الثالثة:قلّة منفعة الوقف \ الرابعة:إذا كان البيع أعود وأنفع للموقوف عليهم 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الثاني : البيع-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2184


الصورة الثالثة : ما إذا صارت منفعة الوقف قليلة إمّا لأجل خراب الوقف أو لأجل أمر آخر ولكنّه لا بمثابة يلحق بالمعدوم ، وقد ذهب بعض إلى جواز البيع في هذه الصورة أيضاً ، ولكن الحقّ عدم جواز البيع لوجود المقتضي لعدم البيع وهو عبارة عن وجوب العمل بمقتضى الوقف وقوله (عليه السلام) « لا يجوز شراء الوقف » وعدم ما يصلح أن يكون مجوّزاً ومسوّغاً للبيع كما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) .

الصورة الرابعة : ما إذا كان البيع أعود وأنفع للموقوف عليهم ، والظاهر أنّ عدم جواز البيع في هذه الصورة ممّا تسالم عليه الفقهاء ، نعم نسب إلى المفيد (قدّس سرّه) الجواز في هذه الصورة أيضاً ، ولكن العلاّمة (قدّس سرّه) لم يرتض هذه النسبة لأجل أنّه مخالف لمقتضى القاعدة ولذا أوّل كلام المفيد (قدّس سرّه) .

والذي استدلّ به على جواز البيع في هذه الصورة روايتان : الاُولى رواية جعفر بن حيّان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل وقف غلّة له على قرابته من أبيه وقرابته من اُمّه وأوصى لرجل ولعقبه ليس بينه وبينه قرابة بثلاثمائة درهم في كل سنة ويقسّم الباقي على قرابته من أبيه وقرابته من اُمّه ، فقال : جائز للذي أوصى له بذلك . قلت : أرأيت إن لم تخرج من غلّة تلك الأرض التي أوقفها إلاّ خمسمائة درهم ، فقال : أليس في وصيته أن يعطي

ــ[290]ــ

الذي أوصى له من الغلّة ثلاثمائة درهم ويقسّم الباقي على قرابته من أبيه وقرابته من اُمّه . قلت نعم ، قال ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلّة شيئاً حتّى يوفوا الموصى له ثلاثمائة درهم ثمّ لهم ما يبقى بعد ذلك . قلت أرأيت إن مات الذي أوصى له ، قال : إن مات كانت الثلاثمائة درهم لورثته يتوارثونها بينهم ما بقي أحد منهم ، فإن انقطع ورثته ولم يبق منهم أحد كانت الثلاثمائة درهم لقرابة الميّت يرد إلى ما يخرج من الوقف ثمّ يقسّم بينهم يتوارثون ذلك ما بقوا وبقيت الغلّة . قلت : فللورثة من قرابة الميّت أن يبيعوا الأرض إذا احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلّة ، قال : نعم إذا رضوا كلّهم وكان البيع خيراً لهم باعوا »(1).

وفيه : أنّ الرواية أوّلا ضعيفة السند لأجل جعفر بن حيّان . وثانياً أنّ الرواية مشتملة على أشياء تصير موجبة لوهن الرواية ، وذلك أنّه كيف تجتمع الوصية مع الوقف لكونهما من المتنافيين بداهة أنّ الوصية لو كانت قبل الوقف تكون باطلة بمجرد الوقف مثل ما إذا باع الموصي الشيء الموصى به ، ولو كانت بعده فهي باطلة أيضاً لأنّ الموصى به خارج عن ملكه ، ولابدّ من أن يقال إنّ المراد من الوصية الشرط يعني أنّ الواقف شرط في وقفه هكذا ، وقد تطلق الوصية لغة وفي القرآن على الشرط مثل قوله تعالى : (يُوصِيكُمْ اللهُ)(2). وأيضاً ما الوجه لمنع الإمام (عليه السلام) عن تصرف الموقوف عليهم قبل إخراج ما أوصى به في صورة عدم خروج الغلّة من الأرض إلاّ بمقدار خمسمائة درهم ، بداهة أنّه لا مانع من التصرف في الغلّة وإخراجه بعد هذا ، بل لو لم يفوا بالشرط أصلا لم يكن تصرّفهم في الغلّة حراماً لأنّ اشتراط دفع المبلغ إلى الرجل لا يترتّب عليه إلاّ حكم تكليفي ولا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 190 / كتاب الوقوف والصدقات ب6 ح8 .

(2) النساء 4 : 11 .

ــ[291]ــ

يكون شريكاً معهم في الغلّة .

وأيضاً أنّ ما حكم به الإمام (عليه السلام) بقوله : « إن مات كانت ثلاثمائة درهم لورثته ـ إلى أن قال ـ ما بقي أحد منهم » لم نفهم المراد منه بعد ما ذكرنا من أنّه لابدّ من أن يراد من الوصية الشرط ، بداهة أنّه على هذا يكون إعطاء ثلاثمائة درهم منوطاً بوجود من شرط الاعطاء له ، فإذن لا وجه لاعطائه لورثة المشروط له .

وأيضاً أنّ ما حكم به بعد ذلك بقوله « فإن انقطع ورثته » الخ لم نفهم له وجهاً بداهة أنّه ولو فرضنا صحّة الوصية أيضاً لا وجه لأن يكون الموصى به بعد انقراض ورثة الموصى له راجعاً إلى قرابة الميّت الواقف ، بداهة أنّه على هذا يكون ممّا لا وارث له فعليه يكون مالا للإمام (عليه السلام) لأنّه (عليه السلام) وارث من لا وارث له ، ولو أغمضنا النظر من جميع ما ذكرناه فالرواية لا دلالة لها على المطلب لأنّها تدلّ على جواز البيع بشروط ثلاثة :

1 ـ احتياج الموقوف عليهم .

2 ـ رضايتهم بالبيع .

3 ـ كون البيع أعود وأنفع لهم ، فلا يستفاد من الرواية كفاية الشرط الأخير فقط .

الرواية الثانية : ما في الاحتجاج(1) من أنّ الحميري كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) جعلني الله فداه « أنّه روي عن الصادق (عليه السلام) خبر مأثور أنّ الوقف إذا كان على قوم بأعيانهم وأعقابهم فاجتمع أهل الوقف على بيعه وكان ذلك أصلح لهم أن يبيعوه فهل يجوز أن يشترى عن بعضهم إن لم يجتمع كلّهم على البيع أم لا يجوز إلاّ أن يجتمعوا كلّهم على ذلك ؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 191 / كتاب الوقوف والصدقات ب6 ح9 .

ــ[292]ــ

فأجاب (عليه السلام) إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه وإذا كان على قوم من المسلمين يبيع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرّقين إن شاء الله » الخبر ، ولا يخفى أنّ المراد من عدم جواز البيع إذا كان الوقف على إمام المسلمين أنّه لا يجوز ذلك على غير الإمام ، وأمّا جوازه لنفس الإمام فهذا ممّا لا إشكال فيه وقد أمر الإمام (عليه السلام) في رواية ابن مهزيار(1) ببيع حصّته من الوقف كما سيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى .

وكيف كان ، لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية أيضاً ، وذلك ـ مضافاً إلى عدم ثبوت صحّة سند ما في الاحتجاج ولا يمكن الاستدلال بالروايات الموجودة في ذلك الكتاب نعم لا بأس باتيانها بوجه التأييد ـ أنّ الرواية ليست في مقام بيان ما هو المجوّز لبيع الوقف بل في مقام بيان أنّ أيّ وقف يصحّ بيعه بعد عروض المسوّغ وهي ساكتة من بيان ما هو المجوّز والمسوّغ . وبعبارة واضحة أنّ الرواية في مقام بيان أنّ بيع الوقف مع فرض وجود المسوّغ له هل يصحّ من بعض الموقوف عليهم أو يعتبر في جوازه اجتماعهم عليه ، وأمّا ما يكون مجوّزاً أو مسوّغاً فليست في مقام بيانه وعلى فرض التسليم إنّما تدلّ على جواز بيع الوقف مطلقاً لأنّ الأصلحية إنّما ذكرت في كلام السائل فلا توجب تقييداً .

سلّمنا كونها قيداً للحكم إلاّ أنّ المراد بها على ما يظهر من إسناد البيع إلى أرباب الوقف كون البيع أصلح بحالهم لا بحال جميع البطون ، وبيع الوقف وتملّك ثمنه يكون أعود وأنفع لهم دائماً ، فالمستفاد من الرواية على هذا جواز بيع الوقف للبطون الموجودة في جميع الموارد ، فحينئذ لا تكون أخصّ من أدلّة منع بيع الوقف بل يكون بينهما التباين فتتعارضان ، وبديهي أنّ تلك الروايات المانعة عن بيع الوقف متقدّمة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 19 : 187 / كتاب الوقوف والصدقات ب6 ح5 .

ــ[293]ــ

على رواية الحميري لضعفها سنداً ، مضافاً إلى أنّ انقلاب النسبة يجعل تلك الروايات المانعة أخصّ من رواية الحميري ، وذلك لأنّ الروايات المانعة بعد ما خصّصت بما يدلّ على جواز بيع الوقف عند خرابه وعدم إمكان الانتفاع به مع بقائه تختصّ بغير صورة خراب الوقف فتكون أخصّ فتقيّد بها رواية الحميري . ولو أغمضنا النظر عن جميع ذلك أنّ الرواية تدلّ على شيء لم يفت به أحد ويقطع بخلافه وهي عبارة عمّا ذكر الشيخ (قدّس سرّه)(1) من أنّ الظاهر منها أن يكون الثمن بعد البيع ملكاً للموجودين من الموقوف عليهم وأن يتصرّفوا فيه كيف شاؤوا ، فعليه لا يمكن الاستدلال بها في المقام كما لا يخفى فافهم .
ــــــــــــــ

(1) المكاسب 4 : 82 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net