القرآن معجزة خالدة - القرآن والمعارف 

الكتاب : البيان في تفسـير القرآن - خطبـة الكتاب   ||   القسم : التفسير   ||   القرّاء : 2813

القرآن معجزة خالدة:
قد عرفت أن طريق التصديق بالنبوة والإيمان بها، ينحصر بالمعجز الذي يقيمه النبي شاهدا لدعواه، ولما كانت نبوءات الأنبياء السابقين مختصة بأزمانهم وأجيالهم، كان مقتضى الحكمة أن تكون معاجزهم مقصورة الأمد، ومحدودة، لأنها شواهد على نبوءات محدودة، فكان البعض من أهل تلك الأزمنة يشاهد تلك المعجزات فتقوم عليه الحجة، والبعض الآخر تنقل إليه أخبارها من المشاهدين على وجه التواتر، فتقوم عليه الحجة أيضا.
أما الشريعة الخالدة، فيجب أن تكون المعجزة التي تشهد بصدقها خالدة أيضا، لأن المعجزة إذا كانت محدودة قصيرة الأمد لم يشاهدها البعيد، وقد تنقطع أخبارها المتواترة، فلا يمكن لهذا البعيد أن يحصل له العلم بصدق تلك النبوة، فإذا كلفه الله بالإيمان بها كان من التكليف بالممتنع، والتكليف بالممتنع مستحيل على الله تعالى، فلابد للنبوة الدائمة المستمرة من معجزة دائمة. وهكذا أنزل الله القرآن معجزة خالدة ليكون برهانا على صدق الرسالة الخالدة، وليكون حجة على الخلف كما كان حجة

ــ[46]ــ

على السلف. وقد نتج لنا عما قدمناه أمران:
الأول: تفوق القرآن على جميع المعجزات التي ثبتت للأنبياء السابقين، وعلى المعجزات الأخرى التي ثبتت لنبينا محمد (صلى الله عليه وآله) لكون القرآن باقيا خالدا، وكون إعجازه مستمرا يسمع الأجيال ويحتج على القرون.
الثاني: إن الشرائع السابقة منتهية منقطعة، والدليل على انتهائها هو انتهاء أمد حجتها وبرهانها، لانقطاع زمان المعجزة التي شهدت بصدقها(1).
ثم إن القرآن يختص بخاصة أخرى، وبها يتفوق على جميع المعجزات التي جاء بها الأنبياء السابقون، وهذه الخاصة هي تكفله بهداية البشر(2)، وسوقهم إلى غاية كمالهم. فإن القرآن هو المرشد الذي أرشد العرب الجفاة الطغاة، المعتنقين أقبح العادات والعاكفين على الأصنام، والمشتغلين - عن تحصيل المعارف وتهذيب النفوس - بالحروب الداخلية، والمفاخرات الجاهلية فتكونت منهم - في مدة يسيرة - أمة ذات خطر في معارفها، وذات عظمة في تاريخها، وذات سمو في عاداتها. ومن نظر في تاريخ الإسلام وسبر تراجم أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) المستشهدين بين يديه، ظهرت له عظمة القرآن في بليغ هدايته، كبير أثره، فإنه هو الذي أخرجهم من حضيض الجاهلية إلى أعلى مراتب العلم والكمال،
وجعلهم يتفانون في سبيل الدين وإحياء إلشريعة، ولا يعبأون بما تركوا من مال وولد وأزواج.
وإن كلمة المقداد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حين شاور المسلمين في الخروج إلى بدر شاهد عدل على ما قلنا:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر في قسم التعليقات محادثة علمية جرت بين المؤلف وبين حبر يهودي يتصل بهذا الموضوع برقم (4).
(2) انظر قسم التعليقات لمعرفة الحاجة إلى ترجمة القرآن وشروطها برقم (5).

ــ[47]ــ

"يا رسول الله أمضي لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيرا، ودعا له بخير"(1).
هذا واحد من المسلمين، يعرب عن عقيدته وعزمه، وتفانيه في إحياء الحق، وإماتة الشرك. وكان الكثير منهم على هذه العقيدة، متذرعين بالإخلاص.
إن القرآن هو الذي نور قلوب أولئك العاكفين على الأصنام، المشتغلين بالحروب الداخلية والمفاخرات الجاهلية، فجعلهم أشداء على الكفار رحماء بينهم. يؤثر أحدهم حياة صاحبه على نفسه، فحصل للمسلمين بفضل الإسلام من فتوح البلدان في ثمانين سنة ما لم يحصل لغيرهم في ثمانمائة سنة. ومن قارن بين سيرة أصحاب النبي وسيرة أصحاب الأنبياء السابقين علم أن في ذلك سرا إلهيا، وأن مبدأ هذا السر هو كتاب الله الذي أشرق على النفوس، وطهر القلوب والأرواح بسمو العقيدة، وثبات المبدأ.
انظر إلى تاريخ الحواريين، وإلى تاريخ غيرهم من أصحاب الأنبياء تعلم كيف كانوا. كانوا يخذلون أنبياءهم عند الشدائد، ويسلمونهم عند خشية الهلاك!! ولذلك لم يكن لأولئك الأنبياء تقدم على طواغيت زمانهم بل كانوا يتسترون عنهم بالكهوف والأودية.هذه هي الخاصة الثانية التي تفضل القرآن على سائر المعجزات.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري: 2 / 140، غزوة بدر.

ــ[48]ــ

وإذ قد عرفت أن القرآن معجزة إلهية، في بلاغته وأسلوبه فاعلم أن اعجازه لا ينحصر في ذلك، بل هو معجزة ربانية، وبرهان صدق على نبوة من انزل إليه من جهات شتى، فيحسن بنا أن نتعرض إلى جملة منها على نحو الاختصار:
1 ـ القرآن والمعارف:
صرح الكتاب في كثير من آياته الكريمة بأن محمداً (صلى الله عليه وآله) أمي، وقد جهر النبي بهذه الدعوى بين ملأ من قومه وعشيرته الذين نشأ بين أظهرهم، وتربى في أوساطهم، فلم ينكر أحد عليه هذه الدعوى، وفي ذلك دلالة قطعية على صدقه فيما يدعيه. ومع أميته فقد أتى في كتابه من المعارف بما أبهر عقول الفلاسفة، وأدهش مفكري الشرق والغرب منذ ظهور الإسلام إلى هذا اليوم، وسيبقى موضعا لدهشة المفكرين، وحيرتهم إلى اليوم الأخير، وهذا من أعظم نواحي الإعجاز.
ولنتنازل للخصوم عن هذه الدعوى، ولنفرض أن محمد (صلى الله عليه وآله) لم يكن أميا، ولنتصوره قد تلقن المعارف، وأخذ الفنون والتاريخ بالتعليم، أفليس لازم هذا أنه اكتسب معارفه وفنونه من مثقفي عصره الذين نشأ بين أظهرهم؟ ونحن نرى هؤلاء الذين نشأ محمد (صلى الله عليه وآله) بينهم، منهم وثنيون يعتقدون بالأوهام، ويؤمنون بالخرافات، وذلك ظاهر. ومنهم كتابيون يأخذون معارفهم وتأريخهم، وأحكامهم من كتب العهدين التي ينسبونها إلى الوحي، ويعزونها إلى الأنبياء. وإذا فرضنا أن محمداً (صلى الله عليه وآله) أخذ تعاليمه من أهل عصره، أفليس لازم هذا أن ينعكس على أقواله ومعارفه ظلال هذه العقائد التي اكتسبها من معلميه ومرشديه ومن هذه الكتب التي كانت مصدر ثقافته وعلومه؟ ونحن نرى مخالفة القرآن لكتب العهدين في جميع النواحي، وتنزيه

ــ[49]ــ

لحقائق المعارف عن الموهومات الخرافية التي ملأت كتب العهدين وغيرها من مصادر التعلم في ذلك العصر.
وقد تعرض القرآن الكريم لصفات الله جل شأنه في آيات كثيرة، فوصفه بما يليق بشأنه من صفات الكمال، ونزهه عن لوازم النقص والحدوث. وهذه نماذج منها:
{وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والارض كل له قانتون (2: 116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون: 117. وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم 163. الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض: 255. إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء: 3 : 5. هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم: 6. ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل 6: 102. لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير: 103. قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون 10: 34. الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون 13: 2. وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون 28: 70. هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم 59: 22. هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن

ــ[50]ــ

المهمين العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون 23. هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم:24}.
هكذا يصف القرآن إله العالمين، ويأتي بالمعارف التي تتمشّى مع البرهان الصريح، ويسير مع العقل الصحيح، وهل يمكن لبشر أمي نشأ في محيط جاهل أن يأتي بمثل هذه المعارف العالية؟.
ويتعرض القرآن لذكر الأنبياء فيصفهم بكل جميل ينبغي أن يوصفوا به، وينسب إليهم كل مأثرة كريمة تلازم قداسة النبوة، ونزاهة السفارة الإلهية، وإليك نماذج منها: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث 7: 157. هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين 62: 2. وإن لك لأجرا غير ممنون 68: 3. وإنك لعلى خلق عظيم: 4. إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين 3: 23. وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون 43: 26. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين: 27. وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين 6 : 75. ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين: 84. وزكريا ويحيى وعيسى

ــ[51]ــ

وإلياس كل من الصالحين:85. وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين: 86. ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم: 87. ولقد اتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين 27: 15. واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل كل من الأخيار 38 : 48. أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا 19: 58}.
هذه جملة من الآيات التي جاء بها الكتاب العزيز في تنزيه الأنبياء وتقديسهم، وإظهارهم على حقيقتهم من القداسة والنزاهة وجميل الذكر.
أما كتب العهدين فقد تعرضت أيضا لذكر الأنبياء ووصفتهم، ولكن بماذا وصفتهم؟ بأي منزلة وضيعة أنزلت هؤلاء السفرة الأبرار، ولنذكر لذلك أمثلة:
1 ـ ذكرت التوراة في الإصحاحين الثاني والثالث من سفر التكوين قصة آدم وحواء خروجهما من الجنة. وذكرت أن الله أجاز لآدم أن يأكل من جميع الأثمار إلا ثمرة شجرة معرفة الخير والشر. وقال له: "لأنك يوم تأكل منها موتا تموت" ثم خلق الله من آدم زوجته حواء وكانا عاريين في الجنة لأنهما لا يدركان الخير والشر، وجاءت الحية ودلتهما على الشجرة، وحرضتهما على الأكل من ثمرها وقالت: إنكما لا تموتان بل إن الله عالم أنكما يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتعرفان الخير والشر فلما أكلا منها انفتحت أعينهما، وعرفا أنهما عاريان. فصنعا لأنفسهما مئزرا فرآهما الرب وهو يتمشى في الجنة، فاختبأ آدم وحواء منه فنادى الله آدم أين أنت؟ فقال آدم:

ــ[52]ــ

سمعت صوتك فاختبأت لأني عريان. فقال الله: من أعلمك بأنك عريان، هل أكلت من الشجرة؟ ثم إن الله بعدما ظهر له أكل آدم من الشجرة. قال: هو ذا آدم صار كواحد منا عارف بالخير والشر، والآن يمد يده فيأكل من شجرة الحياة، ويعيش إلى الأبد، فأخرجه الله من الجنة، وجعل على شرقيها ما يحرس طريق الشجرة. وذكر في العدد التاسع من الإصحاح الثاني عشر أن الحية القديمة هو المدعو إبليس، والشيطان الذي يضل العالم كله.
انظر كيف تنسب كتب الوحي إلى قداسة الله أنه كذب على آدم، وخادعه في أمر الشجرة، ثم خاف من حياته، وخشي من معارضته إياه في استقلال مملكته فأخرجه من الجنة، وأن الله جسم يتمشى في الجنة، وأنه جاهل بمكان آدم حين اختفى عنه، وأن الشيطان المضل نصح لادم، واخرجه من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة، وادراك الحسن والقبح.
2 ـ وفي الإصحاح الثاني عشر من التكوين: أن "ابراهيم " إدعى أمام "فرعون" أن "سارة" اخته وكتم أنها زوجته، فأخذها فرعون لجمالها "وصنع إلى ابراهيم خيرا بسببها، و صار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال". وحين علم فرعون أن سارة كانت زوجة إبراهيم وليست اخته قال له: "لماذا لم تخبرني أنها امرأتك؟ لماذا قلت: هي اختي حتى أخذتها لي لتكون زوجتي ". ثم رد فرعون سارة إلى إبراهيم.
ومغزى هذه القصة أن إبراهيم صار سببا لأخذ فرعون سارة زوجة إبراهيم، زوجة له. وحاشا إبراهيم - وهو من أكرم أنبياء الله - أن يرتكب ما لا يرتكبه فرد عادي من الناس.

ــ[53]ــ

3 ـ وفي الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين: قصة "لوط " مع ابنتيه في الجبل، وأن الكبيرة قالت لاختها: "أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا. هلمي نسقي أبانا خمرا، ونضطجع معه فنحيي من أبينا نسلا فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة" واضطجعت معه الكبيرة. وفي الليلة الثانية سقتاه الخمر أيضا، ودخلت معه الصغيرة فحملتا منه، وولدت الكبيرة ابنا وسمته "موآب" وهو أب الموآبين، وولدت الصغيرة ابنا فسمته "بن عمي " وهو أبو بني عمون إلى اليوم.
هذا ما نسبته التوراة الرائجة إلى لوط نبي الله وإلى ابنتيه، وليحكم الناظر فيها عقله، ثم ليقل ما يشاء.
4 ـ وفي الإصحاح السابع والعشرين من التكوين: أن "إسحق" أراد أن يعطي ابنه "عيسو" بركة النبوة فخادعه "يعقوب" وأوهمه أنه عيسو، وقدم له طعاما وخمرا فأكل وشرب، وبهذه الحيلة والكذب المتكرر توسل إلى أن باركه الله. وقال له اسحق: "كن سيدا لاخوتك، ويسجد لك بنو أمك ليكن لاعنوك ملعونين، ومباركوك مباركين" ولما جاء عيسو علم أن أخاه يعقوب قد انتهب بركة النبوة. فقال لأبيه: "باركني أنا أيضا يا أبي. فقال: جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك ". ثم قال عيسو: "أما أبقيت لي بركة؟" فقال إسحق: "إني قد جعلته سيدا لك، ودفعت إليه جميع إخوته عبيدا، وعضدته بحنطة وخمر. فماذا أصنع إليك يا أبني؟ ورفع عيسو صوته وبكى".
أفهل يعقل انتهاب النبوة؟ وهل يعطي الله نبوته لمخادع كاذب، ويحرم منها أهلها؟ هل أن يعقوب بعمله هذا خادع الله أيضا كما خادع إسحق ولم يقدر الله بعد ذلك على إرجاعها إلى أهلها؟!! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ولعل سكرة الخمر دعت إلى وضع هذه السخافة، وإلى نسبة شرب الخمر إلى إسحق.

ــ[54]ــ

5 ـ وفي الإصحاح الثامن والثلاثين من التكوين: أن "يهوذا" بن يعقوب زنى بزوجة ابنه "عير" المسماة "بثامار" وأنها حبلت منه وولدت له ولدين "فارص" و"زارح"، وقد ذكر إنجيل متى في الإصحاح الأول نسب يسوع المسيح تفصيلا، وجعل المسيح وسليمان وأباه داود من نسل فارص "هذا الذي ولد من زنا يهوذا بكنّته (1) ثامار".
حاشا أنبياء الله أن يولدوا من الزنى، كيف وأن تنسب إليهم الولادة من الزنى بذات محرم!! ولكن واضع التوراة الرائجة لا يبالي بما يكتب وبما يقول!!.
6 ـ وفي الإصحاحين الحادي والثاني عشر من صموئيل الثاني: أن داود زنى بامرأة "اوريا" المجاهد المؤمن. وحملت من ذلك الزنى، فخشي داود الفضيحة، وأراد تمويه الأمر على اوريا، فطلبه وأمره أن يدخل بيته فأبى "اوريا" وقال: "سيدي - يوآب - وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء، وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي، وحياتك وحياه نفسك لا أفعل هذا الأمر" فلما يئس داود من التمويه أقامه عنده اليوم، ودعاه فأكل عنده وشرب وأسكره وفي الصباح كتب داود إلى يوآب: "اجعلوا اوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت " وقد فعل يوآب ذلك فقتل اوريا، وأرسل إلى داود يخبره بذلك، فضم داود امرأة اوريا إلى بيته وصارت امرأة له بعد انتهاء مناحتها على بعلها. وفي الإصحاح الأول من إنجيل متى: أن سليمان بن داود ولد من تلك المرأة.
تأمل كيف تجرأ هذا الوضاع على الله؟ وكيف تصح نسبة هـذا الفعل إلى من له أدنى غيرة وحمية فضلا عن نبي من أنبياء الله؟ وكيف يجتمع هذا مع ما في إنجيل لوقا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كنة. زوجة الإبن.

ــ[55]ــ

من أن المسيح يجلس على كرسي داود أبيه؟!!
7- وفي الإصحاح الحادي عشر من الملوك الأول: أي سليمان كانت له سبعمائة زوجه من السيدات، وثلاثمائة من السراري، فأمالت النساء قلبه وراء آلهة اخرى "فذهب سليمان وراء عشتورث آلهة الصيدونيين، وملكوم، رجس العمونيين، وعمل سليمان الشر في عيني الرب… فقال الرب: إني امزق المملكة عنك تمزيقا وأعطيها لعبدك". وفي الثالث والعشرين من الملوك الثاني: أن المرتفعات التي بناها سليمان لعشتورث رجاسة الصيدونيين ولـ "كموش" رجاسة الموآبيين ولمكوم كراهة بني عمون نجسها الملك "يوشيا" وكسر التماثيل وقطع السواري، وكذلك فعل بجميع آثار الوثنيين.
هب أن النبي لا يلزم أن يكون معصوما - والأدلة العقلية قائمة على عصمته - فهل يجوز له في حكم العقل أن يعبد الأصنام، وأن يبني لها المرتفعات ثم يدعو الناس إلى التوحيد وإلى عبادة الله؟ كلا !!!
وفي الإصحاح الأول من كتاب "هوشع ": أن "أول ما كلم الرب هوشع. قال الرب لهوشع: اذهب خذ لنفسك امرأة زنى، وأولاد زنى، لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب، فذهب وأخذ "جومر" بنت دبلايم فحبلت، وولد له ابنان وبنت". وفي الإصحاح الثالث: أن الرب قال له: "اذهب أيضا أحبب امرأة – حبيبة صاحب وزانية – كمحبة الرب لبني إسرائيل ".
أهكذا يكون أمر الله، يأمر نبيه بالزنى وبمحبة امرأة زانية؟ تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ولا عجب في أن الكاتب لا يدرك قبح ذلك. وإنما العجب من الامم المثقفة ورجال العصر، ومهرة العلوم الناظرين في التوراة الرائجة، والمطلعين على ما

ــ[56]ــ

اشتملت عليه من الخرافات، كيف تعتقد بأنها وحي إلهي وكتاب سماوي. نعم ان تقليد الآباء كالغريزة الثانوية، يصعب التنازل عنه إلى اتباع الحق والحقيقة. والله الهادي والموفق.
9 ـ وفي الإصحاح الثاني عشر من إنجيل متى، والثالث من مرقس والثامن من لوقا: أن المسيح فيما هو يكلم الجموع "إذا أمه وإخوته قد وقفوا خارجا طالبين أن يكلموه. فقال له واحد: هو ذا أمك وإخوتك واقفون خارجا طالبين أن يكلموك. فأجاب وقال للقائل له: من هم أمي ومن هم إخوتي، ثم مد يده نحو تلاميذه وقال: ها أمي وإخوتي، لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي ".
انظر إلى هذا الكلام وتأمل ما فيه من سخافة. ينتهر المسيح امه القديسة البرة ويحرمها رؤيته، ويعرض بقداستها، ويفضل تلاميذه عليها وهم الذين قال فيهم المسيح: "إنهم لا إيمان لهم" كما في الرابع من مرقس، وإنه ليس لهم من الإيمان مثل حبة خردل كما في السابع عشر من متى، وهم الذين طلب منهم المسيح أن يسهروا معه ليلة هجوم اليهود عليه فلم يفعلوا، ولما أمسكه اليهود في الظاهر تركه التلاميذ كلهم وهربوا، كما في الإصحاح السادس والعشرين من إنجيل متى، إلى ما سوى ذلك من الشنائع التي نسبتها إليهم الأناجيل.
10 ـ وفي الإصحاح الثاني من يوحنا: أن المسيح حضر مجلس عرس فنفد خمرهم، فعمل لهم ستة أجران من الخمر بطريق المعجزة. وفي الحادي عشر من متى، والسابع من لوقا: أن المسيح كان يشرب الخمر، بل كان شريب خمر (كثير الشرب لها).

ــ[57]ــ

حاشا قدس المسيح من هذا البهتان العظيم. فقد جاء في العاشر اللاويين أن الرب قال لهارون: "خمرا ومسكرا لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا، فرضا دهريا في أجيالكم، وللتمييز بين المقدس والمحلل، وبين النجس والطاهر". وفي الأول من لوقا في مدح يوحنا المعمدان: "لأنه يكون عظيما أمام الرب خمرا ومسكرا لا يشرب ". إلى غير ذلك مما دل على حرمة شرب الخمر في العهدين.
هذه أمثلة يسيرة في كتب العهدين الرائجة من سخافات وخرافات، وأضاليل وأباطيل لا تلتئم مع البرهان، ولا تتمشى مع المنطق الصحيح، وضعناها أمام القارئ ليمعن النظر فيها، وليحكم عقله ووجدانه. وهل يمكن أن يحكم أن محمدا (صلى الله عليه وآله) قد اقتبس معارفه، وأخذ محتويات قرآنه العظيم من هذه السخافات وهو على ما هو عليه من سمو المعارف، ورصانة التعليم؟ وهل يمكن أن تنسب هذه الكتب السخيفة إلى وحي السماء وهي التي لوثت قداسة الأنبياء بما ذكرناه وبما لم نذكره (1)؟




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net