4 ـ العدالة 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3928


    4 ـ العدالة :

   (1) اشتراط العدالة كاشتراط البلوغ والايمان لا يكاد يستفاد من شيء من السيرة والأدلة اللفظية المتقدمتين ، وذلك لأن مقتضى إطلاق الآية والأخبار عدم الفرق في حجية إنذار الفقيه أو قول العالم أو رأي العارف بالأحكام بين عدالته وفسقه ، كما أن السيرة الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم غير مقيدة بما إذا كان العالم عادلاً بوجه .

   نعم ، مقتضى السيرة وغيرها من الأدلة القائمة على حجية الخبر الواحد إشتراط الوثاقة في المقلّد وذلك حتى يجوز الاعتماد على إخباره عن رأيه ونظره ، ولا يشترط فيه زائداً على الوثوق شيء .

   نعم ، قد يستدل على اعتبار العدالة بالاجماع . وفيه : أنه ليس من الاجماع التعبدي في شيء ، ولا يمكن أن يستكشف به قول الإمام (عليه السّلام) لاحتمال استنادهم في ذلك إلى أمر آخر كما ستعرف .

ــ[184]ــ

   وقد يستدل عليه برواية الاحتجاج المروية عن التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السّلام) حيث ورد فيها : «فأما من كان الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه مخالفاً على هواه ، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه ...» (1) .

   ويدفعه أوّلاً : أن الرواية ضعيفة السند ، لأن التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السّلام) لم يثبت بطريق قابل للاعتماد عليه فإن في طريقه جملة من المجاهيل كمحمّد بن القاسم الاسترابادي ، ويوسف بن محمد بن زياد ، وعلي بن محمد بن سيار فليلاحظ هذا إذا اُريد بالتفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السّلام) هو الّذي ذكره الصدوق (قدّس سرّه) باسناده عن محمد بن القاسم الاسترابادي ، والظاهر أنه مجلّد واحد كما لا يخفى على من لاحظ التفسير الموجود بأيدينا اليوم . وأما لو اُريد به هو الّذي ذكره محمّد بن علي بن شهرآشوب على ما نقله في المستدرك فالسند إليه صحيح لأنه ذكر الحسن بن الخالد البرقي أخو محمد بن خالد من كتبه تفسير العسكري من إملاء الإمام (عليه السّلام) والحسن بن خالد ممن وثقه النجاشي (2) وللمشايخ إليه طرق صحيحة إلاّ أن الظاهر أنه غير التفسير الّذي ذكره الصدوق باسناده عن محمد بن القاسم الاسترابادي ، لأنه نقل أن التفسير الّذي عدّ من كتب البرقي مائة وعشرون مجلداً ، وهذا لم يصل إلينا أبداً وإنما الموجود بأيدينا مجلّد واحد يتطابق لما نقله الصدوق (قدّس سرّه) .

   وثانياً : أن الرواية إنما وردت لبيان ما هو الفارق بين عوامنا وعوام اليهود في تقليدهم علمائهم ، نظراً إلى أن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح وأكل الحرام والرشاء وتغيير الأحكام ، والتفتوا إلى أن من فعل ذلك فهو فاسق لا يجوز أن يصدق على الله ، ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله ، ومع هذا قلّدوا علماءهم واتبعوا آراءهم ، فلذلك ذمهم الله سبحانه بقوله عزّ من قائل : (فويل للّذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند الله ) حيث فسّر في نفس الرواية بقوم من اليهود . ثمّ بيّن (عليه السّلام) أن عوامنا أيضاً كذلك إذا عرفوا من علمائهم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27 : 131 / أبواب صفات القاضي ب 10 ح 20 .

(2) رجال النجاشي : 61 / 139 .

ــ[185]ــ

الفسق الظاهر والعصبية الشديدة والتكالب على الدنيا وحرامها ، فمن قلّد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الّذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة علمائهم فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه إلى أن قال وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلهم .

   وحاصل كلامه (عليه السّلام) لو صحت الرواية : أن التقليد إنما يجوز ممن هو مورد الوثوق ومأمون عن الخيانة والكذب والاعتماد على قوله واتباع آرائه غير مذموم عند العقلاء وذلك كما إذا لم يعلموا منه الكذب الصراح وأكل الحرام . وهذا كما ترى لا دلالة له على اعتبار العدالة في المقلّد ، لأن الوثاقة كافية في صحة الاعتماد على قوله فإن بالوثوق يكون الرجوع إليه صحيحاً عند العقلاء ، وعلى الجملة أن الرواية لا دلالة لها على اعتبار العدالة في المقلّد .

   على أ نّا لو سلمنا دلالة الرواية على اعتبار العدالة في المفتي بحسب الحدوث فلا دلالة لها على اعتبارها فيه بقاءً ، كما إذا قلّده حال عدالته ثمّ طرأ عليه الفسق والانحراف ، هذا .

   إلاّ أن مقتضى دقيق النظر اعتبار العقل والايمان والعدالة في المقلّد بحسب الحدوث والبقاء ، والوجه في ذلك أن المرتكز في أذهان المتشرعة الواصل ذلك إليهم يداً بيد عدم رضى الشارع بزعامة من لا عقل له أو لا ايمان أو لا عدالة له ، بل لا يرضى بزعامة كل من له منقصة مسقطة له عن المكانة والوقار ، لأن المرجعية في التقليد من أعظم المناصب الإلهية بعد الولاية ، وكيف يرضى الشارع الحكيم أن يتصدى لمثلها من لا قيمة له لدى العقلاء والشيعة المراجعين إليه ، وهل يحتمل أن يرجعهم إلى رجل يرقص في المقاهي والأسواق أو يضرب بالطنبور في المجامع والمعاهد ويرتكب ما يرتكبه من الأفعال المنكرة والقبائح ، أو من لا يتديّن بدين الأئمة الكرام ويذهب إلى مذاهب باطلة عند الشيعة المراجعين إليه . فإن المستفاد من مذاق الشرع الأنور عدم رضى الشارع بامامة من هو كذلك في الجماعة ، حيث اشترط في إمام الجماعة العدالة فما ظنّك بالزعامة العظمى الّتي هي من أعظم المناصب بعد الولاية .

   إذن احتمال جواز الرجوع إلى غير العاقل أو غير العادل مقطوع العدم ، فالعقل والايمان ، والعدالة معتبرة في المقلّد حدوثاً ، كما أنها معتبرة فيه بحسب البقاء لعين ما

ــ[186]ــ

والرجولية (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قدّمناه في اعتبارها حدوثاً .

   ولعلّ ما ذكرناه من الارتكاز المتشرعي هو المراد مما وقع في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من الاجماع على اعتبار الايمان والعقل والعدالة في المقلّد(1) إذ لا نحتمل قيام إجماع تعبدي بينهم على اشتراط تلك الاُمور .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net