الكلام في بيع العبد الآبق 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الثاني : البيع-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3211


الكلام في بيع العبد الآبق

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أنّ المشهور بين علمائنا عدم جواز بيع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 4 : 195 .

ــ[347]ــ

الآبق إلاّ مع الضميمة ، وقد علّل ذلك في الرواية(1) بأنّ الضميمة تقع في مقابل ما نقده في صورة عدم رجوع الآبق ، وعلّل عدم جواز بيع الآبق بأنّه مع اليأس عن الظفر بمنزلة التالف ، ومع احتماله بيع غرر منفي إجماعاً نصّاً وفتوى ، ثمّ بعد ذلك تعرّض (قدّس سرّه) لجعل الآبق ثمناً إلى آخر ما أفاده في المقام ، وتوضيح ما ذكره (قدّس سرّه) في هذه المسألة يظهر في ضمن مسائل.

الاُولى : أنّه صرّح في ضمن كلماته في المقام بأنّ المنفي في حديث الغرر هو ما كان غرراً في نفسه عرفاً مع قطع النظر عن الأحكام الشرعية الثابتة للبيع ، وعليه فلا يفيد اشتراط الخيار في مثل بيع الآبق أو اشتراط ضمان البائع إلى أيّام معيّنة ، لأنّ بيع الآبق محكوم بالغرر عرفاً ، وتمكّن المشتري من فسخ العقد بالخيار أو باشتراط الضمان حكم شرعي ثبت عليه ولا اعتبار به في الحكم بالبطلان بالحديث ، هذا .

ولا يخفى أنّ نهيه (صلّى الله عليه وآله) عن بيع الغرر من قبيل القضايا الحقيقية وإنّما يتوجّه مع تحقّق موضوعه وهو الغرر ، وتطبيق الغرر على مصاديقه أمر غير راجع إلى العرف ، لأنّه إنّما يتّبع نظره في خصوص مفاهيم الألفاظ دون باب التطبيقات ، لأنّها ثابتة على واقعها وتحقّق مواردها ومصاديقها ، ومن المعلوم أنّ المشتري إذا اشترط الخيار على البائع أو اشترط ضمانه عليه إن لم يوجد إلى عشرة أيّام مثلا لما توجّه عليه غرر أبداً ، لأنّ المفروض أنّه على خيار وله أن يفسخ المعاملة إذا كانت ضررية عليه فلا يشمله نهيه (صلّى الله عليه وآله) عن بيع الغرر لأنّه أمر خارج عن موضوعه ، ولا يفرق في ذلك بين أن يصدق عليه الغرر عرفاً أو لا يطلق عليه ذلك لعدم الاعتبار بنظره في التطبيقات ، وعليه فلا مانع من صحّة البيع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّمت في الصفحة 329 .

ــ[348]ــ

عند اشتراط الخيار أو الضمان كما حكي ذلك عن الاسكافي(1) فتكون المنافع الفائتة في المدّة المشترط ضمانه بعدها نظير بيع الشيء مسلوب المنفعة في المدّة المشروطة وهو لا يضرّ بالبيع .

الثانية : لا يخفى أنّ الوجه في الحكم بعدم جواز بيع الآبق ليس هو الغرر لعدم الغرر مع تمكّن المشتري من عتقه والانتفاع به بذاك ، ولا يلزم في صحّة البيع أن يكون المشتري قادراً على الانتفاع بالمبيع بجميع منافعه ، وذلك نظير بيع العبد المريض فإنّه يتمكّن من عتقه ولذا صحّ بيعه وإن كان لا يعلم أنّه يبرأ من مرضه حتّى ينتفع بجميع منافعه أو يموت ، كما لا يعلم في المقام أنّه يرجع إليه حتّى ينتفع به بسائر منافعه أو لا يرجع إليه ، وكيف كان فلا يحكم بالبطلان في المقام مستنداً إلى الغرر وإنّما الوجه في الحكم بعدم الجواز هو النصّ الوارد في عدم جواز بيع الآبق كما في رواية رفاعة النخّاس قال « قلت لأبي الحسن (عليه السلام) أيصلح أن أشتري من القوم الجارية الآبقة ـ إلى أن قال (عليه السلام) ـ لا يصلح شراؤها إلاّ أن تشتري منهم معها ثوباً أو متاعاً فتقول لهم : أشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهماً فإنّ ذلك جائز »(2).

وفي موثّقة سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في الرجل قد يشتري العبد وهو آبق عن أهله ؟ قال (عليه السلام) لا يصلح إلاّ أن يشتري معه شيئاً فيقول أشتري منك هذا الشيء وعبدك بكذا وكذا درهماً فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه »(3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حكاه عنه في المختلف 5 : 240 .

(2) الوسائل 17 : 353 / أبواب عقد البيع وشروطه ب11 ح1 .

(3) الوسائل 17 : 353 / أبواب عقد البيع وشروطه ب11 ح2 ولكن فيه « فيما اشترى منه  »  .

ــ[349]ــ

وبذلك يرتفع التنافي المتراءى في كلمات الشهيد في اللمعة(1) والعلاّمة في التذكرة(2) وذلك لأنّ الشهيد بعد ما جزم بعدم جواز جعل الآبق مثمناً تردّد في جواز جعله ثمناً ، قرّب الجواز أخيراً وحكم أيضاً بجواز بيع الضالّ أو المجحود مع أنّهما مشتركان مع الأول أي العبد الآبق في عدم القدرة على التسليم واستلزامه الغرر ، ولكنّك عرفت أنّ الوجه في الحكم بعدم الجواز في بيع الآبق إنّما هو النصّ وليس مستنداً إلى الغرر لعدم الغرر في بيع الآبق ، وبما أنّه ورد في خصوص بيع الآبق فلذا لا يتعدّى عنه إلى صورة جعله ثمناً أو إلى بيع الضالّ والمجحود ، وحكم بصحّتهما لانتفاء الغرر لتمكّنه من الانتفاع بهما بالعتق .

وأمّا العلاّمة فقد ادّعى أوّلا الإجماع على اشتراط القدرة على التسليم ليخرج البيع عن كونه بيع غرر ، ثمّ ذكر في مسألة بيع الآبق أنّ المشهور عدم الجواز ولم يدّع الإجماع فيها على البطلان ، ثمّ ذكر الضالّ ولم يحتمل فيه إلاّ جواز البيع ، فلا يرد عليه أنّ المسائل كلّها مشتركة في الحكم بالبطلان للغرر ولابدّ من دعوى الإجماع على عدم جوازها ، ولماذا فرّق بينها وادّعى الإجماع على البطلان في بعضها والشهرة عليه في بعضها الآخر واختار أو احتمل الجواز في ثالثها ، والوجه في عدم ورود ذلك عليه أنّ الوجه في الحكم بعدم الجواز في مسألة بيع الآبق هو النصّ دون الغرر فلا يشملها الإجماع القائم على بطلان بيع الغرر ، ولا مانع من دعوى الشهرة فيها لتغايرها عمّا انعقد عليه الإجماع ، كما لا مانع من احتمال الجواز في الضالّ لأنّه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ] لا يخفى أنّ الشهيد في اللمعة الدمشقية قرّب المنع من جعل العبد الآبق ثمناً ، اللمعة الدمشقية 3 : 251 [ .

(2) التذكرة 10 : 48 ـ 49 .

ــ[350]ــ

غير غرري والنصّ مختصّ بالآبق .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net