه ، ومقدار الثمن في مقام البيع غير مجهول في المقام ، وإنّما يتّصف بالجهالة عند التقسيط وحكم الشارع بالصحة في الشاة والفساد في الخنزير ولا دليل على بطلان المعاملة بتلك الجهالة ، والاجماع إنّما هو على اعتبار العلم في مقام البيع دون الامضاء ، وقد عرفت أنّ المشهور بل الاجماع على صحّة البيع في المقام فلا تغفل ، وكيف كان فلا ينبغي الإشكال في صحة البيع بالاضافة إلى ما يُملك بوجه .

نعم ، بقي في المقام شيء : وهو أنّا إذا بنينا على أنّ الشرط الفاسد مفسد للمشروط أيضاً من أجل أنّ الواقع من المعاملة إنّما هو الالتزام المقيّد بالشرط

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المجموع 9 : 381 ، العزيز شرح الوجيز 4 : 140 .

ــ[134]ــ

الفاسد الذي ألغاه الشارع وحكم بفساده ، وهذا المقيّد لم يرض به الشارع ولم تشمله العمومات ، وأمّا المعاملة المجرّدة عن ذلك الشرط فهي لم تقع في الخارج حتّى تشملها العمومات ، فلا محالة تكون المعاملة المشروطة بالشرط الفاسد فاسدة نتعدّى من ذلك إلى فساد الجزء أيضاً ونقول إنّ الجزء الفاسد أيضاً يفسد المعاملة لأنّ مرجع فساد الجزء في المقام إلى فساد الشرط حيث إنه اشترط الانضمام بالجزء الفاسد فيكون موجباً لفساد البيع لا محالة ، نعم لو كان هناك دليل على أنّ الشرط الفاسد مفسد غير ما أشرنا إليه فلا محالة نقتصر على فساد الشرط دون الجزء ، إلاّ أنّ البرهان المتقدّم آت في الجزء أيضاً .

والذي يسهّل الخطب أنّا لا نقول بافساد الشرط الفاسد لما سيجيء في محلّه إن شاء الله تعالى ، وعلى ما ذكرناه لا يبقى لما أفاده شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1)من الفرق بين فساد الجزء وفساد الشرط في المقام وجه .

وأمّا كيفية تقسيط الثمن فهي كما تقدّمت الاشارة إليه أن يقوّم كل واحد من المالين بلحاظ الانضمام إلى الآخر ثمّ يجمع بين القيمتين ويؤخذ من الثمن بنسبة قيمة كل واحد من المالين بلحاظ الانضمام إلى قيمة المجموع وهي مجموع القيمتين ، هذا كلّه فيما إذا كان كل واحد ممّا يُملك وما لا يُملك ممّا له مالية عند العرف لا محالة كما في الشاة والخنزير والخلّ والخمر .

وأمّا إذا كان عدم قابلية أحدهما للملكية مستنداً إلى عدم ماليته كما إذا باع الشاة والخنفساء التي لا مالية لها عرفاً ، فالظاهر أنّ المعاملة في مثل ذلك باطلة لأجل الجهل بمقدار ثمن الشاة حين المعاملة ، وذلك لأنه لا مالية عرفية للخنفساء حتّى يقال إنّ الخنفساء تقوّم في حالة الانضمام للشاة ويؤخذ بنسبتها إلى مجموع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منية الطالب 2 : 219 .

ــ[135]ــ

القيمتين عند التقسيط ، إذ المفروض أنه لا مالية للخنفساء عرفاً ، والقيمة الشخصية التي لاحظها المشتري حين المعاملة لا تصحّح المعاملة ، لأنّ المدار إنّما هو على ملاحظة قيمة كل من الجزأين عرفاً والأخذ بنسبتها إلى مجموع القيمتين ، ولا اعتبار بالقيمة الشخصية وبما اشترى به المشتري ، وهذا بخلاف بيع الشاة والخنزير حيث إنّ للخنزير مالية عند العرف فتلاحظ قيمتها حال الانضمام ويؤخذ من الثمن بنسبة قيمته إلى مجموع القيمتين ، هذا كلّه فيما إذا اشترى المشتري وباع البائع كل واحد من الشاة والخنزير بما أنه شاة وخنزير .

وأمّا إذا باعهما أو اشتراهما بما هما شاتان ثمّ ظهر أحدهما شاة والآخر خنزيراً فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ الخنزير يقوّم بما أنه شاة لا بما أنه خنزير فيقال بأنّ الشاة بمقدار الخنزير وبلونه وسمنه تسوى كذا مقداراً حين الانضمام إلى الشاة الاُولى ويؤخذ من الثمن بتلك النسبة .

وأورد عليه شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(2) بأنّ البيع إنّما وقع على الأمر الواقعي وعلى العين الخارجية وهي الخنزير ولم يقع على الشاة ، إذ المفروض أنّ الموجود هو الخنزير فلابدّ من تقويم الخنزير بما هو خنزير لا بما هو شاة .

ولا يخفى أنّ البيع لو كان واقعاً عليه لكان لما أفاده وجه ، ولكن المفروض أنّا ندّعي عدم وقوع البيع عليه لفساده فلم يقع البيع على الموجود الخارجي حتّى يقال إنه خنزير لا أنه شاة ، وإنّما الغرض تعيين قيمة الشاة التي وقع عليها البيع واقعاً وعليه فلا وجه لتقويم الخنزير بما أنه خنزير لأنه لم يشتر الخنزير حسب الفرض وإنّما اشترى الشاة . وبالجملة أنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) هو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 3 : 534 .

(2) منية الطالب 2 : 224 .

ــ[136]ــ

الصحيح  .

فالمتحصّل : أنّ البيع بالاضافة إلى ما يُملك صحيح ويتقسّط الثمن بينهما كما عرفت .

وأمّا ما عن الشهيدين(1) والعلاّمة (قدّس سرّه)(2) من أنّ الثمن بأجمعه يقع في مقابل ما يُملك ولا يتقسّط بينهما في صورة علم المشتري بالمال فلم نعرف له وجهاً لأنّه اشتراهما معاً وإنّما بذل الثمن في مقابلهما لا في مقابل أحدهما .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حكى عن الشهيد الأول في مفتاح الكرامة 4:209، 210، وانظر المسالك 3:163 ـ 164 .

(2) التذكرة 12 : 11 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net