كيفية تصوير الغبن من الجانبين - مبدأ خيار الغبن 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الثالث : الخيارات-1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2822


وكيف كان فلابدّ من ملاحظة كل حكم وكل واحد من الموضوعات فعند تحقق شيء منها يحكم بتحقق حكمه كان الموضوع هو الضرر أو أمراً آخر ، وعليه فلابدّ من أن يكون الضرر شخصياً في كل واحد من العبادات والمعاملات ، نعم لا مانع من أن يكون الضرر أو الحرج النوعي مثلا حكمة في تشريع بعض الأحكام وهذا كما في قوله (صلّى الله عليه وآله) « لولا أن أشق على اُمّتي لأمرتهم بالسواك »(1)حيث إنّ عدم تشريع وجوب السواك مستند إلى حكمة الحرج النوعي ، وما ورد في الحديد من أنّ الحكم بطهارته من جهة أنّ الحكم بنجاسته يوجب الحرج نوعاً فترى أنّ الحرج أو الضرر نوعاً كان من المصالح والحكم الداعية إلى حكم الشارع بالطهارة أو عدم تشريعه الوجوب ، إلاّ أنّ البحث في المقام فيما إذا كان الضرر أو الحرج موضوعاً للحكم وحينئذ ندّعي أنّ فعلية ذلك الحكم المترتّب على الضرر يدور مدار فعلية الضرر في حق كل واحد من المكلّفين ، وهذا غير باب كون الضرر أو الحرج حكمة في ترتيب الأحكام على موضوعاتها .

إشكال : نقل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) عن الروضة والمسالك في أقسام الغبن ، أنّ المغبون إمّا أن يكون هو البائع أو المشتري أو كلاهما ، وقد وقع الاشكال في تصوير الغبن من كلا الطرفين ، فذهب بعضهم إلى استحالة ذلك من جهة أنّ الثمن لا يمكن أن يكون أقل من القيمة السوقية وأكثر منها ، وذهب بعض آخر إلى امكانه ، وما ذكروا في تصويره وجوه :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2 : 17 / أبواب السواك ب3 ح4 .

(2) المكاسب 5 : 172 .

ــ[325]ــ

منها : ما نقله(1) عن المحقق القمّي (قدّس سرّه)(2) من أنّ ذلك إنما يتصور فيما إذا باع متاعه بأربعة توامين مع أنّ قيمته في السوق خمسة ، واشترط البائع على المشتري أن يعطي بدل أربعة توامين ثمانية دنانير لأنها مساوية للأربعة حينذاك ، مع أنّ ثمانية دنانير تسوى في السوق بخمسة توامين ، وحينئذ يكون البائع مغبوناً لأنه باع ماله بأربعة والحال أنه يسوى بخمسة ، ويكون المشتري أيضاً مغبوناً من جهة أنه أعطى ثمانية دنانير في مقابلة أربعة توامين والحال أنها تسوى بخمسة توامين فكلاهما مغبونان .

وقد أجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّ المناط في الضرر في المعاملة ملاحظة المبيع بجميع قيوده وشروطه منها النقد والنسيئة ، فإنّ المال إذا بيع بقيمة معيّنة نقداً ربما يكون موجباً للضرر ، وأمّا إذا بيع بتلك القيمة نسيئة فلا تكون ضررية ، ومنها شروط الفعل فإنّ المعاملة بدون شرط مثل الخياطة ربما تكون ضررية وأمّا معها فتكون نافعة ، وكيف كان فلابدّ من ملاحظة مجموع الثمن والخصوصيات والشروط ، فإذا لاحظنا المتاع بشرط تبديل الأربعة إلى ثمانية دنانير فلا نرى فيها ضرراً ولا غبناً على البائع بوجه فيكون المغبون هو المشتري فقط ، ثم أوضح ذلك بأنّ الشروط في ضمن المعاملات إمّا أن تكون جزءاً فتكون المعاملة المشروط فيها معاملة واحدة فلابدّ فيها من ملاحظة مجموع الثمن والشرط والفرض أنّ قيمة مجموعهما لا تنقص عن القيمة السوقية فإمّا لا غبن فيها لأحد أصلا ، وإمّا هي غبنية لأحدهما خاصّة ، وإمّا أن يكون الاشتراط معاملة مستقلّة كما ذكره بعضهم من أنّ الشرط التزام في ضمن التزام ، وحينئذ لابدّ من ملاحظة كل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ] ما نقله الشيخ عن المحقق يختلف عن المذكور هنا فلاحظ [ .

(2) المكاسب 5 : 172 ، جامع الشتات 2 : 59 ـ 60 ، المسألة 48 .

ــ[326]ــ

واحد من المعاملتين والمفروض أنّ معاملة الشرط غبنية للمشتري خاصة والمعاملة الاُولى غبنية للبائع فقط ، فليس هناك معاملة واحدة غبنية لكل واحد من البائع والمشتري .

ومنها : ما ذكره بعضهم من فرض ذلك فيما إذا باع شيئين في معاملة واحدة أحدهما بأزيد من قيمته السوقية وثانيهما بأنقص منها كما إذا باع مجموع الرسائل والمكاسب بثلاثة دنانير على أن يكون ثمن الرسائل نصف دينار والحال أنه يسوى بدينار ، وثمن المكاسب دينارين ونصفاً والحال أنه يسوى بدينارين ، ففي هذه المعاملة الواحدة البائع مغبون في الرسائل والمشتري مغبون في المكاسب .

والجواب عن ذلك : يظهر مما ذكرناه في الوجه السابق وهو أنّ هذه المعاملة الواحدة بحسب الصورة إمّا أن تنحل إلى معاملتين مستقلّتين في الحقيقة وإنما جمعا بحسب اللفظ فقط ، فحينئذ هناك بيعان والبائع في أحد البيعين مغبون كما أنّ المشتري في البيع الآخر مغبون ، وليس هناك بيع واحد يكون كل من البائع والمشتري فيه مغبوناً ، وإمّا أن تكون معاملة واحدة حقيقة وحينئذ فلا غبن أصلا ، لأنّ مجموع الرسائل والمكاسب بحسب القيمة السوقية يسوى بثلاثة دنانير ، دينار للأول وديناران للثاني حسب الفرض ، والفرض أنه باعهما بتلك القيمة أيضاً ، غاية الأمر فرض قيمة أحدهما نصف دينار والآخر دينارين ونصفاً ومجموعهما ثلاثة دنانير فالمتحصّل أنه لا غبن في المعاملة حينئذ فلو كان فهو لأحدهما لا لكليهما .

ومنها : ما ذكره بعض آخر من تصوير ذلك فيما إذا كان قيمة المال مختلفة في مكانين ونفرضهما داخل البلد وخارجه كما إذا حواها العسكر وحصل الغلاء خارج البلد وفرضنا أنّ قيمة الطعام في البلد ديناران وفي خارج البلد أربعة دنانير وقد اشترى واحد من أهل البلد طعاماً ممن هو خارج البلد بثلاثة دنانير التي هي حد متوسط بين قيمتي الخارج والداخل ، فإنّ البائع في تلك المعاملة مغبون بحسب قيمة

ــ[327]ــ

مكانه وهو خارج البلد ، لأنّ قيمة الطعام فيه أربعة دنانير وقد باعه بثلاثة ، كما أنّ المشتري فيها مغبون لأنّ قيمته بحسب مكان نفسه وهو داخل البلد أكثر إذ المفروض أنّ قيمته في داخل البلد ديناران ، وكذا يمكن فرض ذلك بحسب البلدين .

والجواب عن ذلك : أنّ المبيع حينئذ أي شيء ، فإن كان المبيع هو الطعام خارج البلد فالمغبون حينئذ هو البائع فقط وإنما تنزّلت قيمته بنقل المشتري إيّاه إلى مكان الرخص ، وإن كان المبيع هو الطعام داخل البلد فالمشتري هو المغبون فليس هناك معاملة واحدة غبنية بالاضافة إلى كلا المتبايعين .

ومنها : ما ذكره في مفتاح الكرامة(1) وقد صوّر الغبن من الجانبين في الحكم الظاهري كما إذا باع متاعه بقيمة فتداعيا وادّعى البائع أنّ قيمته السوقية أكثر وادّعى المشتري أنّ قيمته السوقية أقل ولم يتمكنا من الرجوع إلى السوق ، أو إذا باع فرساً بعبد فادّعى مالك العبد أنه يسوى بفرسين وادّعى مالك الفرس أنّ فرسه يسوى بعبدين مع عدم التمكّن من المراجعة إلى السوق كما إذا وقعت المعاملة في البرّ  ، فإذا تداعيا فيتحالفان لما ذكرنا سابقاً من أنّ منكر الغبن هو الذي يوافق قوله الأصل فيحلف كل واحد منهما وبذلك يثبت الغبن لكل واحد منهما ، كذا ذكره .

وفيه أوّلا : أنّ الكلام في الغبن الواقعي بالاضافة إلى المتبايعين دون الغبن الظاهري .

وثانياً : أنّ ثبوت الغبن بحلف كل واحد منهما إنما يبتني على ما تقدم من أنّ المدّعي إذا لم يتمكن من إقامة البيّنة على مدّعاه خصوصاً في أمثال المقام مما لا يعلم إلاّ من قبل المتبايعين إذا حلف يثبت به مدّعاه ، وحينئذ إذا حلف كل واحد منهما على غبنه فلا محالة يثبت به غبنه ، ولكنّك عرفت فساد هذا المبنى وأنه لم يقم دليل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مفتاح الكرامة 10 : 986 .

ــ[328]ــ

على أنّ حلف المدّعي يوجب ثبوت مدّعاه على تقدير عدم تمكنه من إقامة البيّنة على مدّعاه ، بل الحلف متوجه إلى منكر الغبن فبما أنهما ينكران غبن الآخر فيحلف كل منهما على عدم غبن الآخر وبه يرتفع غبنهما ولا يثبت الخيار لهما .

والمتحصّل : أنّ تصوير الغبن من الجانبين غير ممكن ، نعم لا مانع من تصوير الغبن بالمعنى الأعم من زيادة القيمة والخديعة في الجانبين ، وهذا كما إذا شاهد العين في زمان ورأى أنها سمينة تسوى بأربعة دنانير ثم اشتراها بتلك القيمة والحال أنها تسوى في السوق بخمسة دنانير إلاّ أنها ظهرت غير سمينة ، أو أنّ البائع أخبره بوزن المبيع ثم ظهر أنه أنقص مع أنه يسوى في السوق بأكثر مما اشتراه ، فإنه يوجب غبن البائع لأنّ المفروض أنه باعه بأقل من القيمة السوقية ، كما يوجب غبن المشتري لأنه خُدع واُعطي المهزول بدل السمين أو الناقص عوض الكامل ، فلكل واحد منهما الخيار حينئذ .

والذي ينبغي أن يقال بعد إلغاء لفظة الغبن من البين إذ لا كلام لنا في الألفاظ أنّ المدرك لهذا الخيار إن كان هو ما ذكرناه من اشتراط التساوي ضمناً بحسب الارتكاز فيستحيل حصول الغبن لكلا المتبايعين ، إذ لا يعقل أن تكون القيمة زائدة عن القيمة السوقية وناقصة عنها ، وأمّا إذا كان المدرك هو قاعدة نفي الضرر فيمكن تصوير الضرر للمتبائعين في معاملة واحدة ، وهذا كما إذا باع خشباً واشترط عليه المشتري أن يكون ذلك الخشب من أخشاب داره ثم ظهر أنّ قيمة الخشب في السوق أقل ، فإنّ البائع يتضرر حينئذ من جهة أنّ العمل بالشرط يوجب خراب داره وهدمها حتى يخرج منها الخشب الموضوع في سقفها ويدفعه إلى المشتري وهذا أمر ضرري وهو ظاهر ، ومثل هذا الاشتراط من الشروط غير المقابلة بالمال عرفاً  ، فإنّ الخشب لا يفرق عند العقلاء بين أن يكون خشب داره أو يكون من سائر الأخشاب فلا يوجب ذلك زيادة في الثمن ، إلاّ أنّ العمل بهذا الاشتراط

ــ[329]ــ

موجب لتضرّر البائع وهو ظاهر ، كما أنّ المعاملة ضررية للمشتري إذ المفروض أنّ قيمة الخشب في السوق أقل فلا محالة يثبت لهما الخيار .

القول في مبدأ خيار الغبن

قد وقع الخلاف في أنّ ظهور الغبن شرط شرعي في حدوث الخيار أو أنه كاشف عقلي عن حدوثه حين العقد ، بمعنى أنّ الخيار هل يثبت من زمان العقد حتى يكون العلم بالغبن كاشفاً وطريقاً إلى ثبوته من الابتداء ، أو أنه يثبت من زمان العلم بالغبن فله موضوعية وهو شرط في ثبوته ولا خيار قبله ، وكلمات الأصحاب مختلفة في المقام فمنهم من ذهب إلى ثبوته من الابتداء ومنهم من قال بحدوثه حين العلم بالغبن ، وقد تصدّى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) للجمع بين كلماتهم وحمل كلام القائلين بحدوثه من الابتداء على إرادة ثبوت الحق الواقعي ، وحمل كلام القائلين بحدوثه من حين العلم بالغبن على إرادة السلطنة الفعلية التي بها يقتدر على الفسخ أو الامضاء ، ثم تعرّض (قدّس سرّه) إلى بيان الآثار المجعولة للخيار وقسّمها إلى قسمين قسم يترتّب عليه من زمان العقد وقسم يترتّب عليه من حين العلم بالغبن ، هذا .

ولا يخفى أنّا ذكرنا سابقاً أنّ الخيار معناه الحق والسلطنة والمعبّر عنها بملك فسخ العقد ، ولا معنى للخيار إلاّ ذلك ، وعليه فمن قال بثبوت الخيار من حين العقد فلا محالة يلتزم بثبوت السلطنة الفعلية وملك الفسخ من زمان العقد ، كما أنّ من ذهب إلى ثبوته من حين العلم بالغبن يلتزم بثبوت تلك السلطنة والملك من زمان العلم بالغبن ، وحينئذ فلا يبقى مجال للجمع بين كلماتهم بحمل الاُولى على إرادة الحق الواقعي والثانية على إرادة السلطنة ، إذ قد عرفت أنّ معنى الخيار ليس إلاّ السلطنة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 176 ـ 178 .

ــ[330]ــ

والملك على الفسخ فما معنى إرادة الحق دون السلطنة ، نعم إعمال تلك السلطنة لا محالة يتوقف على العلم بالغبن كما يتوقف على العلم بالخيار في مثل خياري المجلس أو الحيوان ، وهذا لا ينافي ثبوت السلطنة من حين العقد كما في خياري المجلس والحيوان المتقدّمين .

فالمهم هو التكلّم في مقامين : أحدهما في أنّ الخيار هل يثبت من حين العقد أو من زمان العلم بالغبن . وثانيهما : في الآثار المترتّبة على هذا الخيار وأنها هل تترتّب عليه من حين العقد أو من زمان العلم بالغبن .

أمّا المقام الأول : فملخّص الكلام فيه أنّ العمدة في مدرك هذا الخيار أمران : أحدهما : قاعدة نفي الضرر كما تمسك بها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ولعلّه المعروف بين المتأخرين . وثانيهما : ما ذكرناه من الشرط الضمني الارتكازي بتقريب أنّ كلا من المتبايعين حسب ارتكازه يشترط التساوي على الآخر ، فالبائع يشترط عدم النقيصة في الثمن والمشتري يشترط عدم الزيادة فيه ، وهذان الوجهان هما العمدة في هذا الخيار ، ومقتضى كليهما ثبوت الخيار من الابتداء .

أمّا قاعدة نفي الضرر فلأنها تنفي الضرر الواقعي سواء علم به الشخص أم لم يلتفت إليه أصلا ، ولا ينبغي الاشكال في أنّ لزوم المعاملة الغبنية ضرر على المغبون من الابتداء وعلمه وجهله لا يرفع الضرر الواقعي .

وأمّا الاشتراط الضمني فلأجل أنّ المعاملة الغبنية فاقدة للتساوي من الابتداء والشرط متخلّف فيها من حين العقد ، فلازم ذلك أن يكون الخيار ثابتاً للمغبون من حين العقد والمعاملة لا من زمان العلم بالغبن ، غاية الأمر أنّ إعمال سلطنته يتوقف على العلم بالغبن والخيار نظير العلم بالخيار في خياري المجلس والحيوان .

وبالجملة : أنّ الموضوع للخيار بناءً على هذين الوجهين إنما يصير فعلياً حين

ــ[331]ــ

تحقق العقد وبفعلية الموضوع يكون الحكم أيضاً فعلياً ، إذ لا معنى لفعلية الضرر والتخلّف حين العقد وعدم فعلية حكمهما في ذلك الزمان وكونه فعلياً بعد زمان العلم بالغبن ، وعليه فلابدّ من فعلية الحكم أعني الخيار حين العقد وهو ظاهر .

نعم ، لو استندنا في هذا الخيار إلى غير الوجهين المتقدّمين واعتمدنا فيه على الرواية النبوية الواردة في تلقّي الركبان المشتملة على أنهم بالخيار إذا دخلوا السوق فظاهرها ثبوت الخيار من حين العلم بالغبن بتقريب أنّ المراد بقوله (صلّى الله عليه وآله) « إنهم بالخيار إذا دخلوا السوق »(1) ليس هو تعليق الخيار على خصوص الدخول بالسوق بأن يكون للدخول في السوق موضوعية في ثبوت الخيار كما ذهب إليه الحلّي على ما نقله عنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2) وإلاّ فلازم ذلك أن لا يحكم لهم بالخيار فيما إذا علموا بالقيمة السوقية قبل دخول السوق وظهر أنهم مغبونون ، مع أنه مما لا يمكن المساعدة عليه ، إذ الظاهر من الرواية أنّ الدخول بالسوق من باب الانكشاف وظهور الغبن ، فكأنّ معناها أنهم بالخيار إذا تبيّن غبنهم وظهر أنهم مغبونون ، وعليه فيكون ظاهر الرواية دليلا على أنّ الخيار إنما هو من زمان ظهور الغبن لا محالة ، وكذلك الحال إذا كان المدرك هو الاجماع فإنّ المقدار المتيقّن منه هو الخيار بعد ظهور الغبن .

والجواب عن ذلك أوّلا : أنّ الرواية ضعيفة السند ولا أثر منها في كتب أصحابنا الامامية ، ولا يمكن انجبار ضعفها لعدم اعتماد الأصحاب عليها في خيار الغبن ، لأنهم إنما تمسكوا في إثباته بالوجهين المتقدمين وغيرهما من الوجوه .

وثانياً : أنّ الرواية ضعيفة بحسب الدلالة أيضاً ، وذلك لأنّ المراد بظهور الغبن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّم تخريجه في الصفحة 283 .

(2) المكاسب 5 : 177 ، التذكرة 11 : 69 .

ــ[332]ــ

وتبيّنه ليس هو التبيّن بما أنه موضوع في الحكم بالخيار ، بل إنما اُخذ من باب الطريقية إلى الغبن الواقعي ، واستعمال التبيّن والانكشاف وإرادة الطريقية منها كثير في المحاورات العرفية وموجود في الكتاب العزيز أيضاً وهو قوله تعالى (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الاَْبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الاَْسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ)(1) مع أنّ التبيّن لا موضوعية له في حرمة الأكل وإنما اُخذ طريقاً إلى واقع الفجر وهو الموضوع في حرمة الأكل . وأمّا الاجماع فهو مدركي وليس بحجّة . فالمتحصّل أنه لا ينبغي الاشكال في أنّ الخيار يحدث من زمان العقد لا من زمان ظهور الغبن .

وأمّا المقام الثاني فنقول : إنّ من جملة الآثار إرث هذا الخيار فيما إذا مات مورّثه قبل أن يعلم بالغبن ، فعلى ما ذكرناه ينتقل الخيار إلى وارثه لعموم ما تركه الميت فلوارثه ومنها حق الخيار ، نعم بناء على أنّ الخيار يحدث حين العلم بالغبن لا يمكن الحكم بانتقال الخيار للوارث لأنه بعد لم يثبت في حق مورّثه ، إذ المفروض أنه مات قبل ظهور غبنه فلم يثبت له حق حتى ينتقل إلى وارثه .

ومنها : جواز التصرف للغابن قبل انكشاف الغبن للمغبون ، فربما يقال إنّ جواز التصرفات للغابن في تلك المدة قبل علم المغبون بالغبن يدل على أنّ الخيار يحدث من حين العلم بالغبن ، إذ لو كان ثابتاً من حين العقد لما جاز لمن عليه الخيار أن يتصرف في المال في زمان الخيار ، وذلك لأنّ المعروف عدم جواز التصرف لمن عليه الخيار في مدّة الخيار ، فحيث حكموا بجواز تصرفات الغابن في المقام قبل ظهور الغبن فمنه يستكشف أنّ الخيار يحدث من حين العلم بالغبن .

وفيه : أنّ هذا الاستكشاف إنما يصح فيما إذا كانت المسألتان كلتاهما إجماعيتين  : إحداهما عدم جواز التصرف لمن عليه الخيار في زمن الخيار ، وثانيتهما  :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 187 .

ــ[333]ــ

جواز التصرف للغابن قبل علم المغبون بالغبن ، فإذا كانت كلتا المسألتين إجماعية فيمكننا استكشاف أنّ الخيار من حين العلم بالغبن بترتيب قياس استثنائي بتقريب أنه لو كان الخيار ثابتاً من حين العقد لما جاز للغابن أن يتصرف في المال قبل العلم بالغبن ، ولكن التصرف للغابن قبل العلم بالغبن جائز ، فليس الخيار ثابتاً من حين العقد بل إنما يحدث من زمان العلم بالغبن .

إلاّ أنّ المسألتين كلتيهما خلافيتان ، وليس عدم جواز التصرف لمن عليه الخيار أمراً اتّفاقياً بل هي مسألة خلافية ، فمنهم من ذهب إلى عدم الجواز مطلقاً ومنهم من قال بجوازه كذلك ومنهم من فصّل بين البيع الخياري المشروط برد مثل الثمن فلا يجوز وبين غيره فيجوز ، كما أنّ جواز التصرف للغابن قبل العلم بالغبن ليس أمراً مسلّماً عندهم وإنما ذهب إليه بعض الأصحاب ومع ذلك كيف يصح استكشاف أنّ الخيار من زمان العلم بالغبن من مجرد جواز التصرف للغابن قبل العلم بالغبن ، ولعلّ من ذهب إلى ذلك يرى أنّ الخيار من حين العلم بالغبن كما يحتمل أن يقول بثبوت الخيار من حين العقد ، ولكنه لا يرى عدم جواز التصرف لمن عليه الخيار في زمن الخيار بل يرى جوازه ، وكيف كان فمع هذا الاختلاف لا يمكننا استكشاف أنّ الخيار يحدث من زمان العلم بالغبن من مجرد فتوى بعضهم بجواز تصرف الغابن قبل علم المغبون بالغبن .

نعم ، الانصاف أنه لا وجه للحكم بعدم الجواز في المسألة الاُولى وهي جواز التصرف لمن عليه الخيار في زمن الخيار ، وذلك لأنّ الخيار ليس حقاً متعلّقاً بالعين وإنما هو حق تعلّق بالعقد ، والعين ملك من عليه الخيار فله أن يتصرف في ملكه حتى باتلافه ، فإذا فسخ صاحب الخيار فيرجع إلى بدله إلاّ في مثل البيع المشروط برد الثمن للعلم الخارجي فيه بأنّ بناء المتعاملين على عدم التصرف في العين بنقلها وبيعها  ، بل لابدّ من إرجاع نفس العين عند رد مثل الثمن ، إذ لأجل التحفّظ على بقاء

ــ[334]ــ

العين أقدم على البيع بشرط ردّ الثمن ، وعليه فلا مانع في المقام من أن يحكم بجواز تصرفات الغابن في المال قبل ظهور الغبن مع البناء على أنّ الخيار يحدث من زمان العقد .

ومنها : تلف المبيع قبل ظهور الغبن فإنّ ظاهر الأصحاب أنّ تلفه من المغبون فلو كان الخيار ثابتاً من حين العقد لكان اللازم أن يكون تلف المبيع من الغابن لاتّفاقهم على أنّ تلف المبيع في زمن الخيار ممن لا خيار له ، فمن حكمهم بأنّ التلف من المغبون يستكشف أنّ الخيار يحدث بعد العلم بالغبن حتى لا يكون المغبون في زمان التلف ممن له الخيار ، هذا .

ولكنّك عرفت سابقاً أنّ كون التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له ممّا لم يرد في لسان دليل ، وإنما ورد ذلك في خصوص خياري الحيوان وشرط أيام معدودة  ، فإن تعدّينا منهما إلى كل خيار فلازم ذلك أن نحكم في المقام أيضاً بأنّ تلف المبيع قبل العلم بالغبن من الغابن لأنه ليس له خيار ، وإن لم نتعد منهما إلى غيرهما فلا نحكم بذلك لا في خيار الغبن ولا في غيره من الخيارات إلاّ في خياري الحيوان والشرط . وبالجملة على تقدير صحة التعدّي منهما إلى سائر الخيارات نلتزم في المقام بأنّ تلف المبيع من الغابن وهذا مما لا محذور فيه .

فالمتحصّل : أنّ جميع آثار الخيار تترتّب على العقد من حين صدوره ، فمنه يظهر الاشكال فيما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) في المقام من أنّ بعض الآثار يترتّب عليه بعد العلم بالغبن وبعضها الآخر يترتّب عليه من حين صدوره وذلك لما مرّ من أنّها بأجمعها تترتّب عليه من حين صدوره ، هذا .

وقد بقي من الآثار تصرّف المغبون قبل ظهور الغبن وهل يكون تصرفه في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المكاسب 5 : 178 .

ــ[335]ــ

المال مسقطاً للخيار أو لا ؟ فإن قلنا بأنّ التصرف مسقط تعبّدي كما التزمنا بذلك في خصوص التصرف في خيار الحيوان حيث قلنا إنّ تقبيل الجارية ونحوه موجب لسقوط خيار الحيوان تعبّداً وإن لم يقصد به سقوطه ولم يكن راضياً به ، فلا محالة نلتزم في المقام أيضاً بسقوط خيار الغبن بتصرفات المغبون قبل العلم بالغبن .

وأمّا إذا قلنا باسقاطه بالتصرفات من باب أنها تكشف عن رضا المتصرف بالبيع لا من باب التعبّد كما هو كذلك في غير خيار الحيوان ، فلا يمكن القول بسقوط الخيار في المقام بتصرف المغبون قبل ظهور الغبن ، والوجه فيه أنه مع الجهل بالغبن لا يكون تصرفه كاشفاً عن رضاه بالغبن فلا يسقط به خياره ، هذا .

ثم إنّ ما ذكرناه في الغبن من ترتّب الآثار وتحقق الخيار من زمن العقد يأتي في كلّ خيار ثابت بالاشتراط كخياري الرؤية والعيب من حيث الخيار لا من حيث أخذ الأرش فإنه ثابت بالأخبار ، وأمّا نفس خياري العيب والرؤية فهما ثابتان بالاشتراط الضمني من دون حاجة إلى الأخبار ، فإذا اشترى شيئاً برؤيته السابقة ولم يكن المبيع باقياً على ما رآه المشتري فلا محالة يثبت له الخيار من حين العقد لأنه مشروط ببقاء العين على ما كانت عليه فبتخلّفه يثبت له الخيار وإن لم يعلم به المشتري ، هذا .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net