هل يصحّ بيع العين المرهونة مع لحوق الاجازة ؟ 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الثاني : البيع-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2321


ــ[307]ــ

وكلامنا مع المشهور إنّما هو في هذه الموارد . والحقّ أنّه لا مانع من القول بصحّة إجارة العين المرهونة أقلّ من مدّة الرهن بحيث لا توجب الاجارة نقصان قيمة العين كما إذا آجر الدار المرهونة ستة أشهر وكانت مدّة الرهن سنة واحدة ، بل لا إشكال في صحّة البيع أيضاً لأنّ المانع من صحّة البيع إمّا الإجماع فهو غير تامّ عندنا كما هو الظاهر ، وإمّا النبوي فهو أيضاً كما ترى لضعف سنده وعدم وثوقنا بصدوره عن المعصوم (عليه السلام) مضافاً إلى عدم تمامية دلالته لأنّ الظاهر منه أنّ التصرّفات الممنوعة هي التصرفات المنافية للرهن مثل العتق والاستيلاد ، وغير خفي أنّه لا إشكال في صحّة الرهن فيما إذا كانت العين المرهونة عارية كما إذا استعار الراهن شيئاً وجعله رهناً ، ولا يعتبر في الرهن أن تكون العين المرهونة ملكاً للراهن ابتداءً وحدوثاً ، فعليه لا مانع من جواز بيعه بهذا النحو بأن يبيع العين مع وصف كونها مرهونة .

وبعبارة واضحة : أنّ العين المرهونة تكون عارية بقاءً فلا مانع من صحّة ذلك كما أنّه لو كانت عارية من الأوّل وحدوثاً لم يكن فيه إشكال ، فحينئذ إن كان المشتري عالماً بالحال فلا خيار له وإلاّ يثبت له خيار العيب أو تخلّف الشرط ، لأنّ كون العين متعلّقاً لحقّ الغير عيب فيها ، أو أنّ الارتكاز يقتضي أن لا يكون المالان اللذان وقع العقد عليهما متعلّقين لحقّ الغير ، هذا كلّه فيما إذا قلنا إنّ الرهن عبارة عن جعل الراهن العين وثيقة عند المرتهن لاستيفاء حقّه .

وأمّا إذا قلنا إنّ الراهن يسقط ملكه عن العين المرهونة مثل الوقف مدّة معيّنة فعدم الجواز هنا لعدم المقتضي أي الملكية .

ثمّ لو سلّمنا عدم جواز بيع العين المرهونة فهل يصحّ البيع مع الاجازة أو أنّه لا يصحّ أصلا ؟ ذهب بعض إلى عدم الصحّة مطلقاً وبعض آخر إلى الصحّة مع

ــ[308]ــ

الاجازة كما عن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1).

والحقّ أيضاً ما ذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) لأنّ المانع عن صحّة البيع إمّا الإجماع فهو غير متحقّق ، وإمّا النبوي فهو مضافاً إلى عدم ثبوته عندنا أنّ الظاهر من قوله « ممنوعان من التصرف » أن يكون الممنوع تصرف كل واحد منهما مستقلا وأمّا مع الاجازة من الآخر فلا ، والشاهد على ذلك عطف المرتهن على الراهن وبديهي أنّه لم يستشكل أحد في صحّة بيع المرتهن العين المرهونة من قبل الراهن فضولة مع إجازة الراهن بعده . وقد استدلّ على صحّته كما عن الشيخ (قدّس سرّه) بما ورد من التعليل في ذيل رواية(2) العبد الذي تزوّج لنفسه بلا إذن من سيّده من أنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيّده فإذا أجاز جاز ، وهذه العلّة تجري في المقام أيضاً بأن يقال إنّ الراهن لم يعص الله في بيعه العين المرهونة وإنّما عصى المرتهن فإذا أجاز جاز .

وقد استدلّ أيضاً لصحّة البيع مع الاجازة كما عن الشيخ (قدّس سرّه) بفحوى الروايات الواردة في بيع الفضولي حيث قال : هذا كلّه مضافاً إلى فحوى أدلّة صحّة الفضولي وأنّه إذا قلنا بصحّة العقد الفضولي فيما تقدّم مع أنّه كان بلا مقتض ففي المقام الذي يقع العقد من نفس المالك فلابدّ من القول بصحّته بطريق أولى .

وربما يدّعى الأولوية في عكس ذلك أي في ناحية البطلان فيقال إنّه لو قلنا ببطلان الفضولي هناك يكون البيع في المقام باطلا بطريق أولى ، ولكن في كلتا الأولويتين نظر ولا ملازمة بينهما أصلا حيث لا مانع من القول بصحّة البيع في المقام لأجل شمول أدلّة صحّة العقد والقول ببطلان الفضولي هناك لأجل قوله (عليه السلام)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 4 : 154 .

(2) الوسائل 21 : 114 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب24 ح1 ، 2 .

ــ[309]ــ

« لا بيع إلاّ في ملك »(1) لأنّ المفروض وقوع العقد هنا من المالك وفي ملك ، وعدم وقوعه من المالك وفي ملك هناك فلا ملازمة بين الأمرين ، كما أنّه من الممكن أن نقول بصحّة الفضولي هناك لما ذكرناه في موطنه من أنّ صحّة العقد الفضولي على القاعدة من حيث إنّ العقد يكون مشمولا لأدلّة الوفاء بالعقد وأدلّة البيع بعد الاجازة  ، وأن نقول بالبطلان في المقام ببيان أنّ البيع في المقام وإن كان صادراً من المالك إلاّ أنّه من حين وقوعه كان باطلا لأجل كونه متعلّقاً لحقّ الغير ومنهيّاً عنه مثل بطلان العقد على بنت أخ الزوجة وبنت اُختها حتّى مع لحوق إجازة العمّة والخالة  ، وصحّة العقد بعد الاجازة في هذه الموارد تحتاج إلى دليل وهو مفقود في المقام ، وهذا الوجه هو الذي ذكره في المقابس(2) (قدّس سرّه) ولكنّه قد عرفت الجواب عنه هناك من أنّه لا مانع من أن يكون العقد مشمولا لعموم الأدلّة بقاءً بعد ما لم يكن مشمولا له حدوثاً وتفصيله في موطنه فراجع باب الفضولي(3).

وكيف كان ، إنّ مرادنا نفي الملازمة والأولوية بين القولين لأنّه لا مانع من القول بصحّة الفضولي هناك وببطلان العقد في المقام أو بالعكس .

فتحصّل من جميع ما ذكرناه بعد تسليم أنّه لا يصحّ بيع الراهن العين المرهونة استقلالا ، أنّه لا مانع من صحّته مع إجازة المرتهن ، ولا فرق بينه وبين البيع الفضولي من هذه الجهة ، لأنّ غاية ما يستفاد من أدلّة ممنوعية الراهن والمرتهن عن التصرف أنّهما ممنوعان عن التصرف استقلالا ، وبديهي أنّ الاجازة والرضا من الاُمور التعلّقية التي قابلة لأن تتعلّق بأمر سابق بداهة أنّه يقال بعد إجازة المرتهن ورضاه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك 13 : 230 / أبواب عقد البيع وشروطه ب1 ح3 (مع اختلاف يسير) .

(2) المقابس : 188 .

(3) راجع المجلّد الأول من هذا الكتاب الصفحة413 .

ــ[310]ــ

بعقد الراهن بعد زمان أنّه عقد مرضي به ، وليست الاجازة والرضا مثل سائر الشروط من البلوغ والعقل وغيرهما من الاُمور التي يعتبر وجودها عند إيجاد العقد وصدوره ، وقد عرفت أيضاً أنّ القول بأنّ العقد الواقع من الراهن لم يكن مشمولا لأدلّة صحّة البيع عند صدوره وبعدُ لم يقع عقد آخر حتّى يحكم بالصحّة في غير محلّه لما ذكرناه مراراً عند التعرّض لعقد الفضولي من أنّه لا مانع من أن يكون العقد مشمولا لأدلّة صحّة العقد بقاءً بعد ما لم يكن كذلك حدوثاً وتفصيل الكلام قد تقدّم في موطنه.

ثمّ إنّه قد نقل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) عن بعض معاصريه (قدّس سرّه) أنّه قوّى القول ببطلان بيع الراهن حتّى مع إجازة المرتهن ، لأنّ النهي في المعاملات إذا تعلّق بنفس العقد لا الأمر الخارج منه يوجب فسادها ، وحيث إنّ بيع الراهن العين المرهونة كان منهيّاً عنه يقع باطلا ، كما أنّ بيع غير الراهن العين المرهونة يقع أيضاً باطلا فيما إذا لم يكن بعنوان النيابة ، وقال إنّه لا فرق بين بيع الراهن وبين بيع الوقف واُمّ الولد في كونه ممنوعاً ومنهيّاً عنه ، ولا يمكن التمسّك لصحّة بيع الراهن بالتعليل المذكور فيما ورد(2) في نكاح العبد من أنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيّده ، لأنّ مورد هذا التعليل إنّما هو فيما إذا لم يكن الشخص مالكاً كما أنّ العبد لا يملك أمر نفسه فحينئذ يصحّ أن يقال إنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيّده ، وأمّا المالك المحجور عليه فهو عاص لله بتصرّفه ولا يقال إنّه عصى المرتهن لعدم كونه مالكاً .

وقد أجاب عنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بوجوه كلّها متينة وذلك أنّه منع أوّلا : وجود الفرق بين بيع ملك الغير على وجه الاستقلال وبيعه على وجه النيابة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 4 : 155 .

(2) الوسائل 21 : 114 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب24 ح1 ، 2 .

ــ[311]ــ

بداهة أنّ نفس اجراء العقد لو عدّ من التصرفات فلا فرق بينهما وإلاّ فلا وجه للبطلان .

وثانياً : منع كون مطلق النهي لا لأمر خارج موجباً لفساد المعاملة ما لم يكن إرشادياً ، بداهة أنّه لا ملازمة بين الحرمة التكليفية وفساد المعاملة كما أنّ البيع في وقت النداء حرام مع أنّه لا يقع فاسداً .

وثالثاً : أنّ ما ذكره من مقالة أنّ التصرّف في مال الغير إن كان بنحو الاستقلال حرام والبيع باطل وإن كان بنحو النيابة لا حرمة فيه ويقع صحيحاً يتصوّر في بيع الراهن أيضاً ، لأنّه قد يبيع رجاءً لاجازة المرتهن ولا ينوي الاستقلال وقد يبيع لا كذلك .

ورابعاً : أنّ ما ذكره من منع جريان التعليل في روايات العبد فيما نحن فيه قائلا بالفرق بينهما في غير محلّه ، لأنّ الظاهر كون النهي في كل منهما لحقّ الغير فإن منع الله (جلّ ذكره) ثابت في كلّ ما كان لحقّ الغير من غير فرق بين بيع الفضولي ونكاح العبد وبيع الراهن .

وخامساً : أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من قياس بيع الراهن على بيع الوقف واُمّ الولد في غير محلّه ، لأنّ عدم الجواز في بيع الوقف واُمّ الولد قد ثبت بالتعبّد ولذا لو رضي جميع الموقوف عليهم والواقف أو رضيت اُمّ الولد والولد لا يصحّ البيع أيضاً بخلافه فيما إذا كان المرتهن راضياً ببيعه بداهة أنّ بيع الراهن في صورة رضا المرتهن صحيح بلا إشكال ولا خلاف ولا يلتزم ببطلان العقد في هذه الصورة نفس هذا المعاصر فافهم .

وربما يشكل في صحّة بيع الراهن حتّى مع إجازة المرتهن بناءً على كون الاجازة كاشفة من جهة أنّه لو قلنا بأنّ الاجازة تكون كاشفة عن صحّة البيع يلزم أن يكون البيع مجتمعاً مع الرهن وهما متنافيان ولا يجتمعان نظير ما تقدّم في مسألة

ــ[312]ــ

من باع شيئاً ثمّ ملكه من أنّه على تقدير صحّة البيع يلزم اجتماع مالكين على ملك واحد في زمان واحد .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net