وجوه الاحرف السبعة - المعاني المتقاربة 

الكتاب : البيان في تفسـير القرآن - خطبـة الكتاب   ||   القسم : التفسير   ||   القرّاء : 3498

وجوه الأحرف السبعة:
وقد ذكروا في توجيه نزول القرآن على سبعة أحرف وجوها كثيرة نتعرض للمهم منها مع مناقشتها وبيان فسادها:
1 ـ المعاني المتقاربة:
إن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو "عجل، وأسرع، واسع" وكانت هذه الأحرف باقية إلى زمان عثمان فحصرها عثمان بحرف واحد، وأمر بإحراق بقية المصاحف التي كانت على غيره من الحروف الستة. واختار هذا الوجه الطبري (1) وجماعة. وذكر القرطبي أنه مختار أكثر أهل العلم (2). وكذلك قال
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري: 1 / 15.
(2) تفسير القرطبي: 1 / 42.

ــ[179]ــ

أبو عمرو بن عبد البر(1).
واستدلوا على ذلك برواية ابن أبي بكرة، وأبي داود، وغيرهما مما تقدم. وبرواية يونس باسناده عن ابن شهاب. قال:
"أخبرني سعيد بن المسيب أن الذي ذكر الله تعالى ذكره:
{إنما يعلمه بشر} (16: 103).
إنما افتتن أنه كان يكتب الوحي، فكان يملي عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) سميع عليم، أو عزيز حكيم، وغير ذلك من خواتم الاي، ثم يشتغل عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو على الوحي، فيستفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقول: "أعزيز حكيم، أو سميع عليم، أو عزيز عليم؟ فيقول له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أي ذلك كتبت فهو كذلك، ففتنه ذلك. فقال: إن محمدا أوكل ذلك إلي فاكتب ما شئت".
واستدلوا أيضا بقراءة أنس: (إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا) فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة إنما هي (وأقوم) فقال: (أقوم، وأصوب، وأهدى واحد). وبقراءة ابن مسعود: (إن كانت إلا زقية واحدة)(2).
وبما رواه الطبري عن محمد بن بشار، وأبي السائب بإسنادهما عن همام أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا:
{إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} (44: 44).
قال: فجعل الرجل يقول: (إن شجرة الزقوم طعام اليتيم) قال: فلما أكثر عليه أبو
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التبيان: ص 39.
(2) تفسير الطبري: 1/ 18.

ــ[180]ــ

الدرداء فرآه لا يفهم. قال: "إن شجرة الزقوم طعام الفاجر"(1).
واستدلوا أيضا على ذلك بما تقدم من الروايات الدالة على التوسعة: "ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة".
فان هذا التحديد لا معنى له إلا أن يراد بالسبعة أحرف جواز تبديل بعض الكلمات ببعض. فاستثنى من ذلك ختم آية
عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب. وبمقتضى هذه الروايات لابد من حمل روايات السبعة أحرف على ذلك بعد رد مجملها إلى مبينها.
إن جميع ما ذكر لها من المعاني أجنبي عن مورد الروايات - وستعرف ذلك - وعلى هذا فلا بد من طرح الروايات، لأن الالتزام بمفادها غير ممكن.
والدليل على ذلك:
أولا: ان هذا إنما يتم في بعض معاني القرآن، التي يمكن أن يعبر عنها بألفاظ سبعة متقاربة. ومن الضروري أن أكثر القرآن لا يتم فيه ذلك، فكيف تتصور هذه الحروف السبعة التي نزل بها القرآن؟
ثانيا: إن كان المراد من هذا الوجه أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد جوز تبديل كلمات القرآن الموجودة بكلمات اخرى تقاربها في المعنى – ويشهد لهذا بعض الروايات المتقدمة – فهذا الاحتمال يوجب هدم أساس القرآن، المعجزة الأبدية، والحجة على جميع البشر، ولا يشك عاقل في أن ذلك يقتضي هجر القرآن المنزل، وعدم الاعتناء بشأنه. وهل يتوهم عاقل ترخيص النبي (صلى الله عليه وآله) أن يقرأ القارئ: "يس، والذكر العظيم، إنك لمن الأنبياء، على طريق سوي، إنزال الحميد الكريم، لتخوف قوما ما خوف أسلافهم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري: 25/ 78، عند تفسير الآية المباركة.

 
 

ــ[181]ــ

فهم ساهون " فلتقرعيون المجوزين لذلك. سبحانك اللهم إن هذا إلا بهتان عظيم. وقد قال الله تعالى:
{قل ما يكون لي ان أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا فا يوحى إلي} (15:10).
وإذا لم يكن للنبي أن يبدل القرآن من تلقاء نفسه، فكيف يجوز ذلك لغيره؟ وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) علم براء بن عازب دعاء كان فيه: "ونبيك الذي أرسلت" فقرأ براء "ورسولك الذي أرسلت" فأمره (صلى الله عليه وآله) أن لا يضع الرسول موضع النبي (1). فإذا كان هذا في الدعاء، فماذا يكون الشأن في القرآن؟. وإن كان المراد من الوجه المتقدم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قرأ على الحروف السبعة - ويشهد لهذا كثير من الروايات المتقدمة - فلا بد للقائل بهذا أن يدل على هذه الحروف السبعة التي قرأ بها النبي (صلى الله عليه وآله) لأن الله سبحانه قد وعد بحفظ ما أنزله:
{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (9 : 15).
ثالثا: أنه صرحت الروايات المتقدمة بأن الحكمة في نزول القرآن على سبعة أحرف هي التوسعة على الامة، لأنهم لا يستطيعون القراءة على حرف واحد، وأن هذا هو الذي دعا النبي إلى الاستزادة إلى سبعة أحرف. وقد رأينا أن اختلاف القراءات أوجب أن يكفر بعض المسلمين بعضا. حتى حصر عثمان القراءة بحرف واحد، وأمر بإحراق بقية المصاحف.
ويستنتج من ذلك امور:
1 ـ إن الاختلاف في القراءة كان نقمة على الأمة. وقد ظهر ذلك في عصر عثمان،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التبيان: 85.

ــ[182]ــ

فكيف يصح أن يطلب النبي (صلى الله عليه وآله) من الله ما فيه فساد الأمة. وكيف يصح على الله أن يجيبه إلى ذلك؟ وقد ورد في كثير من الروايات النهي عن الاختلاف. وأن فيه هلاك الأمة. وفي بعضها أن النبي (صلى الله عليه وآله) تغير وجهه واحمر حين ذكر له الاختلاف في القراءة. وقد تقدم جملة منها، وسيجيء بعد هذا جملة اخرى.
2 ـ قد تضمنت الروايات المتقدمة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إن امتي لا تستطيع ذلك "القراءة على حرف واحد" وهذا كذب صريح، لا يعقل نسبته إلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنا نجد الامة بعد عثمان على اختلاف عناصرها ولغاتها قد استطاعت أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فكيف يكون منالعسر عليها أن تجتمع على حرف واحد في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) وقد كانت الأمة من العرب الفصحى.
3 ـ إن الاختلاف الذي أوجب لعثمان أن يحصر القراءة في حرف واحد قد اتفق في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) وقد أقر النبي (صلى الله عليه وآله) كل قارئ على قراءته، وأمر المسلمين بالتسليم لجميعها، وأعلمهم بأن ذلك رحمة من الله لهم، فكيف صح لعثمان، ولتابعيه سد باب الرحمة، مع نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن المنع عن قراءة القرآن، وكيف جاز للمسلمين رفض قول النبي (صلى الله عليه وآله) وأخذ قول عثمان وإمضاء عمله، أفهل وجدوه أرأف بالأمة من نبيها أو أنه تنبه لشيء قد جهله النبي (صلى الله عليه وآله) من قبل وحاشاه، أو أن الوحي قد نزل على عثمان بنسخ تلك الحروف؟ا.
وخلاصة الكلام: أن بشاعة هذا القول تغني عن التكلف عن رده، وهذه هي العمدة في رفض المتأخرين من علماء أهل السنة لهذا القول. ولأجل ذلك قد التجأ بعضهم كأبي جعفر محمد بن سعدان النحوي، والحافظ جلال الدين السيوطي إلى القول بأن هذه الروايات من المشكل والمتشابه، وليس يدرى ما هو مفادها(1). مع
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التبيان: ص 61.

ــ[183]ــ

أنك قد عرفت أن مفادها أمر ظاهر، ولا يشك فيه الناظر إليها، كما ذهب إليه واختاره أكثر العلماء.
2 ـ الأبواب السبعة: إن المراد بالأحرف السبعة هي الأبواب السبعة التي نزل منها القرآن وهي زجر، وأ مر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال.
واستدل عليه بما رواه يونس، باسناده عن ابن مسعود، عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما امرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا"(1).
ويرد على هذا الوجه:
1 ـ أن ظاهر الرواية كون الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن غير الأبواب السبعة التي نزل منها، فلا يصح ان يجعل تفسيرا لها، كما يريده أصحاب هذا القول.
2 ـ أن هذه الرواية معارضة برواية أبي كريب، بإسناده عن ابن مسعود. قال: إن الله أنزل القرآن على خمسة أحرف: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال (2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري: 1 / 23.
(2) تفسير الطبري: 1 / 24.

ــ[184]ــ

3 ـ ان الرواية مضطربة في مفادها، فإن الزجر والحرام بمعنى واحد، فلا تكون الأبواب سبعة، على أن في القرآن أشياء اخرى لا تدخل في هذه الأبواب السبعة، كذكر المبدأ والمعاد، والقصص، والاحتجاجات والمعارف، وغير ذلك. وإذا أراد هذا القائل أن يدرج جميع هذه الأشياء في المحكم والمتشابه كان عليه أن يدرج الأبواب المذكورة في الرواية فيهما أيضا، ويحصر القرآن في حرفين "المحكم والمتشابه" فان جميع ما في القرآن لا يخلو من أحدهما.
4 ـ ان اختلاف معاني القرآن على سبعة أحرف لا يناسب ما دلت عليه الأحاديث المتقدمة من التوسعة على الأمة، لأنها لا تتمكن من القراءة على حرف واحد.
5 ـ ان في الروايات المتقدمة ما هو صريح في أن الحروف السبعة هي الحروف التي كانت تختلف فيها القراء، وهذه الرواية إذا تمت دلالتها لا تصلح قرينة على خلافها.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net