تصوير الاشاعة وبيع الكلّي في المعيّن - معنى القسمة وأنّها بيع أو إفراز حقّ 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الثاني : البيع-2   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3868


ثمّ إنّ الكلام يقع في تصوير الاشاعة وبيع الكلّي في المعيّن ، أمّا الاشاعة فهي على المعروف منهم عبارة عن التملّك للشيء في كلّ جزء خاص من أجزائه بالثلث أو النصف أو غيرهما من النسب ، فكلّ واحد من أجزائه متعلّق للملكية له بالثلث أو بالنصف المعيّن في الواقع المجهول ظاهراً . وقد تفسّر الاشاعة بأنّها عبارة عن التملّك للنسبة الكلّية كالنصف الكلّي مثلا القابل للانطباق على النصف الأخير للشيء أو نصفه الأوّل ، فإذا اشترى عبداً بنحو الشركة مع البائع في نصفه فهو مالك لنصفه الكلّي الصادق على كلّ واحد من النصفين ، هذا .

ولا يخفى عليك أنّه لا يمكن الالتزام بشيء من هذين المعنيين في المقام ، وهذا من دون فرق بين أن نقول بوجود الجزء الذي لا يقبل التجزّي في الخارج الذي يعبّر عنه بالجوهر الفرد أو نقول بعدم إمكان ذلك في الخارج ، لأنّ الجزء الخارجي ممّا

ــ[393]ــ

يتميّز شماله عن جنوبه وأنّه إذا اتّصل به خيط من طرف فهو يغاير الخيط المتّصل به من طرف آخر ، فلا محيص من أن يكون قابلا للقسمة وإن لم يكن لنا آلة لنقسمه إلى قسمين فعلا إلاّ أنّه في حدّ نفسه قابل للقسمة والتجزّي .

والوجه في عدم إمكان الالتزام بشيء من المعنيين هو أنّ البيع الواقع على الكلّي في الخارج وإن كان أمراً معقولا ومتداولا أيضاً إلاّ أنّه في باب الشركة غير ممكن ، وذلك لأنّ الشريكين مالكان للخصوصيات الموجودة في المال فإذا فرضنا أنّ كلا منهما إنّما ملك نصف المال على نحو الكلّي فمعناه أنّه لم يتملّك الخصوصيات كما هو معنى ملك الكلّي ، فحينئذ تقع الخصوصيات خارجة عن حيّز ملك الشريكين فتكون الخصوصيات ملكاً بلا مالك وهو أمر محال .

كما أنّ المعنى الأوّل أيضاً ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، لأنّ كون الشريك مالكاً لهذا النصف الشخصي دون النصف الشخصي الآخر ممّا يحتاج إلى مرجّح ، فأيّ شيء دلّ على أنّ هذا الشريك مالك لهذا النصف أو الثلث أو غيرهما دون النصف أو الثلث الآخر ، مثلا إذا فرضنا أنّهما اشتريا مالا بالشراكة أو انتقل إليهما مال من مورّثهما فصارا شريكين في المال ، فإن كان كلّ واحد منهما مالكاً لنصف المال على وجه الكلّي فلازمه أن تكون الخصوصيات ملكاً بلا مالك ، وإن كان كلّ واحد منهما مالكاً لنصف مشخّص فهو يحتاج إلى مملّك آخر حتّى يملك هذا النصف المعيّن لذاك دون الآخر ، والمفروض عدم المرجّح في البين وعدم دلالة دليل على أنّه مالك لهذا النصف المشخّص دون النصف الآخر ، فعليه لابدّ في المقام من تفسير الإشاعة بمعنى آخر وهو أن يقال إنّ المال من أوّله إلى آخره ملك لمالكين وهما قائمان مقام المالك الواحد ، فالوارثان كالمورّث مالكان للمال وقائمان مقامه ، فكما أنّه ملك لهذا الشريك كذلك ملك للشريك الآخر غاية الأمر أنّه ملك غير تام فهو مال للمجموع والمجموع كالواحد ، وبالجملة أنّ الملك لمّا كان من الاُمور الاعتبارية كان تصوير

ــ[394]ــ

الملك لشخصين ومالكين في غاية الوضوح فهو بأسره ملك لهذا كما هو بأسره ملك لذاك إلاّ أنّ المجموع من الشريكين منزل منزلة المالك الواحد ، وبه يندفع إشكال عدم تملّك الخصوصيات أو عدم المرجّح للتعيين .

وممّا يؤيّد ما ذكرناه : أنّ جزء المال تارة لا يكون مالا عند العرف بحيث لو قسّمناه إلى أجزاء لما كان شيء من تلك الأجزاء مالا وإنّما يصدق عليه المال فيما إذا اجتمعت دون صورة الافتراق وهذا كأعواد الشخّاط فإن كلّ واحد منها ليس بمال وإن كان مجموعها مالا ، بل ربما يخرج عن الملك أيضاً كما إذا قسّمناه إلى ألف جزء إذ العقلاء لا يعتبرون الملك فيه لصغره جدّاً ، وحينئذ فكيف يمكن أن يقال إنّه مالك لثلث هذا المال على نحو الكلّي أو على نحو التشخّص مع أنّ ثلثه أو ربعه خارج عن المالية والملكية ، فهل هو اشترى ما ليس بمال أو ملك ما ليس بملك ، وربما يكون المال المشترك من قبيل المنافع والحقوق وهما من البسائط حيث إنّها من الأعراض فكيف تقبل القسمة إلى نصفين أو الثلث ونحوهما وهذا كما إذا كان المورّث مالكاً لمنفعة أو كان له حقّ فانتقلا إلى ورثته ، والمنافع من قبيل الأعراض وهي من البسائط لا تقبل القسمة ، وهذا بخلاف ما ذكرناه من التفسير فإنّهما أي الشريكان يملكان المنافع بأجمعها لا بالقسمة كما عرفت ، وكيف كان فلا يمكن تصوير الاشاعة بشيء من الأمرين المتقدّمين .

وتوضيح ذلك : أنّ تفسيرها بالتملّك للنصف الكلّي أو بالثلث كذلك أو تفسيرها بالتملّك للنصف المعيّن في الواقع وعلم الله وغير المعيّن عند المتعاملين والشريكين الذي عبّرنا عنه بالنصف المشخّص أو الثلث كذلك ممّا لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، بل لا نتعقّل لها معنىً غير ما أشرنا إليه آنفاً وذكرنا أنّ الشركة والاشاعة إنّما هي عبارة عن كون الملك الواحد مملوكاً لمالكين أو أكثر غاية الأمر أنّه حينئذ ملك ناقص وغير تامّ .

ــ[395]ــ

وتوضيح ذلك : أنّ من اشترى نصف مال أو ربعه أو نحو ذلك فإنّما تنتقل إليه مالكية المال لكن لا بمجموعها بل بنصفها أو ربعها فهما مالكان للمال وكلّ منهما نصف مالك لتمام المال . وبعبارة أوضح : أنّ المالك تارةً ينقل إضافته المالكية للمال بتمامها إلى المشتري بمعنى أنّه يعدم إضافته إلى نفسه ويوجد علقة وإضافة اُخرى للمال إلى المشتري لما ذكرناه في أوائل البيع من أنّه لا معنى لتبديل الاضافة ونقلها إليه لتقوّمها بالمالك الأوّل والمال ، فلا يمكن تبديلها ونقلها إلى الغير فالبيع إعدام إضافة وإيجاد إضافة اُخرى ، فتارةً تكون الاضافة بتمامها منتقلة بالمعنى المتقدّم إلى المشتري واُخرى ينقل المالك الملكية الناقصة للمشتري ، والملكية وإن كانت من الاُمور الاعتبارية وهي كالأعراض غير قابلة للقسمة إلاّ أنّها تقبلها من جهة محلّها نظير البياض ومعروضه حيث إنّه غير قابل للقسمة في نفسه وقابل لها من جهة محلّه ، فإنّ البياض العارض لجزء من القرطاس يغاير البياض العارض للجزء الآخر ، وكذلك الملكية فإنّ موضوعها مجموع الشخصين وهي تنقسم بهذا الاعتبار ولا مانع من أن يعدم المالك الاضافة التي كانت بينه وبين المال ويوجد إضافة اُخرى قائمة بمجموع الشخصين ، وكذلك الحال في الوارثين فإنّهما يشتركان ويتملّكان التركة بهذا النحو المذكور ولعلّه ظاهر لا أنّ أحدهما مالك لكلّي الثلث أو النصف أو للثلث والنصف المعينين في الواقع والمجهولين عند المتبايعين .

ثمّ إنّه لا بأس بالتعرّض إلى بيان معنى القسمة وأنّ التقسيم هل هو بيع أو أنّه إفراز حقّ ، وقد ذهب العامّة(1) إلى الأوّل ، وخالفهم الخاصّة في ذلك وذكروا أنّه عبارة عن إفراز الحقّ ، وهذا أحد الموردين اللذين خالفنا فيهما العامّة بأسرهم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المغني 11 : 492 ، المجموع 20 : 172 .

ــ[396]ــ

وثانيهما باب الضمان حيث ذهب العامّة(1) إلى أنّه عبارة عن ضمّ ذمّة إلى ذمّة وذكر أصحابنا أنّه عبارة عن نقل المال من ذمّة إلى ذمّة اُخرى .

فنقول : إن أراد الخاصّة ظاهر ذلك الكلام والتزموا بأنّها عبارة عن إفراز الحقّ بمعنى أنّ الحقّ كان غير معيّن في الواقع ومجهولا في نفس الأمر فيتعيّن بالقسمة فلا يمكن المساعدة عليه أبداً ، لما ذكرناه من أنّ كون الحقّ غير معيّن إنّما ينطبق على بيع الكلّي في المعيّن ولا يأتي في الاشاعة والشركة لما مرّ من عدم صحّة تفسير الاشاعة بالملك الكلّي في النصف ونحوه بل الحقّ معيّن في الواقع لا إبهام فيه حتّى يتعيّن بالقسمة ، وقد مرّ أنّ الاشاعة والشركة عبارة عن تملّك جميع المال بالربع أو النصف على الوجه المختار ، أو عبارة عن تملّك الحصّة المعيّنة في الواقع وإن كانت مجهولة عندنا ، وعند القسمة إذا اُعطي لأحدهما إحدى الدارين المشتركتين بينهما وللآخر اُخرى كيف يكون هذا إفراز حقّ بل يكون من قبيل تبديل الملك غير التام إلى التام لأنّه مالك مستقلّ في الدار المنتقلة إليه بالقسمة أو تبديل للملك في بعض أجزاء إحدى الدارين بالملك في بعض أجزاء الدار الاُخرى وهذا لا يكون إفرازاً للحقّ بل تبديلا ومعاملة ، نعم لا بأس بما ذكروه في مثل الخمس والزكاة بناءً على أنّهما يتعلّقان بالكلّي ويفرزان بتقسيم المالك وتعيينه ، وكيف كان فلا يمكن المساعدة لما هو ظاهر هذا العنوان .

وإن أرادوا من ذلك ما هو خلاف ظاهر العنوان كما هو الظاهر بأن يريدوا بذلك ردّ مقالة العامّة وأنّها ليست بيعاً ومعاملة لتجري فيها أحكام البيع من خياري المجلس والحيوان ونحوهما بل هي معاملة اُخرى مستقلّة في حدّ نفسها فهو صحيح ولا مناص عن الالتزام به ، وذلك لما ذكرناه في المعاطاة من أنّه لا مانع من تصوير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المغني لابن قدامة 5 : 70 ، 83 ، المجموع 14 : 24 ، المهذّب 2 : 307 .

ــ[397]ــ

معاوضة لا تكون بيعاً ولا شيئاً آخر من المعاملات المتعارفة ، ولا مانع أيضاً من أن تشملها العمومات نحو (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وذلك كما إذا تبادلا بمالين من دون ملاحظة المالية في شيء منهما بأن أعطى كتاباً وأخذ كتاباً آخر من غير ملاحظة المالية بينهما فإنّها حينئذ خارجة عن البيع إذ لا بائع فيه ولا مشتري حينئذ ، ولا يتعيّن أحدهما عن الآخر حتّى في علم الله تعالى ، إذ لا واقع له حتّى يتعيّن فيه ومع ذلك تشمله عمومات أدلّة العقد والتجارة ، وحينئذ نقول : إنّ تبديل الملك الناقص بالملك التامّ أو تبديل الملك في بعض أجزاء أحد المالين بالملك في بعض أجزاء المال الآخر معاوضة مستقلّة في قبال البيع ونحوه ولا مانع من أن تشملها عمومات أدلّة العقد والتجارة وإن كانت خارجة عن البيع ولا تجري فيها أحكام البيع بوجه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net