حجّية الشهرة 

الكتاب : مصباح الاُصول - الجزء الاول   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 5020


المبحث الرابع

في حجّية الشهرة

 اعلم أنّ الشهرة على أقسام ثلاثة:

 القسم الأوّل: الشهرة في الرواية بمعنى كثرة نقلها، ويقابلها الشذوذ والندرة، بمعنى قلّة الناقل لها. وهذه الشهرة من المرجحات عند تعارض الخبرين على المسلك المشهور، استناداً إلى ما في مرفوعة زرارة من قوله (عليه السلام): «خذ بما اشتهر بين أصحابك»(1) وما في مقبولة عمر بن حنظلة من قوله (عليه السلام): «خذ بالمجمع عليه بين أصحابك» (2) باعتبار أنّ المراد منه المشهور لا الاجماع الاصطلاحي، بقرينة المقابلة في قوله (عليه السلام): «واترك الشاذ النادر».

 ولكن التحقيق عدم كونها من المرجحات، إذ المراد بالمجمع عليه في المقبولة هو الخبر الذي اُجمع على صدوره من المعصوم، فيكون المراد منه الخبر المعلوم صدوره، لقوله (عليه السلام): «فانّ المجمع عليه لاريب فيه» وقوله (عليه السلام) بعد ذلك: «الاُمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتبع، وأمر بيّن غيه فيجتنب، وأمر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عوالي اللآلي 4: 133 / ح 229، المستدرك 17: 303 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 2.

(2) الوسائل 27: 106 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 1.

ــ[165]ــ

مشكل يردّ حكمه إلى الله» فانّ الإمام (عليه السلام) طبّق الأمر البيّن رشده على الخبر المجمع عليه، وحينئذ يكون الخبر المعارض له ساقطاً عن الحجّية في نفسه، لما دلّ على طرح الخبر المخالف للكتاب والسنّة (1)، والمراد بالسنّة كل خبر مقطوع الصدور لا خصوص النبوي كما هو ظاهر. ولا ينافي ما ذكرناه فرض الراوي الشهرة في كلتا الروايتين بعد أمر الإمام (عليه السلام) بالأخذ بالمجمع عليه، وذلك لأنّ القطع بصدور أحدهما لا يستلزم القطع بعدم صدور الآخر، بل يمكن أن يكون كلاهما صادراً من المعصوم (عليه السلام)، ويكون أحدهما صادراً لبيان الحكم الواقعي، والآخر للتقيّة.

 وظهر بما ذكرناه عدم صحّة الاستدلال بالمرفوعة أيضاً، إذ المراد بقوله (عليه السلام): «خذ بما اشتهر بين أصحابك» هو الشهرة بالمعنى اللغوي، أي الظاهر الواضح(2)، كما يقال شهر سيفه وسيف شاهر، فيكون المراد به الخبر الواضح صدوره، بأن كان مقطوع الصدور أو المطمأن بصدوره، ويكون حينئذ الخبر المعارض له ساقطاً عن الحجّية في نفسه لما تقدّم.

 هذا مضافاً إلى عدم تمامية كل من المرفوعة والمقبولة من حيث السند.

 أمّا المرفوعة فلكونها من المراسيل التي لا يصحّ الاعتماد عليها، فانّها مرويّة في كتاب عوالي اللآلي (3) لابن أبي جمهور الاحسائي عن العلاّمة مرفوعة إلى زرارة. مضافاً إلى أ نّها لم توجد في كتب العلاّمة (قدس سره) ولم يثبت توثيق راويها، بل طعن فيه وفي كتابه من ليس دأبه الخدشة في سند الرواية، كالمحدِّث

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 27: 123 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 47 وغيره.

(2) المنجد: 406 / مادّة شهر.

(3) عوالي اللآلي 4: 133 / ح 229.

ــ[166]ــ

البحراني في الحدائق (1).

 ودعوى انجبارها بعمل المشهور ممنوعة صغرىً وكبرى. أمّا من حيث الصغرى فلأ نّه لم يثبت استناد المشهور إليها، بل لم نجد عاملاً بما في ذيلها من الأمر بالاحتياط. وأمّا من حيث الكبرى فلما ذكرناه في محلّه من عدم كون عمل المشهور جابراً لضعف السند. وسنتعرض له في بحث حجّية الخبر (2) إن شاء الله تعالى.

 وأمّا المقبولة فلعدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة، ولم يذكر له توثيق في كتب الرجال. نعم، وردت رواية في باب الوقت تدل على توثيق الإمام (عليه السلام) له ونعم التوثيق، فانّ توثيق الإمام إمام التوثيقات، وهي ما نقله في الوسائل عن الكافي عن علي بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس عن يزيد بن خليفة، قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): «إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال (عليه السلام): إذن لا يكذب علينا» (3). إلاّ أنّ هذه الرواية بنفسها ضعيفة من حيث السند، فلا يمكن إثبات وثاقة عمر بن حنظلة بها.

 فتحصّل ممّا ذكرناه: عدم كون هذه الشهرة من المرجحات عند تعارض الخبرين.

 القسم الثاني: هي الشهرة العملية، بمعنى استناد الشهرة إلى خبر في مقام الافـتاء، وبهذه الشهرة ينجـبر ضعف سند الرواية عند المشهور، وفي قبالها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق الناضرة 1: 99.

(2) في ص 235.

(3) الوسائل 27: 85 / أبواب صفات القاضي ب 8 ح 30.

ــ[167]ــ

إعراض المشهور الموجب لوهن الرواية، وإن كانت صحيحة أو موثقة من حيث السند على المشهور أيضاً.

 هذا، ولكن التحقيق عدم كون عمل المشهور جابراً على تقدير كون الخبر ضعيف السند في نفسه، ولا إعراضهم موهناً على تقدير كون الخبر صحيحاً أو موثقاً في نفسه، بل الميزان في حجّية الخبر تمامية سنده في نفسه، وسنتعرّض لذلك في بحث حجّية الخبر قريباً (1) إن شاء الله تعالى.

 القسم الثالث: هي الشهرة [ الفتوائية ] بمعنى اشتهار الفتوى بحكم من الأحكام من دون أن يعلم مستند الفتوى، وهذه الشهرة هي محل الكلام فعلاً من حيث الحجّية وعدمها، وقد استدلّ على حجّيتها بوجوه:

 الوجه الأوّل: أنّ مقـبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة (2) تدلاّن على حجّيتها، بتقريب أنّ المراد من المجمع عليه في المقبولة ليس هو الاجماع المصطلح، بل المراد منه المشهور بقرينة المقابلة في قوله (عليه السلام): «واترك الشاذ النادر» وإطلاقه يشمل الشهرة الفتوائية أيضاً. وكذا قوله (عليه السلام): «خذ بما اشتهر بين أصحابك» في المرفوعة، فانّ الموصول من المبهمات ومعرّفه الصلة، وإطلاقها يشمل الشهرة الفتوائية أيضاً.

 وفيه أوّلاً: ما تقدّم (3) من عدم تمامية المقبولة والمرفوعة من حيث السند فلا يصحّ الاستدلال بهما.

 وثانياً: ما تقدّم أيضاً من أنّ المراد بالمجمع عليه هو الخبر المقطوع صدوره،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 235 ـ 237.

(2) تقدّم ذكر المصدر في ص 164.

(3) تقدّم هذا الجواب وما بعده في القسم الأوّل من الشهرة.

ــ[168]ــ

لأنّ الإمام (عليه السلام) قد أدخله في أمر بيّن رشده. وكذا المراد بالمشهور في المرفوعة هو المشهور اللّغـوي، أي الظاهر الواضح، فالمراد بهما هو الأخذ بالمقطوع، فلا ربط لهما بالشهرة الفتوائية.

 وثالثاً: أ نّه مع الغض عمّا تقدّم لا إطلاق لهما ليشمل الشهرة الفتوائية، لأنّ المراد من الموصول هو خصوص الخبر المشهور، بقرينة أنّ السؤال إنّما هو عن الخبرين المتعارضين، ولا مانع من أن يكون معرّف الموصول ومبيّن المراد منه غير صلته، والسؤال عن الخبرين قرينة على أنّ المراد منه خصوص الخبر المشهور لا مطلق المشهور، كما يظهر بالتأمل في نظائره من الأمثلة. فإذا قيل أيّ المسجدين تحب؟ فقال في الجواب: ما كان الاجتماع فيه أكثر، كان ظاهراً في خصوص المسجد الذي كان الاجتماع فيه أكثر، لا مطلق المكان الذي كان الاجتماع فيه أكثر. وكذا لو قيل أيّ الرمانتين تريد؟ فقال في الجواب: ما كان أكبر، كان ظاهراً في أنّ المراد هو الأكبر من الرمانتين لا مطلق الأكبر، وهذا ظاهر، فحينئذ لا إطلاق للصلة ليشمل مطلق المشهور.

 الوجه الثاني: أنّ الظن الحاصل من الشهرة أقوى من الظن الحاصل من خبر الواحد، فالذي يدل على حجّية الخبر يدل على حجّية الشهرة بالأولوية.

 وفيه: أنّ هذا الوجه مبني على أن يكون ملاك حجّية الخبر إفادته الظن، وعليه لزم الالتزام بحجّية كل ظن مساو للظن الحاصل من الخبر أو أقوى منه، سواء حصل من الشهرة أو من فتوى جماعة من الفقهاء، أو من فتوى فقيه واحد، أو غير ذلك، فاللازم ذكر هذا الدليل في جملة أدلّة حجّية الظن المطلق لا أدلة الشهرة. ولكن المبنى المذكور غير تام، إذ يحتمل أن يكون ملاك حجّية الخبر كونه غالب المطابقة للواقع، باعتبار كونه إخباراً عن حس، واحتمال الخطأ في الحس بعيد جداً، بخلاف الاخبار عن حدس كما في الفتوى، فان

ــ[169]ــ

احتمال الخطأ في الحدس غير بعيد، ويحتمل أيضاً دخل خصوصية اُخرى في ملاك حجّية الخبر. ومجرد احتمال ذلك كاف في منع الأولوية المذكورة، لأنّ الحكم بالأولوية يحتاج إلى القطع بالملاك وكل ما له دخل فيه.

 الوجه الثالث: عموم التعليل الوارد في ذيل آية النبأ، وهو قوله تعالى: (أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة ـ أي بسفاهة ـ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(1) إذ التعليل قد يكون مخصصاً للحكم المعلل به كما في قولنا: لا تأكل الرمان لأ نّه حامض، وقد يكون معمماً له كما في قولنا: لا تشرب الخمر لأ نّه مسكر، فانّه يحكم بحرمة كل مسكر ولو لم يكن خمراً. ومفاد التعليل في الآية الشريفة إنّما هو وجوب التبـين في كل ما كان العمل به سفاهة، وحيث إنّ العمل بالشهرة لا يكون سفاهة، فلا يجب فيها التبين بمقتضى عموم التعليل.

 وفيـه: منع الصغرى والكبرى. أمّا الصغرى: فلأنّ المـراد من الجهـالة في الآية الشريفة إمّا السفاهة بمعنى العمل بشيء بلا لحاظ مصلحة وحكمة فيه، قبالاً للعمل العقلائي الناشئ من ملاحظة المصلحة، وإمّا الجهل قبالاً للعلم، ولفظ الجهالة قد استعمل في كل من المعنيين. فإن كان المراد منها السفاهة كان العمل بالشهرة من السفاهة، إذ العمل بما لا يؤمن معه من الضرر المحتمل ـ أي العقاب ـ يكون سـفاهةً بحكم العقل، فانّ العقل يحكم بتحصيل المؤمّن من العقاب، والعمل بالشهرة بلا دليل على حجّيتها لا يكون مؤمّناً، فيكون سفاهة وغير عقلائي، وإن كان المراد منها الجهل بمعنى عدم العلم، فالأمر أوضح، إذ الشهرة لا تفيد العلم فيكون العمل بها جهالة لا محالة.

 وأمّا منع الكبرى: فلأنّ التعليل وإن كان يقتضي التعميم، إلاّ أ نّه لا يقتضي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحجرات 49: 6.

ــ[170]ــ

نفي الحكم عن غير مورده ممّا لا توجد فيه العلّة، إذ لا مفهوم له، لأ نّه فرع انحصار العلّة، وهو لا يسـتفاد من التعليل ولا ربط له بعموم التعليل، فانّ التعدي إلى غير الخمر من المسكرات، والحكم بحرمتها لعموم التعليل لا يوجب الحكم بحلية كل ما ليس بمسكر، بل قد يكون الشيء حراماً مع عدم كونه مسكراً كما إذا كان نجساً أو كان مال الغير مثلاً، فالحكم بوجوب التبين في كل ما كان العمل به سفاهة لعموم التعليل لا يدل على عدم وجوب التبين في كل ما ليس العمل به سفاهة، بل يمكن أن يكون التبين فيه واجباً مع عدم كون العمل به سفاهة.

 فتحصّل: أنّ الشهرة الفتوائية ممّا لم يقم دليل على حجّيتها.
 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الرسائل العملية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net