الشبهة الاولى - الشبهة الثانية 

الكتاب : البيان في تفسـير القرآن - خطبـة الكتاب   ||   القسم : التفسير   ||   القرّاء : 3651

الشبهة الأولى:
إن التحريف قد وقع في التوراة والإنجيل، وقد ورد في الروايات المتواترة من طريقي الشيعة والسنة: أن كل ما وقع في الأمم السابقة لابد وأن يقع مثله في هذه الأمة، فمنها ما رواه الصدوق في "الإكمال" عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال:
"قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل ما كان في الأمم السالفة، فإنه يكون في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة "(1).
ونتيجة ذلك: أن التحريف لابد من وقوعه في القرآن، وإلا لم يصح معنى هذه الأحاديث.
والجواب عن ذلك:
أولا: أن الروايات المشار إليها أخبار آحاد لا تفيد علما ولا عملا، ودعوى التواتر فيها جزافية لا دليل عليها، ولم يذكر من هذه الروايات شيء في الكتب الأربعة، ولذلك فلا ملازمة بين وقوع التحريف في التوراة ووقوعه في القرآن.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كمال الدين: ص 576 الباب 54. وقد تقدم بعض مصادر هذا الحديث من طرق أهل السنة في ما تقدم من هذا الكتاب.

 
 

ــ[221]ــ

ثانيا: أن هذا الدليل لو تم لكان دالا على وقوع الزيادة في القرآن أيضا، كما وقعت في التوراة والإنجيل، ومن الواضح بطلان ذلك.
ثالثا: إن كثيرا من الوقائع التي حدثت في الأمم السابقة لم يصدر مثلها في هذه الأمة، كعبادة العجل، وتيه بني إسرائيل أربعين سنة، وغرق فرعون وأصحابه، وملك سليمان للإنس والجن، ورفع عيسى إلى السماء وموت هارون وهو وصي موسى قبل موت موسى نفسه، وإتيان موسى بتسع آيات بينات، وولادة عيسى من غير أب، ومسخ كثير من السابقين قردة وخنازير، وغير ذلك مما لا يسعنا إحصاؤه، وهذا أدل دليل على عدم إرادة الظاهر من تلك الروايات، فلابد من إرادة المشابهة في بعض الوجوه.
وعلى ذلك فيكفي في وقوع التحريف في هذه الأمة عدم اتباعهم لحدود القرآن، وإن أقاموا حروفه كما في الرواية التي تقدمت في صدر البحث، ويؤكد ذلك ما رواه أبو واقد الليثي: "أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم. فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي (صلى الله عليه وآله) سبحان الله هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم" (1) فإن هذه الرواية صريحة في أن الذي يقع في هذه الأمة، شبيه بما وقع في تلك الأمم من بعض الوجوه.
رابعا: لو سلم تواتر هذه الروايات في السند، وصحتها في الدلالة، لما ثبت بها أن التحريف قد وقع فيما مضى من الزمن، فلعله يقع في المستقبل زيادة ونقيصة، والذي يظهر من رواية البخاري تحديده بقيام الساعة، فكيف يستدل بذلك على وقوع التحريف في صدر الإسلام، وفي زمان الخلفاء.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنن الترمذي: 9 / 26، كتاب الفتن باب ما جاء لتركبن سنن من قبلكم رقم الحديث: 2106، ومسند أحمد: مسند الأنصار، رقم الحديث: 20892.

ــ[222]ــ

الشبهة الثانية:
أن عليا (عليه السلام) كان له مصحف غير المصحف الموجود، وقد أتى به إلى القوم فلم يقبلوا منه، وأن مصحفه (عليه السلام) كان مشتملا على أبعاض ليست موجودة في القرآن الذي بأيدينا، ويترتب على ذلك نقص القرآن الموجود عن مصحف أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وهذا هو التحريف الذي وقع الكلام فيه، والروايات الدالة على ذلك كثيرة:
منها: ما في رواية احتجاج علي (عليه السلام) على جماعة من المهاجرين والأنصار أنه قال:
"يا طلحة إن كل آية أنزلها الله تعالى على محمد (صلى عليه وآله وسلم) عندي بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط يدي، وتأويل كل آية أنزلها الله تعالى على محمد (صلى الله عليه وآله) وكل حلال، أو حرام، أو حد أو حكم، أو شيء تحتاج إليه
الأمة إلى يوم القيامة، فهو عندي مكتوب بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط يدي، حتى أرش الخدش..." (1).
ومنها: ما في احتجاجه (عليه السلام) على الزنديق من أنه:
"أتى بالكتاب كملا مشتملا على التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، لم يسقط منه حرف ألف ولا لام فلم يقبلوا ذلك"(2).
ومنها: ما رواه في الكافي، بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:
"ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله، ظاهره وباطنه غير الأوصياء" (3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقدمة تفسير البرهان: 1 / 27. وفي هذه الرواية تصريح بأن ما في القرآن الموجود كله قرآن.
(2) تفسير الصافي: المقدمة السادسة ص 11.
(3) الكافي: 1 / 228، الحديث: 2.

ــ[223]ــ

وبإسناده عن جابر. قال:
"سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده (عليهم السلام)"(1).
والجواب عن ذلك:
إن وجود مصحف لأمير المؤمنين (عليه السلام) يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور مما لا ينبغي الشك فيه، وتسالم العلماء الأعلام على وجوده أغنانا عن التكلف لإثباته، كما أن اشتمال قرآنه (عليه السلام) على زيادات ليست في القرآن الموجود، وإن كان صحيحا إلا أنه لا دلالة في ذلك على أن هذه الزيادات كانت من القرآن، وقد أسقطت منه بالتحريف، بل الصحيح أن تلك الزيادات كانت تفسيرا بعنوان التأويل، وما يؤول إليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله شرحا للمراد. وإن هذه الشبهة مبتنية على أن يراد من لفظي التأويل والتنزيل ما اصطلح عليه المتأخرون من إطلاق لفظ التنزيل على ما نزل قرآنا، وإطلاق لفظ التأويل على بيان المراد من اللفظ، حملا له على خلاف ظاهره، إلا أن هذين الإطلاقين من الاصطلاحات المحدثة، وليس لهما في اللغة عين ولا أثر ليحمل عليهما هذان اللفظان "التنزيل والتأويل" متى وردا في الروايات المأثورة عن أهل البيت(عليهم السلام).
وإنما التأويل في اللغة مصدر مزيد فيه، وأصله "الأول" بمعنى الرجوع. ومنه قولهم: "أول الحكم إلى أهله أي رده اليهم". وقد يستعمل التأويل ويراد منه العاقبة، وما يؤول إليه الأمر. وعلى ذلك جرت الآيات الكريمة:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر.

ــ[224]ــ

{ويعلمك من تأويل الأحاديث 12: 6. نبئنا بتأويله: 36. هذا تأويل رؤياي: 100. ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا 18: 182.
وغير ذلك من موارد استعمال هذا اللفظ في القرآن الكريم، وعلى ذلك فالمراد بتأويل القرآن ما يرجع إليه الكلام، وما هو عاقبته، سواء كان ذلك ظاهرا يفهمه العارف باللغة العربية، أم كان خفيا لا يعرفه إلا الراسخون في العلم.
وأما التنزيل فهو أيضا مصدر مزيد فيه، وأصله النزول، وقد يستعمل ويراد به ما نزل، ومن هذا القبيل إطلاقه على القرآن في آيات كثيرة، منها قوله تعالى:
{إنه لقرآن كريم 56: 77. في كتاب مكنون: 78. لا يمسه إلا المطهرون: 79. تنزيل من رب العالمين: 80}.
وعلى ما ذكرناه فليس كل ما نزل من الله وحيا يلزم أن يكون من القران، فالذي يستفاد من الروايات في هذا المقام أن مصحف علي (عليه السلام) كان مشتملا على زيادات تنزيلا أو تأويلا. ولا دلالة في شيء من هذه الروايات على أن تلك الزيادات هي من القرآن. وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذكر أسماء المنافقين في مصحف أميرالمؤمنين(عليه السلام) فان ذكر أسمائهم لابد وأن يكون بعنوان التفسير.
ويدل على ذلك ما تقدم من الأدلة القاطعة على عدم سقوط شيء من القرآن، أضف إلى ذلك أن سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) مع المنافقين تأبى ذلك فإن دأبه تأليف قلوبهم، والإسرار بما يعلمه من نفاقهم، وهذا واضح لمن له أدنى اطلاع على سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) وحسن أخلاقه، فكيف يمكن أن يذكر أسماءهم في القرآن، ويأمرهم بلعن أنفسهم، ويأمر سائر المسلمين ذلك ويحثهم عليه ليلا ونهارا، وهل يحتمل ذلك حتى ينظر في صحته

ــ[225]ــ

وفساده أو يتمسك في إثباته بما في بعض الروايات من وجود أسماء جملة من المنافقين في مصحف علي (عليه السلام) وهل يقاس ذلك بذكر أبي لهب المعلن بشركه، ومعاداته للنبي (صلى الله عليه وآله) مع علم النبي بأنه يموت على شركه. نعم لا بعد في ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) أسماء المنافقين لبعض خواصه كأمير المؤمنين (عليه السلام) وغيره في مجالسه الخاصة.
وحاصل ما تقدم: أن وجود الزيادات في مصحف علي (عليه السلام) وإن كان صحيحا، إلا أن هذه الزيادات ليست من القران، ومما أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتبليغه إلى الامة، فإن الالتزام بزيادة مصحفه بهذا النوع من الزيادة قول بلا دليل، مضافا إلى أنه باطل قطعا. ويدل على بطلانه جميع ما تقدم من الأدلة القاطعة على عدم التحريف في القرآن.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net