الكلام في بطلان الوقف بمجرد جواز بيعه - الأقوال في جواز بيع الوقف 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الثاني : البيع-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2973


وكيف كان ، إنّ في المقام كلاماً بين شيخنا الأنصاري ومن تبعه من المحقّقين ومنهم الميرزا(2) (قدّس سرّهم) وبين كاشف الغطاء(3) وصاحب الجواهر(4) وهو أنّ جواز البيع هل يوجب بطلان الوقف يعني بمجرد جواز البيع يكون الوقف باطلا لأنّه قد اُخذ في مفهوم الوقف عدم جواز البيع فما دام الوقف باقياً لا يجوز بيعه ، بل يكون

ـــــــــــــــ
(2) منية الطالب 2 : 278 .

(3) شرح القواعد (مخطوط) : 85 .

(4) الجواهر 22 : 358 .

ــ[258]ــ

جواز بيعه مع كونه وقفاً من التضاد ، أو أنّ الوقف عند طروّ مسوغات البيع لا يكون باطلا بل الوقف يبطل بنفس البيع ، والأول قول كاشف الغطاء وصاحب الجواهر (قدّس سرّهما) والثاني هو الذي ذهب إليه الشيخ ومن تبعه (قدّس سرّهم) .

وقال الشيخ (قدّس سرّه)(1) إن اُريد من بطلان الوقف عند طروّ مجوّز البيع انتفاء بعض آثار الوقف وهو عدم جواز البيع وحيث إنّ النفي في النفي يوجب الاثبات فمعناه أنّه بجواز البيع يجوز البيع ، فهذا لا محصّل له فضلا عن أن يحتاج إلى نظر فضلا عن إمعانه ، وإن اُريد من بطلان الوقف انتفاء أصل الوقف كما هو ظاهر كلامه حيث جعل عدم جواز البيع من مقوّمات الوقف بأن تدخل العين الموقوفة عند جواز بيعها في ملك مالكها ، ففيه مضافاً إلى كونه خلاف الاجماع لأنّه لم يقل أحد ممّن أجاز بيع الوقف في الموارد المخصوصة ببطلان الوقف وخروج العين الموقوفة عن الوقفية ودخولها في ملك الواقف ، أنّ عدم جواز البيع ليس من مقوّمات الوقف بل هو ثابت بالتعبّد الشرعي .

ثمّ أيّد (قدّس سرّه) ما ذكره من عدم بطلان الوقف في موارد جواز البيع بأمرين : أحدهما أنّه لا إشكال في بقاء العين على وقفيّتها لو طرأ عليها ما يوجب جواز بيعها ولكنّه لم يبع الموقوف عليهم بعد طروّ المسوّغ حتّى ارتفع وصار غير جائز البيع ومن هنا صرّح المحقّق الثاني(2) بعدم جواز رهن الوقف وإن بلغ حدّاً يجوز بيعه معلّلا باحتمال طروّ اليسار للموقوف عليهم عند إرادة بيعه في دين المرتهن  ، بداهة أنّه لمّا كان الرهن عبارة عن الوثيقة فلا يجوز أن يرهن ما يحتمل أن لا يكون للمرتهن والراهن عند تعذّر أداء ما أخذه من المرتهن بيعه ، ولذا منع المحقّق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 4 : 37 .

(2) جامع المقاصد 5 : 51 .

ــ[259]ــ

الثاني عن المعاطاة في الرهن وليس هذا إلاّ من جهة أنّه يعتبر في الرهن أن تكون العين المرهونة وثيقة لازمة ولمّا كانت المعاطاة غير لازمة بل جائزة فحكم بعدم جواز المعاطاة في الرهن .

والثاني ما ذكره بقوله : فإنّ مدلول صيغة الوقف وإن اُخذ فيه الدوام والمنع عن المعاوضة عليه الخ ، وقاسه (قدّس سرّه) بالهبة الجائزة التي هي عبارة عن تمليك المتّهب المقتضي لتسلّطه المنافي لجواز انتزاعه من يده ومع ذلك يجوز مخالفته وقطع سلطنته ، هذا عين عبارته (قدّس سرّه) .

ولكن الذي ينبغي في المقام أن يقال : إن كان المراد من بطلان الوقف بطلان أصل الوقف وخروج العين عن كونها وقفاً ودخولها في ملك واقفها فهو مقطوع العدم كما ذكر الشيخ (قدّس سرّه) ولا موجب لهذا أيضاً ولا يلتزم به كاشف الغطاء وصاحب الجواهر (قدّس سرّهما) أيضاً . وإن اُريد منه أنّه بعد ما طرأ عليه مسوغات البيع يكون ملكاً طلقاً للموقوف عليهم ولهم التصرف كيف ما شاؤوا كتصرف الملاّك في أموالهم وأملاكهم ، فهذا لا دليل عليه ولا موجب له أيضاً ، مضافاً إلى أنّه لم يلتزم به أحد .

وإن اُريد منه بطلان الوقف من جهة البيع فقط لا من جميع الجهات بأن لا تكون هبته ولا إجارته ولا غير ذلك من التصرفات الموقوفة على الملك غير البيع جائزة ، وبعبارة اُخرى أنّ ما أنشأه الواقف هو السكون من جميع الجهات حتّى من جهة البيع لكن لا يكون دليل الامضاء شاملا للوقف من جهة المنع عن بيعه بأن يكون عدم جواز هبته ونحوها من التصرفات ممضاة غير عدم جواز البيع ، فهو كلام متين لابدّ فيه من إمعان النظر لأنّ شمول الامضاء حتّى بهذا المقدار والحكم بجواز بيعه عند طروّ مسوغات البيع من التضادّ ، بداهة أنّه لو قلنا بأنّ الشارع قد أمضى وحكم بالسكون مطلقاً ومع ذلك حكم بجواز البيع فمعناه أنّ الشارع منع عن البيع

ــ[260]ــ

وحكم بجواز البيع فهو شيء لا يمكن ، فما ذكره كاشف الغطاء وصاحب الجواهر متين جدّاً ولابدّ من الالتزام بما ذكراه لو كان مرادهم من بطلان الوقف ما ذكرناه .

ثمّ إنّه لا ثمرة للنزاع في المقام بل النزاع بين الطرفين علمي ، بداهة أنّ كاشف الغطاء وصاحب الجواهر والشيخ ومن تبعه من المحقّقين قائلون بعدم خروج العين عن الوقفية بمجرّد طروّ مسوغات البيع حتّى في صورة ارتفاع العذر وارتفاع المسوّغ بل ينادون بصوت واحد ببقاء الوقف على حاله في صورة عدم اتّفاق البيع وارتفاع المسوّغ ، ولكن ذهب بعض الأكابر(1) إلى جواز البيع بعد طروّ المسوّغ حتّى بعد الارتفاع سواء قلنا ببطلان الوقف بطروّ المسوّغ أو قلنا بعدمه .

أمّا في الصورة الاُولى فظاهر . وأمّا في الصورة الثانية فالمورد يكون من موارد الرجوع إلى استصحاب حكم المخصّص بداهة أنّه بعد طروّ المسوّغ علمنا بجواز بيع الوقف وخروجه عن تحت عموم عدم جواز بيع الوقف ثمّ شككنا بعد ارتفاع المسوغ هل بقي في حالة جواز بيعه أو أنّه لا يجوز لشمول العموم له وحينئذ نتمسّك باستصحاب حكم المخصّص ونحكم بجوازه .

ولكن الحقّ عدم جواز البيع بعد زوال مسوّغ البيع . أمّا بناءً على عدم بطلان الوقف فظاهر لكون المورد من موارد التمسّك بالعام دون المخصّص ، وذلك لأنّ عموم عدم جواز بيع الوقف كان شاملا لما قبل طروّ مسوّغ البيع ولحالة طروّ المسوّغ ولما بعد زوال المسوّغ ثمّ علمنا بخروج حالة طروّ المسوّغ عن تحت عموم عدم الجواز فيبقى الباقي من المتقدّم على طروّ المجوّز والمتأخّر منه تحت العام ، وقد ذكرنا في بحث الاُصول أنّ الأفراد الطولية مثل الأفراد العرضية في كونها مشمولة لعموم العام وقد ذكرنا في ذلك البحث أنّه لا فرق بين العموم الافرادي الاستغراقي كما في المقام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (الايرواني) 2 : 440 .

 
 

ــ[261]ــ

وبين العموم المجموعي من حيث التمسّك بالعام دون المخصّص ، وبديهي أنّ المقام من قبيل العام الاستغراقي لأنّ كلّ فرد من أفراد البيع محكوم بالبطلان سواء الأفراد الواقعة قبل طروّ المسوّغ أو بعد طروّه أو بعد ارتفاعه ، وكل مورد علمنا بخروجه عن تحت العام نتبعه وأمّا غيره فيكون مشمولا لعموم العام ، وليس هذا كلّه إلاّ من جهة حجّية الظهور وكونه مطابقاً للارادة الجدّية ، وكذا الكلام لو قلنا ببطلان الوقف لأنّ المراد ببطلان الوقف ليس هو خروج الشيء عن الوقفية وعوده إلى ملك الواقف، وليس مرادنا أيضاً كونه طلقاً للموقوف عليهم ، بل مرادنا من البطلان ما ذكرناه من مقالة عدم إمضاء الشارع هذا المقدار من الوقف أي جهة المنع عن بيعه فقط  ، فعليه إذا علمنا بعدم إمضاء الشارع لهذا المقدار من الوقف ثمّ شككنا بعد زوال العذر في جواز بيعه وعدمه نتمسّك بعموم دليل الامضاء بعين ما ذكرناه في الأوّل ، وليس المورد من موارد التمسّك بالمخصّص لما ذكرناه من أنّه لا فرق بين العموم الاستغراقي والمجموعي ، ولا يرفع اليد عن ظهور العام وكونه مطابقاً للارادة الجدّية للمتكلّم إلاّ بالمقدار المعلوم ، وليس المقدار المعلوم إلاّ حالة وجود المسوّغ ومجوّز البيع  ، وأمّا بعد زواله فلا .

مضافاً إلى أنّه لو سلّمنا بطلان الوقف وكونه ملكاً طلقاً للموقوف عليهم مثلا لا يكون المورد من موارد التمسّك بالمخصّص بل لابدّ من التمسّك بعموم أدلّة الامضاء  ، لأنّ ما أنشأه الواقف هو حبس العين وسكونها إلى الأبد  ، ومقتضى عموم دليل الامضاء كونه ممضى كذلك ، وقد خرجنا عنه في صورة عروض المسوّغ وأمّا بعده أو قبله فنتمسّك بدليل الامضاء ولو كان مجموعياً متكفّلا لحكم واحد مستمر بالبيان الذي ذكرناه فيما تقدّم ، فما ذكروه وادّعوا عليه عدم الخلاف من بقاء الشيء على وقفيته إذا لم يبع بعد عروض المجوّز حتّى زال هو مقتضى القاعدة .

ــ[262]ــ

وكيف كان فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّه قد ظهر من جميع ما ذكرناه أنّ مقتضى القاعدة في الوقف عدم جواز البيع ، فلابدّ من إقامة الدليل في كل مورد يجوز بيعه بالخصوص ، ثمّ تعرّض (قدّس سرّه) تارة لموضوع جواز بيع الوقف بمعنى أنّ أيّ وقف يجوز بيعه عند طروّ المسوّغ وأي وقف لا يجوز بيعه وذكر ما ذكره العلماء في المقام من الأقوال ، واُخرى لما هو المجوّز للبيع .

أمّا الكلام في الجهة الاُولى : فقد منع بعض عن بيع الوقف مطلقاً كما يظهر من ابن إدريس(2) وقوّاه الشهيد (قدّس سرّه)(3) ولكنّه لم يذهب إلى ما ذهب إليه ابن إدريس لكونه نادراً .

وفي مقابله جواز البيع مطلقاً ، وبديهي أنّ من يقول بجواز البيع إنّما يقول في غير المساجد والمشاهد . وفصّل بعضهم بين المنقطع وبين المؤبّد وقال بالجواز في الأوّل وبعدمه في الثاني . والمراد من الوقف المنقطع انقطاع الموقوف عليهم بأن يكون الموقوف عليهم أشخاصاً معدودين ينقرضون في الخارج عادة فينقطع الوقف بانقراضهم ، لا كون الوقف محدوداً بزمان لكون مثل هذا الوقف باطلا كما سيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى .

وقد فصّل بعض بين المؤبّد وبين المنقطع وحكم بعدم الجواز في الثاني وبالجواز في الأول عكس ما قبله ، ولعلّ من يحكم بعدم الجواز في المنقطع يرى عود الوقف بعد انقطاع الموقوف عليهم إلى ملك الواقف .

ويمكن في المقام تفصيل آخر بأن يفصّل بين المساجد والمشاهد وبين غيرهما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 4 : 38 .

(2) السرائر 3 : 153 .

(3) الدروس 2 : 279 .

ــ[263]ــ

من أفراد الوقف بالقول بعدم الجواز في الأول وبالجواز في الثاني ، إلاّ أنّ هذا في الحقيقة ليس تفصيلا لأنّه لم يقل أحد بجواز بيع المساجد والمشاهد .

وقد يفصّل بين أجزاء الوقف وآلاته وبين نفس العين الموقوفة ويقال بعدم الجواز في الثاني وبالجواز في الأول .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net