نسخ التلاوة - التحريف والكتاب 

الكتاب : البيان في تفسـير القرآن - خطبـة الكتاب   ||   القسم : التفسير   ||   القرّاء : 4180

2 ـ رأي المسلمين في التحريف:
المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن، وأن الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وقد صرح بذلك كثير من الأعلام. منهم رئيس المحدثين الصدوق محمد بن بابويه، وقد عد القول بعدم التحريف من معتقدات الإمامية. ومنهم شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، وصرح بذلك في أول تفسيره "التبيان" ونقل القول بذلك أيضا عن شيخه علم الهدى السيد المرتضى، واستدلاله على ذلك بأتم دليل. ومنهم المفسر الشهير الطبرسي في مقدمة تفسيره "مجمع البيان"، ومنهم شيخ الفقهاء الشيخ جعفر في بحث القرآن من كتابه "كشف الغطاء" وادعى الإجماع على ذلك. ومنهم العلامة الجليل الشهشهاني في بحث القرآن من كتابه "العروة الوثقى" ونسب القول بعدم التحريف إلى جمهور المجتهدين. ومنهم المحدث الشهير المولى محسن القاساني في كتابيه (1). ومنهم بطل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوافي: 5/ 274، وعلم اليقين: ص 130.

 
 

ــ[201]ــ

العلم المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي في مقدمة تفسيره "آلاء الرحمن".
وقد نسب جماعة القول بعدم التحريف إلى كثير من الأعاظم. منهم شيخ المشايخ المفيد، والمتبحر الجامع الشيخ البهائي، والمحقق القاضي نور الله، وأضرابهم. وممن يظهر منه القول بعدم التحريف: كل من كتب في الإمامة من علماء الشيعة وذكر فيه المثالب، ولم يتعرض للتحريف، فلو كان هؤلاء قائلين بالتحريف لكان ذلك أولى بالذكر من إحراق المصحف وغيره.
وجملة القول: أن المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف. نعم ذهب جماعة من المحدثين من الشيعة، وجمع من علماء أهل السنة إلى وقوع التحريف. قال الرافعي: فذهب جماعة من أهل الكلام ممن لا صناعة لهم إلا الظن والتأويل، واستخراج الأساليب الجدلية من كل حكم وكل قول إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيء، حملا على ما وصفوه من كيفية جمعه (1) وقد نسب الطبرسي في "مجمع البيان" هذا القول إلى الحشوية من العامة.
أقول: سيظهر لك - بعيد هذا - أن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف، وعليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة - عند علماء أهل السنة - يستلزم اشتهار القول بالتحريف.
3 ـ نسخ التلاوة:
ذكر أكثر علماء أهل السنة: أن بعض القرآن قد نسخت تلاوته، وحملوا على ذلك ما ورد في الروايات أنه كان قرآنا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيحسن بنا أن نذكر جملة من هذه الروايات، ليتبين أن الالتزام بصحة هذه الروايات التزام بوقوع التحريف في القرآن:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إعجاز القرآن: ص 41.

ــ[202]ــ

1 ـ روى ابن عباس أن عمر قال فيما قال، وهو على المنبر:
"إن الله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها. فلذا رجم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال… ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ، من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو: "إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم …" (1).
وذكر السيوطي: أخرج ابن اشته في المصاحف عن الليث بن سعد. قال: "أول من جمع القرآن أبوبكر، وكتبه زيد… وإن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها، لأنه كان وحده (2).
أقول: وآية الرجم التي ادعى عمر أنها من القرآن، ولم تقبل منه رويت بوجوه: منها: "إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، نكالا من الله، والله عزيز حكيم". ومنها: "الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة". ومنها: "إن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" وكيف كان فليس في القرآن الموجود ما يستفاد منه حكم الرجم. فلو صحت الرواية فقد سقطت آية من القرآن لا محالة.
2 ـ وأخرج الطبراني بسند موثق عن عمر بن الخطاب مرفوعا:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري: كتاب الحدود، رقم الحديث: 6327، و6328 وصحيح مسلم: كتاب الحدود، رقم الحديث: 3201، وسنن الترمذي: كتاب الحدود، رقم الحديث: 1352، و سنن أبي داود: كتاب الحدود، رقم الحديث: 3835. وسنن ابن ماجة: كتاب الحدود، رقم الحديث: 2534. ومسند احمد: مسند العشرة المبشرة بالجنة، رقم الحديث: 192.
(2) الاتقان: 1 / 101.

ــ[203]ــ

"القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف "(1). بينما القرآن الذي بين أيدينا لا يبلغ ثلث هذا المقدار، وعليه فقد سقط من القرآن أكثر من ثلثيه.
3 ـ وروى ابن عباس عن عمر أنه قال:
"إن الله عز وجل بعث محمدا بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان مما أنزل إليه آية الرجم، فرجم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورجمنا بعده، ثم قال: كنا نقرأ: "ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم"، أو: "إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم"(2).
4 ـ وروى نافع أن ابن عمر قال:
"ليقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله؟ قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر"(3).
5 ـ وروى عروة بن الزبير عن عائشة قالت:
"كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن"(4).
6 ـ وروت حميدة بنت أبي يونس. قالت:
"قرأ علي أبي - وهو ابن ثمانين سنة - في مصحف عائشة: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، وعلى الذين يصلون الصفوف الأوَل. قالت: قبل أن يغير عثمان المصاحف"(5).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) 1لإتقان: 1 / 121.
(2) سنن الترمذي: كتاب الحدود، رقم الحديث: 1352. ومسند احمد: مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم الحديث: 313.
(3) الإتقان: 2 / 40 - 41.
(4) نفس المصدر: 2 / 40 - 41.
(5) الإتقان: 2 / 40 – 41.

ــ[204]ــ

7 ـ وروى أبو حرب ابن الأسود عن أبيه. قال:
"بعث أبو موس الأشعري إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل. قد قرؤوا القرآن. فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب العرب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فانسيتها، غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فانسيتها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة "(1).
8 ـ وروى زر. قال: قال أبي بن كعب يا زر:
"كأين تقرأ سورة الأحزاب قلت: ثلاث وسبعين آية. قال: إن كانت لتضاهي سورة البقرة، أو هي أطول من سورة البقرة..."(2).
9 ـ وروى ابن أبي داود وابن الانباري عن ابن شهاب قال:
"بلغنا أنه كان أنزل قران كثير، فقتل علماؤه يوم اليمامة، الذين كانوا قد وعوه، ولم يعلم بعدهم ولم يكتب…"(3).
10 ـ وروى عمرة عن عائشة أنها قالت:
"كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بـ : خمس
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم: 3 / 100، كتاب الزكاة، رقم الحديث: 1740.
(2) منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: 2 / 43.
(3) منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: 2 / 50.

ــ[205]ــ

معلومات، فتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهن فيما يقرأ من القرآن "(1).
11 ـ وروى المسور بن مخرمة. قال:
"قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما انزل علينا: أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة. فانا لا نجدها. قال: سقطت فيما اسقط من القرآن"(2).
12 ـ وروى أبوسفيان الكلاعي: أن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم:
"أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف، فلم يخبروه، وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك، فقال ابن مسلمة: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا ابشروا أنتم المفلحون. والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون)"(3).
وقد نقل بطرق عديدة عن ثبوت سورتي الخلع والحفد في مصحف ابن عباس وأبي بن كعب: (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكافرين ملحق).
وغير ذلك مما لا يهمنا استقصاؤه (4).
وغير خفي أن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف والاسقاط.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم: 2 / 167، كتاب الرضاع، رقم الحديث: 2634.
(2) الاتقان: 2 / 42.
(3) نفس المصدر السابق.
(4) الاتقان: 1 / 122 - 213.

ــ[206]ــ

وبيان ذلك: أن نسخ التلاوة هذا إما أن يكون قد وقع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإما أن يكون ممن تصدى للزعامة من بعده، فإن أراد القائلون بالنسخ وقوعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو أمر يحتاج إلى الإثبات. وقد اتفق العلماء أجمع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد، وقد صرح بذلك جماعة في كتب الأصول وغيرها (1) بل قطع الشافعي وأكثر أصحابه، وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، بل إن جماعة ممن قال بإمكان نسخ الكتاب بالسنة المتواترة منع وقوعه(2). وعلى ذلك فكيف تصح نسبة النسخ إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بأخبار هؤلاء الرواة؟ مع أن نسبة النسخ إلى النبي (صلى الله عليه وآله) تنافي جملة من الروايات التي تضمنت أن الاسقاط قد وقع بعده. وإن أرادوا أن النسخ قد وقع من الذين تصدوا للزعامة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) فهو عين القول بالتحريف. وعلى ذلك فيمكن أن يدعى أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة، لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة. سواء أنسخ الحكم أم لم ينسخ، بل تردد الأصوليون منهم في جواز تلاوة الجنب ما نسخت تلاوته، وفي جواز أن يمسه المحدث. واختار بعضهم عدم الجواز. نعم ذهبت طائفة من المعتزلة إلى عدم جواز نسخ التلاوة(3).
ومن العجيب أن جماعة من علماء أهل السنة أنكروا نسبة القول بالتحريف إلى أحد من علمائهم، حتى أن الالوسي كذب الطبرسي في نسبة القول بالتحريف إلى الحشوية، وقال: "إن أحدا من علماء أهل السنة لم يذهب إلى ذلك".
وأعجب من ذلك أنه ذكر أن قول الطبرسي بعدم التحريف نشأ من ظهور فساد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الموافقات لأبي اسحاق الشاطبي: 3 / 106 طبعة المطبعة الرحمانية بمصر.
(2) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: 3 / 217.
(3) نفس المصدر: 3/ 201 – 203.

ــ[207]ــ

قول أصحابه بالتحريف، فالتجأ هو إلى إنكاره(1).
مع انك قد عرفت أن القول بعدم التحريف هو المشهور بل المتسالم عليه بين علماء الشيعة ومحققيهم، حتى أن الطبرسي قد نقل كلام السيد المرتضى بطوله، واستدلاله على بطلان القول بالتحريف بأتم بيان وأقوى حجة(2).
التحريف والكتاب:
والحق بعد هذا كله أن التحريف "بالمعنى الذي وقع النزاع فيه" غير واقع في القرآن أصلا بالأدلة التالية:
الدليل الأول - قوله تعالى:
{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(15: 9).
فإن في هذه الآية دلالة على حفظ القرآن من التحريف، وأن الأيدي الجائرة لن تتمكن من التلاعب فيه.
والقائلون بالتحريف قد أولوا هذه الآية الشريفة، وذكروا في تأويلها وجوها:
الأول: "أن الذكر هو الرسول" فقد ورد استعمال الذكر فيه في قوله تعالى:
{قد أنزل الله إليكم ذكرا 65: 10. رسولا يتلوا عليكم آيات الله: 11}.
وهذا الوجه بين الفساد: لأن المراد بالذكر هو القرآن في كلتا الآيتين بقرينة التعبير "بالتنزيل والإنزال" ولو كان المراد هو الرسول لكان المناسب أن يأتي بلفظ "الإرسال" أو بما يقاربه في المعنى، على ان هذا الاحتمال إذا تم في الآية الثانية فلا يتم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع روح المعاني: 1 / 24.
(2) مجمع البيان: 1 / 15، المقدمة.

ــ[208]ــ

في آية الحفظ، فإنها مسبوقة بقوله تعالى:
{وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}
(15: 6).
ولا شبهة في أن المراد بالذكر في هذه الآية هو القرآن، فتكون قرينة على أن المراد من الذكر في آية الحفظ هو القرآن أيضا.
الثاني: "أن يراد من حفظ القرآن صيانته عن القدح فيه، وعن إبطال ما يتضمنه من المعاني العالية، والتعاليم الجليلة".
وهذا الاحتمال أبين فسادا من الأول: لأن صيانته عن القدح إن أريد بها حفظه من قدح الكفار والمعاندين فلا ريب في بطلان ذلك، لأن قدح هؤلاء في القرآن فوق حد الاحصاء. وإن أريد أن القرآن رصين المعاني، قوي الاستدلال مستقيم الطريقة، وأنه لهذه الجهات ونحوها أرفع مقاما من أن يصل إليه قدح القادحين، وريب المرتابين فهو صحيح ولكن هذا ليس من الحفظ بعد التنزيل كما تقوله الآية، لأن القرآن بما له من الميزات حافظ لنفسه، وليس محتاجا إلى حافظ آخر، وهو غير مفاد الآية الكريمة، لأنها تضمنت حفظه بعد التنزيل.
الثالث: "أن الآية دلت على حفظ القرآن في الجملة، ولم تدل على حفظ كل فرد من أفراد القرآن، فان هذا غير مراد من الآية بالضرورة وإذا كان المراد حفظه في الجملة، كفى في ذلك حفظه عند الإمام الغائب (عليه السلام).
وهذا الاحتمال أوهن الاحتمالات: لأن حفظ القرآن يجب أن يكون عند من انزل إليهم وهم عامة البشر، أما حفظه عند الإمام (عليه السلام) فهو نظير حفظه في اللوح المحفوظ، أو عند ملك من الملائكة، وهو معنى تافه يشبه قول القائل: إني أرسلت إليك بهدية وأنا حافظ لها عندي، أو عند بعض خاصتي.

ــ[209]ــ

ومن الغريب قول هذا القائل إن المراد في الآية حفظ القرآن في الجملة، لا حفظ كل فرد من أفراده، فكأنه توهم أن المراد بالذكر هو القرآن المكتوب، أو الملفوظ لتكون له أفراد كثيرة، ومن الواضح أن المراد ليس ذلك، لأن القرآن المكتوب أو الملفوظ لا دوام له خارجا، فلا يمكن أن يراد من آية الحفظ وإنما المراد بالذكر هو المحكي بهذا القرآن الملفوظ أو المكتوب، وهو المنزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمراد بحفظه صيانته عن التلاعب، وعن الضياع، فيمكن للبشر عامة أن يصلوا إليه، وهو نظير قولنا القصيدة الفلانية محفوظة، فإنا نريد من حفظها صيانتها، وعدم ضياعها بحيث يمكن الحصول عليها.
نعم هنا شبهة أخرى ترد على الاستدلال بالآية الكريمة على عدم التحريف. وحاصل هذه الشبهة أن مدعي التحريف في القرآن يحتمل وجود التحريف في هذه الآية نفسها، لأنها بعض آيات القرآن، فلا يكون الاستدلال بها صحيحا حتى يثبت عدم التحريف، فلو أردنا أن نثبت عدم التحريف بها كان ذلك من الدور الباطل.
وهذه شبهة تدل على عزل العترة الطاهرة عن الخلافة الإلهية، ولم يعتمد على أقوالهم وأفعالهم، فانه لا يسعه دفع هذه الشبهة، وأما من يرى أنهم حجج الله على خلقه، وأنهم قرناء الكتاب في وجوب التمسك فلا ترد عليه هذه الشبهة، لأن استدلال العترة بالكتاب، وتقرير أصحابهم عليه يكشف عن حجية الكتاب الموجود، وإن قيل بتحريفه، غاية الأمر أن حجية الكتاب على القول بالتحريف تكون متوقفة على إمضائهم.
الدليل الثاني قوله تعالى:
{وإنه لكتاب عزيز 41: 41. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: 42}.

ــ[210]ــ

فقد دلت هذه الآية الكريمة على نفي الباطل بجميع أقسامه عن الكتاب فإن النفي إذا ورد على الطبيعة أفاد العموم، ولا شبهة في أن التحريف من أفراد الباطل، فيجب أن لا يتطرق إلى الكتاب العزيز.
وقد أجيب عن هذا الدليل:
بأن المراد من الآية صيانة الكتاب من التناقض في أحكامه، ونفي الكذب عن أخباره، واستشهد لذلك برواية علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: "لا يأتيه الباطل من قبل التوراة، ولا من قبل الإنجيل، والزبور، ولا من خلفه أي لا يأتيه من بعده بكتاب يبطله" ورواية مجمع البيان عن الصادقين (عليهم السلام) أنه: "ليس في اخباره عما مضى باطل، ولا في إخباره عما يكون في المستقبل باطل".
ويرد هذا الجواب:
أن الرواية لا تدل على حصر الباطل في ذلك، لتكون منافية لدلالة الآية على العموم، وخصوصا إذا لاحظنا الروايات التي دلت على أن معاني القرآن لا تختص بموارد خاصة، وقد تقدم بعض هذه الروايات في مبحث "فضل القرآن" فالآية دالة على تنزيه القرآن في جميع الأعصار عن الباطل بجميع أقسامه، والتحريف من أظهر أفراد الباطل فيجب أن يكون مصونا عنه، ويشهد لدخول التحريف في الباطل، الذي نفته الآية عن الكتاب أن الآية وصفت الكتاب بالعزة، وعزة الشيء تقتضي المحافظة عليه من التغيير والضياع، أما إرادة خصوص التناقض والكذب من لفظ الباطل في الآية الكريمة، فلا يناسبها توصيف الكتاب بالعزة.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net