3 ـ التقليد في موارد استناد المجتهد إلى الأمارات 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2787


ــ[203]ــ

   التنبيه الثالث : لا شبهة في جواز الرجوع إلى المجتهد فيما إذا علم بالأحكام الشرعية علماً وجدانياً ، لأنه يصدق عليه الفقيه لعلمه بالأحكام الشرعية حقيقة والرجوع إليه من رجوع الجاهل إلى العالم والفقيه ، وكذلك الحال فيما إذا لم يكن عالماً بها بالوجدان إلاّ أنه استنبطها من الأمارات المعتبرة شرعاً ، فإنه أيضاً لا إشكال في الرجوع إليه بناءً على ما هو الصحيح من أن اعتبار الحجج والأمارات من باب الطريقية والكاشفية وجعل ما ليس بعلم علماً ، بلا فرق في ذلك بين الحجج التأسيسية والامضائية وإن لم نعثر إلى الآن على ما يكون حجة تأسيسية لأنها إمضائية بأجمعها والشارع يتصرف فيها بإضافة قيد أو حذفه ، فإن المجتهد وقتئذ عالم بالأحكام الشرعية كما أنه فقيه وإن كان علمه بها علماً تعبدياً لا وجدانياً ، ولا فرق بين العلم الوجداني والتعبدي بعد شمول الأدلة القائمة على جواز التقليد لمن استنبط الأحكام من الأمارات الشرعية لصدق أنه فقيه وعالم بالأحكام تعبداً .

   وأما بناءً على ما نسب إلى المشهور من الالتزام بجعل الحكم المماثل على طبق مؤدى الأمارات ، فأيضاً لا كلام في جواز الرجوع إليه ، لأن المجتهد على هذا المسلك عالم بالأحكام الظاهرية وإن لم يكن عالماً بالحكم الواقعي ، ومن هنا قالوا إن ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم ، وبهذا دفعوا المناقشة المعروفة في أخذ العلم بالأحكام الشرعية في تعريف الفقه ، بأن الأحكام الشرعية بأكثرها ظنية . نعم ، ذكرنا في محلّه أن جعل الحكم المماثل في موارد الطرق والأمارات مما لا أساس له ، لما أشرنا إليه من أن الحجية إمضائية ولا يعتبر العقلاء جعل الحكم المماثل في شيء من الحجج ، وإنما يعاملون معها معاملة العلم فحسب .

   ثمّ لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا أن الحجية في السند بمعنى جعل الحكم المماثل فلا مجال للالتزام به في حجية الدلالة ، لأنها تستند إلى حجية الظهور ولا شبهة في أنها عقلائية ، وقد عرفت أن العقلاء لا يعتبرون في الحجية جعل المماثل بوجه والاستنباط وإن كان يتوقف على كل من حجية السند والدلالة ، إلاّ أن الحجية في الدلالة ليست بمعنى جعل المماثل قطعاً ، فالقول بذلك لا يبتني على دليل ، إلاّ أ نّا لو قلنا بذلك جاز تقليد المجتهد لصدق أنه فقيه وعالم بالأحكام كما عرفت ، ولعلّ هذا مما لا إشكال فيه .

ــ[204]ــ

   وإنما الكلام فيما لو سلكنا مسلك صاحب الكفاية (قدّس سرّه) وقلنا إن المجعول في باب الحجج والأمارات هو المعذّرية أو المنجّزية دون الطريقية ولا الحكم المماثل ، فإن المجتهد حينئذ ليس بعالم بالأحكام الواقعية ولا الظاهرية ، كما أنه ليس بفقيه ومعه كيف يسوغ تقليده وهل هذا إلاّ من رجوع الجاهل إلى جاهل مثله ؟

   وأجاب عن ذلك صاحب الكفاية بأن المجتهد وقتئذ وإن لم يكن عالماً بالأحكام الواقعية ولا الظاهرية ، إلاّ أنه عالم بموارد قيام الدليل والحجة على الحكم الشرعي ومتمكن من تشخيصها ، وبهذا الوجه يصح تقليده ويجوز الرجوع إليه(1) هذا .

   ولا يخفى أن الالتزام بما سلكه صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من أن المجعول هو التنجيز والتعذير وإن كان لا يمكن المساعدة عليه ، لما بيّناه في محلّه من أن المجعول في باب الأمارات هو الكاشفية والطريقية دون المعذّرية والمنجّزية ، لأن قبح العقاب من دون البيان ووجوب دفع الضرر المحتمل قاعدتان عقليتان وغير قابلتين للتخصيص بوجه . فإذا قام الخبر الواحد مثلاً على وجوب شيء أو حرمته فلا مناص من أن نلتزم بتنجّز الواقع واستحقاق العقاب على تقدير المخالفة ، ولا يتم ذلك إلاّ بناءً على حجية الخبر حتى ينقلب به موضوع عدم البيان إلى البيان ، ولا يقبح العقاب على مخالفته . إذن التنجيز أمر مترتب على الحجية لا أنه بمعنى الحجية ، وسرّه أنه مع قطع النظر عن حجية الخبر مثلاً لا موجب للالتزام بتنجّز الواقع على المكلف ، بل مقتضى قاعدة قبح العقاب من دون بيان عدم التنجّز ، وعدم استحقاق العقاب على مخالفته لأنه بلا بيان ، وقد عرفت أن قبح العقاب حينئذ حكم عقلي غير قابل للتخصيص بوجه .

   وكذلك الحال فيما إذا قام الخبر مثلاً على إباحة شيء في مورد واحتملنا فيه الضرر بمعنى العقاب ، فإنه لا شبهة في معذورية المكلف وعدم استحقاقه العقاب على تقدير مخالفة الواقع ، ولا تتم هذا إلاّ بعد حجية الخبر فإنه لو لا كونه حجة لم يكن بدّ من الاحتياط ، لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب وهو أيضاً حكم عقلي غير قابل للتخصيص . إذن المعذّرية كالمنجّزية مترتبة على الحجية لا أنها بمعنى الحجية ، ومعه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول : 465 .

ــ[205]ــ

لا  مناص من أن تكون الحجية أمراً موجباً للقلب والتصرف فيما هو الموضوع للقاعدتين ، وليس ذلك إلاّ الطريقية والكاشفية فإن بهما ينقلب موضوع عدم البيان إلى البيان ويتبدل احتمال الضرر إلى العلم بعدمه ، ولو لا ذلك كان الالتزام بالتنجيز في الصورة الاُولى والتعذير فى الثانية تخصيصاً في الحكمين العقليين وهما غير قابلين للتخصيص كما مرّ ، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محلّه .

   فتحصّل : أن الالتزام بما سلكه (قدّس سرّه) مما لا مسوّغ له إلاّ أنه على تقدير القول به لا وجه للمناقشة في جواز تقليد المجتهد بما قدّمنا تقريبه . وهذا لا لما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من تسليم عدم صدق العالم أو الفقيه على المجتهد عندئذ وأنه إنما يجوز تقليده لكونه عالماً بموارد قيام الحجة ، وذلك لأنه تمحل في الجواب حيث إن الدليل إنما دلّ على جواز تقليد الفقيه أو العالم بالأحكام أو غيرهما من العناوين الواردة في لسان الدليل ، فإذا سلّمنا أن المجتهد لا يصدق عليه شيء من تلك العناوين المسوّغة للتقليد لم يمكننا الحكم بجواز تقليده وإن فرضناه عالماً بغير الأحكام الشرعية من الاُمور .

   بل من أجل أن المجتهد على هذا المسلك أيضاً يصدق عليه الفقيه والعالم وسرّه أن مفهوم الفقيه غير مقيّد بخصوص العلم بالأحكام الواقعية أو الظاهرية ، بل إنما هو أعم منهما والعلم بقيام الحجة على الأحكام ، وإن فسّرنا الحجية بمعنى المنجّزية والمعذّرية ويدلنا على ذلك أن الأخبار المتقدمة في محلّها قد دلتنا على إرجاع الأئمة (عليهم السّلام) شيعتهم إلى آحاد الرواة وكبراء أصحابهم كيونس بن عبدالرحمان وزكريا بن آدم وغيرهما ، ولا شبهة في أنه بناء على هذا المسلك وتخصيص الفقيه بخصوص العالم بالأحكام لا يصدق عليهم الفقيه ولا العالم لعدم علمهم بالأحكام الواقعية ولا الظاهرية ، وإنما كانوا يعلمون موارد قيام الحجة على الأحكام الشرعية ، فإن أصحابهم (عليهم السّلام) لو سلّمنا علمهم بصدور الأخبار عنهم (عليهم السّلام) بأن كان السند قطعياً في حقهم ، لاستماعهم الرواية من نفس الإمام (عليه السّلام) فلا نسلّم كون دلالتها أيضاً قطعية لهم ، لأنها تستند إلى حجية الظهور وهي بمعنى المنجّزية والمعذّرية على الفرض ، وحيث إن النتيجة تتبع أخسّ المقدمتين فنستنتج من ذلك

ــ[206]ــ

عدم كون الرواة عالمين بالأحكام الواقعية ولا الظاهرية .

   على أن السند أيضاً لا يكون قطعياً دائماً بالإضافة إلى الرواة ، فإن الرواة من أصحابهم قد ينقل الرواية عن راو مثله ، فلا فرق بين المجتهد من أصحابهم (عليهم السّلام) والمجتهد المتأخر عن عصرهم إلاّ في أن الواسطة في روايات أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) أقل منها في روايات غيرهم من الرواة .

   وبما بيّناه ظهر أن العلم بالأحكام الواقعية أو الأحكام الظاهرية غير معتبر في مفهوم الفقاهة وإنما هو أعم من ذلك ومن العلم بقيام الحجة على الحكم ، إذ لو لا ذلك لم يوجد في العالم مصداق للفقيه ، ولم يصح إطلاقه على أحد من أصحابهم (عليهم السّلام) ولا غيرهم فلا يتحقق معه موضوع لما دلّ على جواز الرجوع إلى من تفقّه في الدين أو عرف شيئاً من أحكامهم .

   وعلى الجملة لا فرق في جواز الرجوع إلى المجتهد بين القول بأن المجعول في الحجج والأمارات هو الطريقية والكاشفية ، والقول بأنه الحكم المماثل ، والقول بأنه المنجّزية والمعذّرية ، لما ظهر من أن الرجوع إلى المجتهد على جميع هذه المسالك من رجوع الجاهل إلى الفقيه ، هذا كلّه في الرجوع إلى المجتهد في موارد الطرق والأمارات .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net