اعتبار القدرة على التسليم في زمانه لا مطلقاً - ذكر فروع في المقام 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الثاني : البيع-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2516


ــ[336]ــ

للتسليم فيما يكون البائع مأموراً بالتسليم ، والمفروض في المقام أنّه مع قطع النظر عن قوله (صلّى الله عليه وآله) « لا تبع » الخ لم يكن التسليم واجباً على البائع ، لأنّ العبد بمجرّد العقد ينعتق وكان العقد الكذائي مع قطع النظر عن قوله (صلّى الله عليه وآله) « لا تبع » مشمولا لعمومات صحّة العقود ، كما لا يلزم الغرر هنا لعدم احتمال الخطر بملاحظة حكم الشارع بالانعتاق ، نعم لولا هذا الحكم لكان البيع غررياً إلاّ أنّه غرر شأني لا يدور الحكم مداره ، وكيف كان إنّ هذا التوهّم فاسد بالمرّة .

وقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنّ المعتبر في هذا الشرط إنّما هو مرحلة زمان استحقاق التسليم والتسلّم ، فإذن لو كان العقد من العقود التي لا يعتبر فيه التسليم إلاّ بعد مدّة كما إذا اشترط البائع أن يكون تسليم المبيع بعد شهر يصحّ العقد فيما إذا لم يكن البائع قادراً على تسليمه إلاّ عند حلول وقت التسليم ، وقد رتّب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) على هذا أي على أنّ المناط في اشتراط القدرة على التسليم إنّما هو زمان استحقاق التسليم والتسلّم صحّة بيع الفضولي من الطرفين لأنّه لا يستحقّ التسليم إلاّ بعد إجازة المالك فلا يعتبر القدرة على التسليم قبل الاجازة ، ثم استشكل في صحّته بناءً على كون الاجازة كاشفة وكان العقد فضولياً من طرف واحد من حيث لزومه على الأصيل ، فيحصل الغرر من جهة أنّه قد انتقل إليه شيء لا يقدر على تحصيله .

ولكنّه لا يخفى ما فيه أصلا وإشكالا . أمّا أصلا فلما ذكرناه من أنّ اعتبار هذا الشرط إنّما هو بالنسبة إلى من يكون العقد عقداً له ومنسوباً إليه ، وغير خفي أنّ العقد ليس عقداً للبائع الفضولي ، وهو خارج عن دائرة هذا الشرط لكونه أجنبياً عن العقد كما هو واضح . وبعبارة واضحة أنّ من له العقد وينتسب إليه العقد قادر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 4 : 188 .

ــ[337]ــ

على تسليمه في ظرفه وعند الانتساب ، هو عبارة عن وقت الاجازة ، وأمّا البائع فهو أجنبي عن العقد وعن ساحة هذا الشرط.

وأمّا عدم ورود الإشكال فظاهر ، أمّا عدم لزوم الغرر فمن جهة أنّ العقد إن كان صحيحاً باجازة المالك يصير المثمن ملكاً للمشتري والمفروض قدرة المالك أيضاً على تسليمه حين الاجازة ، وقد ذكرنا أنّ هذا شرط في مرحلة الاستحقاق وليست هذه المرحلة إلاّ عند اجازة المالك ، لأنّ وقت الانتساب هو هذا الحين والمالك مأمور بالتسليم من وقت الاجازة لا قبلها كما ذكرنا آنفاً ، وإن لم يجز المالك فماله يبقى في ملكه فأين احتمال الخطر .

وأمّا عدم شمول قوله (صلّى الله عليه وآله) « لا تبع ما ليس عندك » للمقام فيظهر ممّا ذكرناه مراراً من أنّ هذا خطاب لمن يكون مأموراً بالتسليم ويكون العقد منسوباً إليه وضروري أنّ المالك مأمور بالتسليم بعد الاجازة والعقد منسوب إليه وعقد له بعد الاجازة ، وذكرنا أيضاً أنّ البائع الفضولي أجنبي وخارج عن ساحة هذه الاُمور كما لا يخفى .

وأيضاً يترتّب على ما ذكرنا صحّة بيع الراهن قبل اجازة المرتهن ولا يلزم غرر لأنّه لو أجاز المرتهن تكون العين المرهونة للمشتري وإلاّ يبقى ماله في ملكه فلا غرر في بيعه ولا يكون مشمولا لقوله (صلّى الله عليه وآله) « لا تبع ما ليس عندك » إذا قلنا إنّ المناط في القدرة وعدمها هي القدرة الخارجية ، والمفروض قدرته على التسليم خارجاً غاية الأمر قد منع الشارع عنه قبل إجازة المرتهن لأجل تعلّق حقّه به ، نعم لو قلنا إنّ العجز الشرعي مثل العقلي والمفروض أنّ الراهن في المقام غير قادر على التسليم شرعاً يكون المقام مشمولا لقوله (صلّى الله عليه وآله) « لا تبع » ولكنّه قد ذكرنا آنفاً أنّه نلتزم في هذا المقام بالتخصيص لأجل ما استفدناه من القاعدة الكلّية من الروايات الواردة في عقد العبد من التعليل المذكور فيها من قوله

ــ[338]ــ

(عليه السلام) «  فإنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيّده فإذا أجاز جاز »(1).

ثمّ إنّه يقع الكلام في العقود التي يكون القبض من مقوّماتها مثل بيع الصرف والسلم ونفس عقد الرهانة ، وقد وقع الكلام في أنّه لو تعذّر التسليم في هذه العقود يكون العقد باطلا أو لا ، واختار الشيخ (قدّس سرّه)(2) عدم اشتراط القدرة على التسليم في هذه الموارد وعدم كون التعذّر مانعاً عن صحّة العقد ، لأنّ تعذّر التسليم مانع عن صحّة العقد الذي يكون التسليم من أحكامه لا من شروط تأثيره ومقوّماته ، بداهة كون التسليم والقبض في هذه الموارد جزء ناقل ، والاعتبار بالقدرة إنّما هو بعد تمامية العقد ، والمفروض أنّ العقد قبل التسليم في هذه الموارد لم يتم ، وليس المقام إلاّ مثل موارد عجز الموجب قبل القبول فكما أنّ عجزه قبل القبول لا يمنع عن صحّة العقد إذا كان قادراً بعد القبول ، فالمقام أيضاً كذلك يعني لا يمنع عجز المالك عن التسليم لعدم تمامية العقد قبل التسليم ، والمفروض أنّ المبيع بعد تحقّق الجزء الأخير من الناقل وهو في هذه الموارد عبارة عن القبض حاصل في يد المشتري ، فالقبض ليس إلاّ مثل الاجازة بناءً على النقل ، وأولى منها بناءً على الكشف لأنّه لا يحتمل أن يكون القبض كاشفاً بل هو ناقل من حينه ، هذا حاصل مرامه (قدّس سرّه) ورفع في الخلد مقامه .

ثمّ أورد عليه الميرزا (قدّس سرّه)(3) بما حاصله : أنّه فرق بين الاجازة في الفضولي وبين القبض في هذه الاُمور ولا يقاس هذا بذاك ، لأنّ العقد في باب الفضولي لا ارتباط له بالفضولي لكونه أجنبياً عنه ولا اعتبار بقدرته وعدم قدرته

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 21 : 114 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب24 ح1 ، 2 .

(2) المكاسب 4 : 188 .

(3) منية الطالب 2 : 352 ـ 353 .

ــ[339]ــ

كما أنّه ليس العقد عقداً للمالك لعدم كونه مستنداً إليه قبل الاجازة وإنّما يستند إليه بعد الاجازة ، والعقد إنّما يتمّ ويصير عقداً للمالك بعد الاجازة ، فإذن لا يعتبر قدرة المالك على التسليم إلاّ بعد الاجازة والمفروض وجودها ، بخلافه في هذه الاُمور بداهة أنّ القبض في هذه الاُمور وإن كان شرطاً إلاّ أنّه ليس جزءاً للسبب الناقل بل هو شرط للملكية ، لأنّ الالزام والالتزام العقدي قد تحقّق بمجرد العقد ولذا اختار المشهور وجوب التقابض  ، فعليه يكون العقد فاسداً عند التعذّر وعدم القدرة على التسليم ، هذا ملخّص مرامه (قدّس سرّه) .

وفيه : أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من عدم تمامية العقد إلاّ بعد الاجازة في عقد الفضولي وتماميته في المقام قبل القبض وكون القبض شرطاً للملكية ، وإن كان متيناً إلاّ أنّ ما ذهب إليه من اعتبار القدرة على التسليم وفساد العقد عند عدم القدرة عليه فاسد ، كما أنّ ما نقله عن المشهور من وجوب التقابض في هذه الاُمور لا أصل له ، وذلك لأنّ الدليل على اعتبار القدرة لو كان نهي النبي (صلّى الله عليه وآله) عن بيع الغرر فهو مفقود في المقام ، لأنّ الأمر دائر بين الصحّة وفساد العقد ، لأنّه لو حصل القبض فقد صحّ العقد وإلاّ يقع فاسداً ويبقى مال كلّ مالك في ملكه فأين الغرر ، كما أنّه لو كان قوله (صلّى الله عليه وآله) « لا تبع » الخ لا يتمّ في المقام لما ذكرناه مراراً من أنّ اعتبار القدرة من باب المقدّمة على التسليم فلا تكون معتبرة إلاّ إذا كان البائع مأموراً بالتسليم والمفروض عدم كونه كذلك قبل القبض .

وأمّا حكم المشهور بوجوب التقابض فكلام لا أصل له ، بداهة أنّ وجوبه لو كان من باب لزوم دفع الملك إلى صاحبه وعدم جواز التصرف في ملكه فغير صحيح ، لأنّ الملك إنّما يحصل بعد صحّة العقد . وبعبارة واضحة حصول الملك فرع صحّة العقد والمفروض عدم صحّته قبل القبض . وإن كان الدليل عليه قوله تعالى :

ــ[340]ــ

(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1) فبديهي أنّ موضوع هذا العموم هو العقد الصحيح الخارجي ولم يتحقّق هذا الموضوع قبل القبض ، مضافاً إلى ما ذكرناه من عدم دلالة هذه الآية الشريفة ومثلها من عمومات أدلّة البيع على الحكم التكليفي بل هي إرشاد إلى لزوم العقد وعدم كونه منفسخاً بفسخ المتبايعين كما حقّقناه في مورده فراجع .

والعجب كلّ العجب من الميرزا (قدّس سرّه) حيث استدلّ على وجوب التقابض بما في قوله (عليه السلام) « فإن نزى حائطاً فانز معه »(2) الوارد في من تفرّق بدون رضا صاحبه ، بداهة أنّ الإمام (عليه السلام) في مقام بيان أنّه لو تفرّق أحد المتبايعين في بيع الصرف مثلا يكون العقد باطلا وأنّ العقد إنّما يصحّ لو لم يتفرّق وهل يتوهّم أن يكون مراده (عليه السلام) أنّه يجب على أحد المتعاملين أن يمشي مع الآخر ، كلاّ ثمّ كلاّ . وكيف كان إنّ اعتبار القدرة على فرض تسليم كونها معتبرة إنّما هي في الموارد التي تكون القدرة على التسليم من أحكامه لا من مقوّماته ومن شروط الملكية هذا .

وقد ذكر الشيخ (قدّس سرّه)(3) أنّه لم يخالف في اعتبار هذا الشرط إلاّ الفاضل القطيفي المعاصر للمحقّق الثاني حيث ذهب إلى عدم كون القدرة على التسليم شرطاً في أصل صحّة البيع ، ولا يخفى أنّه قد أجاد القطيفي فيما أفاده من عدم كون القدرة شرطاً في صحّة البيع كما ذكرناه في أوّل البحث ، إلاّ أنّه قد أخطأ في خصوص العبد الآبق حيث قال : إنّ قوله أي المحقّق (قدّس سرّه) في النافع « لو باع الآبق منفرداً لم يصحّ » إنّما هو مع عدم رضا المشتري أو مع عدم علمه الخ ، بداهة ورود الرواية في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة 5 : 1 .

(2) الوسائل 18 : 169 / أبواب الصرف ب2 ح8 .

(3) المكاسب 4 : 190 .

 
 

ــ[341]ــ

خصوص العبد الآبق بعدم جواز بيعه منفرداً بل لابدّ في صحّة بيعه من الضميمة وقد ألحقنا غيره به خلافاً للمشهور .

بقي في المقام فروع :

الأوّل : أنّه لا إشكال في صحّة البيع فيما إذا لم يكن البائع قادراً على التسليم ولكنّه كان المشتري قادراً على التسلّم ، لعدم الغرر كما هو الظاهر وعدم كونه مشمولا لقوله (صلّى الله عليه وآله) « لا تبع ما ليس عندك »(1) لما ذكرناه من أنّ اعتبار القدرة على التسليم ليس إلاّ من جهة حصول الشيء عند المشتري والمفروض تحقّقه عنده .

الثاني : إذا لم يكن كلّ من البائع والمشتري قادراً على التسلّم والتسليم ولكنّه علما بحصول النتيجة كما إذا باع أحد طيراً وقد طار ولكنّه كان من الطيور التي تعتاد العود ، فالظاهر صحّته كما عليه الشيخ وجماعة (قدّس سرّهم) والإشكال بأنّه لا قدرة على التسليم وأنّ عود الطائر غير مؤثّر فيه إذ ليس له عقل باعث في غير محلّه لأنّ المانع عن صحّته إمّا لزوم الغرر المفروض انتفاؤه لأنّ المفروض علمنا بالعود وليس المورد أيضاً مشمولا لقوله (صلّى الله عليه وآله) « لا تبع ما ليس عندك » لما ذكرناه من عدم الموضوعية للقدرة وإنّما اعتبرناها من باب المقدّمة على التسليم والتسلّم ولأجل حصول الشيء عند المشتري والمفروض أنّه سيحصل كما هو مورد الكلام .

الثالث : إذا لم يكن البائع ولا المشتري قادراً على التسليم والتسلّم مدّة لا يتسامح فيها عرفاً كسنة أو شهر أو شهرين ففي هذا المقام تكون المدّة تارة مضبوطة واُخرى غير مقدّرة بقدر بل كانت مجهولة ، ففي الصورة الاُولى يكون المشتري تارة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّم مصدره في الصفحة 333 .

ــ[342]ــ

عالماً بذلك واُخرى يكون جاهلا به ، وقد حكم الشيخ (قدّس سرّه)(1) بصحّة العقد في صورة العلم بلا خيار وفي صورة الجهل مع الخيار لأجل فوات منفعة الملك عليه مدّة .

ولا يخفى أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من صحّة العقد بلا خيار في صورة العلم متين لكون المقام بمنزلة اشتراط التأخير في التسليم ، يعني مرجع هذه الصورة إلى تلك الصورة أي صورة اشتراط تأخير التسليم ، إلاّ أنّ ما ذكره في صورة جهل المشتري بالحال من صحّة البيع مع الخيار لا وجه له ، بل البيع باطل لكونه غررياً ، بداهة أنّ الغرر ليس إلاّ عبارة عن احتمال الخطر وهو موجود ، وأيضاً يكون هذا المورد مشمولا لقوله (صلّى الله عليه وآله) « لا تبع » الخ بداهة أنّ البائع ليس له سلطنة حين العقد عليه كما هو واضح ، وأمّا فيما إذا لم تكن المدّة مضبوطة كالعبد المنفذ إلى الهند لأجل حاجة لا يعلم زمان قضائها فالظاهر بطلانه ، لوجود الغرر وصدق قوله (صلّى الله عليه وآله) « لا تبع ما ليس عندك » كما هو غير خفي . ومثل ذلك في عدم جواز البيع الدار التي تكون مسلوبة المنفعة مدّة لا يعلم أمدها .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net