الرجم على المتعة - مزاعم حول المتعة 

الكتاب : البيان في تفسـير القرآن - خطبـة الكتاب   ||   القسم : التفسير   ||   القرّاء : 3600

الرجم على المتعة:
قد صح في عدة روايات ـ تقدم بعضها ـ أن عمر حكم بالرجم على المتعة. فمنها: ما رواه جابر، قال:
"تمتعنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما قام عمر قال إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحجة والعمرة لله كما أمركم، وأبتوا نكاح هذه النساء فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة"(2).
ومنها: ما رواه الشافعي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت:
"إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولدة فحملت منه فخرج
ــــــــــــــــ
(2) صحيح مسلم: 4 / 36، كتاب الحج باب المتعة بالحج والعمرة، رقم الحديث: 2135. وروى الطيالسي قريبا منها عن جابر في مسنده: 8 / 247.

ــ[326]ــ

عمر يجر رداءه فزعا، فقال: هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيه لرجمته"(1).
ومنها: ما رواه نافع عن عبدالله بن عمر:
"إنه سئل عن متعة النساء، فقال: حرام، أما إن عمر بن الخطاب لو أخذ فيها أحدا لرجمه"(2).
ونهج ابن الزبير هذا المنهج، فإنه حينما أنكر نكاح المتعة، قال له ابن عباس:
"إنك لجلف جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين ـ رسول الله ـ فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك"(3).
وهذا من الغريب، وكيف يستحق الرجم رجل من المسلمين خالف عمر في الفتيا واستند في قوله هذا إلى حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونص الكتاب، ولنفرض أن هذا الرجل كان مخطئا في اجتهاده، أفليست الحدود تدرأ بالشبهات؟! على أن ذلك فرض محض، وقد علمت أنه لا دليل يثبت دعوى النسخ.
وما أبعد هذا القول من مذهب أبي حنيفة، حيث يرى سقوط الحد إذا تزوج الرجل بامرأة نكاحا فاسدا وبإحدى محارمه في النكاح، ودخل بها مع العلم بالحرمة وفساد العقد(4) وأنه إذا استأجر امرأة فزنى بها، سقط الحد لأن الله تعالى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنن البيهقي: 7 / 206، باب نكاح المتعة. وموطأ مالك: كتاب النكاح، رقم الحديث: 995. ومنه "ولو كنت تقدمت فيها لرجمت".
(2) نفس المصدر.
(3) صحيح مسلم: 4 / 133، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة رقم الحديث: 2508.
(4) الهداية، وفتح القدير: 4 / 147.

ــ[327]ــ

سمى المهر أجرا. وقد روي تحو ذلك عن عمر بن الخطاب أيضا(1).
مزاعم حول المتعة:
زعم صاحب المنار أن التمتع ينافي الإحصان، بل يكون قصده الأول المسافحة، لأنه ليس من الإحصان في شيء أن تؤجر المرأة نفسها كل طائفة من الزمن لرجل، فتكون كما قيل:
                                                      كرة حذفت بصوالجة      فتلقفها رجل رجل
وزعم أنه ينافي قوله تعالى:
{والذين هم لفروجهم حافظون 23 : 5. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين: 6. فمن ابتغى وراء ذالك فأولئك هم العادون: 7}.
ثم ذكر أن تحريم عمر لم يكن من قبل نفسه، فان ثبت أنه نسبه إلى نفسه فمعناه أنه بين تحريمها، أو أنه أنفذه. ثم إنه استغفر بعد ذلك عما كتبه في المنار من أن عمر منع المتعة اجتهادا منه ووافقه عليه الصحابة(2).
ودفعا لهذه المزاعم نقول: أما حكاية منافاة التمتع للإحصان فهو مبني على ما يزعمه هو من أن المتمتع بها ليست زوجة، وقد أوضحنا - فيما تقدم - فساد هذا القول ومنه يظهر أيضا فساد توهمه أن جواز التمتع ينافي وجوب حفظ الفروج على غير الأزواج.
وأما تعبيره عن عقد المتعة باجارة المرأة نفسها، وتشبيه المرأة بالكرة التي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أحكام القرآن للجصاص: 2 / 146.
(2) تفسير المنار: 5 / 13 ـ 16.

ــ[328]ــ

تتلقفها الأيدي، فهو - لو كان صحيحا - لكان ذلك اعتراضا على تشريع هذا النوع من النكاح على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن هذا التشبيه والتقبيح لا يختص بزمان دون زمان، ولا يشك مسلم في أن التمتع كان حلالا على عهد رسول الله (صلىالله عليه وآله) وقد عرفت ـ فيما تقدم ـ أن إباحته استمرت حتى إلى مدة من عهد عمر.
ومن الغريب: أن يصرح – هنا - انه لا يقصد غير بيان الحق، وانه لم يتعصب لمذهب، ثم يجره التعصب إلى أن يشنع على ما ثبت في الشرع الإسلامي بنص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وإن وقع الاختلاف بينهم في نسخه واستمراره. أضف إلى ذلك أن انتقال المرأة من رجل إلى رجل لو كان قبيحا لكان ذلك مانعا عن طلاق المرأة في العقد الدائم، لتنتقل إلى عصمة رجل آخر، وعن انتقال المرأة بملك اليمين، ولم يستشكل في ذلك أحد من المسلمين، إلا أن صاحب المنار في مندوحة عن هذا الإشكال، لأنه يرى المنع من الاسترقاق، وأن في تجويزه مفاسد كثيرة، وزعم أن العلماء الأعلام أهملوا ذكر ذلك، وذهب إلى بطلان العقد الدائم، إذا قصد الزوج من أول الأمر الطلاق بعد ذلك، وخالف في ذلك فتاوى فقهاء المسلمين.
ومن الغريب أيضا: ما وجه به نسبة عمر تحريم المتعة إلى نفسه، فإنه لا ينهض ذلك بما زعمه، فإن بيان عمر للتحريم إما أن يكون اجتهادا منه على خلاف قول النبي (صلى الله عليه وآله)، وإما أن يكون اجتهادا منه بتحريم النبي إياها، وإما أن يكون رواية منه للتحريم عن النبي (صلى الله عليه وآله).
أما احتمال أن يكون قوله رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) فلا يساعد عليه نسبة التحريم، والنهي إلى نفسه في كثير من الروايات. على أنه إذا كان رواية، كانت معارضة بما تقدم من الروايات الدالة على بقاء إباحة المتعة إلى مدة غير يسيرة من خلافة عمر، وأين كان عمر أيام خلافة أبي بكر؟ وهلا أظهر روايته لأبي بكر ولسائر المسلمين؟ على

ــ[329]ــ

أن رواية عمر خبر واحد لا يثبت به النسخ.
وأما احتمال أن يكون قول عمر هذا اجتهادا منه بتحريم النبي نكاح المتعة فهو أيضا لا معنى له بعد شهادة جماعة من الصحابة بإباحته في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى وفاته. على أن اجتهاده هذا لا يجدي غيره ممن لم يؤمر باتباع اجتهاده ورأيه، بل وهذان الاحتمالان مخالفان لتصريح عمر في خطبته: "متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما".
وإذن فقد انحصر الأمر في أن التحريم كان اجتهادا منه على خلاف قول رسول الله بالإباحة، ولأجل ذلك لم تتبعه الأمة في تحريمه متعة الحج وفي ثبوت الحد في نكاح المتعة، فإن اللازم على المسلم أن يتبع قول النبي (صلى الله عليه وآله) وأن يرفض كل اجتهاد يكون على خلافه:
{وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} (33 : 36).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ما أحللت إلا ما أحل الله، ولا حرمت إلا ما حرم الله" (1).
وقال (صلى الله عليه وآله): "فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه ـ فمه ـ إلا حق"(2).
ومع هذا كله: فقد قال القوشجي في الاعتذار عن تحريم عمر المتعة، خلافا لرسول الله وأجيب: "بأن ذلك ليس مما يوجب قدحا فيه، فإن مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع"(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات ابن سعد: 4 / 72 طبعة مصر، وبمضمونها رواية ما بعدها.
(2) سنن أبى داود: كتاب العلم، رقم الحديث: 3161. راجع التاج: 1/ 66.
(3) شرح التجريد في مبحث الإمامة.

ــ[330]ــ

وقال الآمدي: اختلفوا في أن النبي (صلى الله عليه وآله) هل كان متعبدا بالاجتهاد فيما لا نص فيه؟ فقال أحمد بن حنبل، والقاضي أبو يوسف: "إنه كان متعبدا به" وجوز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع، وبه قال بعض أصحاب الشافعي والقاضي عبدالجبار، وأبوالحسين البصري، ثم قال: "والمختار جواز ذلك عقلا ووقوعه سمعا"(1).
وقال فيه أيضا: القائلون بجواز الاجتهاد للنبي (صلى الله عليه وآله) اختلفوا في جواز الخطأ عليه في اجتهاده، فذهب بعض أصحابنا إلى المنع من ذلك، وذهب أكثر أصحابنا، والحنابلة، وأصحاب الحديث، والجبائي، وجماعة من المعتزلة إلى جوازه، لكن بشرط أن لا يقر عليه وهو المختار(2).
وحاصل ما تقدم: أن آية التمتع لا ناسخ لها، وأن تحريم عمر، وموافقة جمع من الصحابة له على رأيه طوعا أو كرها إنما كان اجتهادا في مقابل النص، وقد اعترف بذلك جماعة، وأنه لا دليل على تحريم المتعة غير نهي عمر، إلا أنهم رأوا أن اتباع سنة الخلفاء كاتباع سنة النبي (صلى الله عليه وآله) (3).
وعلى أي فما أجود ما قاله عبدالله بن عمر: "أرسول الله (صلى الله عليه وآله) أحق أن تتبع سنته أم سنة عمر"، وما أحق ما قاله الشيخ محمد عبده في تفسير قوله تعالى: {الطلاق مرتان}(4).

                                                                         *****
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإحكام في أصول الأحكام: 4 / 222.
(2) نفس المصدر: ص 290.
(3) هامش المنتقى للفقي: 2 / 519.
(4) انظر التعليقة رقم (8) في قسم التعليقات رأي ابن عبده في الطلاق الثلاث.

ــ[331]ــ

14 ـ {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا} (4: 33).
قد اختلفت الآراء في مدلول الآية المباركة:
فمنهم من حمل ذيل الآية المباركة {والذين عقدت أيمانكم} على بيان حكم مستقل عن سابقه، فجعله جملة مستأنفة، وفسر كلمة "نصيبهم" بالنصر، والنصح، والرفادة، والعون، والعقل، والمشورة، وعلى ذلك: فالآية محكمة غير منسوخة، وهذا القول منسوب إلى ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير(1)، ومنهم من جعله معطوفا على ما قبله، وفسر كلمة "نصيبهم" بما يستحقه الوارث من التركة.
ثم إن هؤلاء قد اختلفوا: فذهب بعضهم إلى أن المراد بعقد اليمين في الآية المباركة عقد المؤاخاة، وما يشبهه من العقود التي كانت يتوارث بسببها في الجاهلية، وقد أقر الإسلام ذلك إلى أن نزلت آية المواريث:
{واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} (8: 75).
وعلى ذلك فالآية منسوخة(2).
وذهب بعضهم إلى أن المراد بعقد اليمين خصوص عقد ضمان الجريرة وعلى ذلك فان قلنا بما ذهب إليه أكثر علماء أهل السنة من أنه لا إرث بعقد ضمان الجريرة كانت الآية منسوخة أيضا بآية المواريث (3)، وإن قلنا بما ذهب إليه أبوحنيفة وأصحابه من ثبوت الإرث بهذا العقد كانت الآية محكمة غير منسوخة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 107.
(2) نفس المصدر: ص 109.
(3) تفسير ابن كثير: 1 / 490.

ــ[332]ــ

وقد استدلوا على ذلك بأن آية المواريث لم تنف إرث غير أولي الأرحام، وإنما قدمهم على غيرهم، فلا تنافي بين الآيتين، لتكون آية المواريث ناسخة لهذه الآية(1).
والحق: إن المراد بالآية ما هو ظاهرها الذي يفهم منها، وهو ثبوت الإرث بالمعاقدة، ومع ذلك فلا نسخ لمدلول الآية.
وبيان ذلك: إن سياق الآية يقتضي أن يكون المراد بالنصيب المذكور فيها هو الإرث، وحمله على النصرة وما يشبهها خلاف ظاهرها، بل كاد يكون صريحها.
ثم إن ذكر الطوائف الثلاث في الآية لا يدل علىاشتراكهموتساويهم في الطبقة، فإن الولد يرث أبويه ولا يرث معهأحد من أقرباء الميت من أولي أرحامه فالذي يستفاد من الآية الكريمة أن الموروث هو هذه الطوائف الثلاث، وأما ترتيب الإرث وتقدم بعض الوارث على بعض فلا يستفاد من الآية، وقد استفيد ذلك من الأدلة الأخرى في الكتاب والسنة.
وعلى هذا الذي ذكرناه تكون الآية الكريمة جامعة لجميع الوراث على الإجمال، فالولد يرث ما تركه الوالدان، والأقربون من أولي الأرحام يرث بعضهم بعضا، ومن عقد معه يرث في الجملة تشريكا أو ترتيبا.
وتفصيل ذلك:
إن الإرث من غير جهة الرحم لابد له من تحقق عقد والتزام من العاقد بيمينه وقدرته، وهو تارة يكون من جهة الزواج، فكل من الزوجين يرث صاحبه بسبب عقد الزواج الذي تحقق بينهما، وتارة يكون من جهة عقد البيعة والتبعية ويسمى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) احكام القرآن للجصاص: 2 / 185.

ــ[333]ــ

ذلك بولاء الإمامة، ولا خلاف في ثبوت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد ورد في عدة روايات من طرق أهل السنة أنه (صلى الله عليه وآله) قال: "أنا وراث من لا وارث له "(1).
ولا إشكال أيضا في ثبوته لأوصياء النبي الكرام (عليهم السلام) فقد ثبت بالأدلة القطعية أنهم بمنزلة نفس الرسول (صلى الله عليه وآله)، وعلى ذلك اتفقت كلمات الإمامية وروايات أهل البيت (عليهم السلام) وتارة يكون من جهة عقد العتق، فيرث المعتق عبده الذي أعتقه بولاء العتق، ولا خلاف في ذلك بين الإمامية، وقال به جمع من غيرهم، وتارة يكون من جهة عقد الضمان ويسمى ذلك "بولاء ضمان الجريرة" وقد اتفقت الإمامية على ثبوت الإرث بسبب هذا الولاء، وذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه.
وجملة القول: فدعوى نسخ الآية يتوقف على ثبوتها على أمرين:
1 ـ أن يكون قوله تعالى:
{والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم}(4: 33).
في الآية معطوفا على ما قبله، ولا يكون جملة مستأنفة ليكون المراد من "نصيبهم" النصح والمشورة وما يشبههما.
2 ـ أن يراد بعقد اليمين فيها: خصوص ضمان الجريرة، مع الالتزام بعدم ثبوت الإرث به، أو عقد المؤاخاة وما يشبهه من العقود التي اتفق المسلمون على عدم ثبوت الإرث بها.
أما "الأمر الأول": فلا ريب فيه، وهو الذي يقتضيه سياق الآية.
وأما "الأمر الثاني": فهو ممنوع، لأن ضمان الجريرة أحد مصاديق عقد اليمين،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنن أبي داود: كتاب الفرائض، رقم الحديث: 2514، وسنن ابن ماجه: كتاب الديات، رقم الحديث: 2624، ومسند أحمد: مسند الشاميين، رقم الحديث: 16547، راجع المنتقى: 2 / 462.

ــ[334]ــ

ومع ذلك فلم ينسخ حكمه، ودعوى أن المراد بعقد اليمين العقود التي لا توجب التوريث، كالمؤاخاة ونحوها لا دليل على ثبوتها.

*****

15 ـ {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون}( 4: 43).
فقد ذهب أكثر العلماء إلى أنها منسوخة(1) ولكن وقع الكلام في ناسخها فعن قتادة ومجاهد أنها منسوخة بتحريم الخمر. وحكي هذا القول عن الحسن أيضا(2)، وعن ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى:
{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} ( 5: 6).
وكلا هذين القولين ظاهر الفساد:
أما القول الأول: فلأن الآية الكريمة لا دلالة فيها على جواز شرب الخمر بوجه، وإن فرض أن تحريم الخمر لم يكن في زمان نزول الآية، فالآية لا تعرض لها لحكم الخمر رخصة أو تحريما. على أن هذا مجرد فرض لا وقوع له، ففي رواية ابن عمر: نزلت في الخمر ثلاث آيات فأول شيء نزل:
{يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} (2: 219).
فقيل: حرمت الخمر، فقيل يا رسول الله دعنا ننتفع بها، كما قال الله عز وجل،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 109.
(2) أحكام القرآن للجصاص: 2 / 201.

ــ[335]ــ

فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية(1):
{لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى} (4: 43).
وروى نحو ذلك أبو هريرة(2). وروى أبو ميسرة، عن عمر بن الخطاب قال: "لما نزل تحريم الخمر، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة:
{يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير}(2 : 19).
قال: فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في سورة النساء:
{يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}(4: 43).
فكان منادي رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أقام الصلاة نادى: لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في المائدة فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ:
{فهل أنم منتهون}(5: 91).
قال: فقال عمر: "انتهينا انتهينا"(3). وأخرج النسائي أيضا هذا الحديث باختلاف يسير في ألفاظه(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مسند الطيالسي: 8 / 264.
(2) مسند احمد: 2 / 351، باقي مسند المكثرين رقم الحديث: 8266.
(3) نفس المصدر: 1 / 53، مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم الحديث: 355، وسنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن، رقم الحديث: 2975.
(4) سنن النسائي: 2 / 323، كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر، رقم الحديث: 5445.

ــ[336]ــ

وأما القول الثاني: فلأن وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة لا مساس له بمضمون الآية الكريمة ليكون ناسخا لها.
ولعل القائل بالنسخ يتوهم فيقول: إن النهي عن القرب إلى الصلاة حالة السكر يقتضي أن يراد بالسكر ما لا يبلغ بالشخص إلى حد الغفلة عن التكاليف وامتثالها، وعدم الالتفات إليها. فإن الذي يصل به السكر إلى هذا الحد يكون تكليفه قبيحا، وعلى ذلك فإذا فرضنا أن شخصا شرب الخمر، وحصل له هذا المقدار من السكر فهو مكلف بالصلاة بالإجماع، وذلك يستلزم نسخ مفاد الآية.
ولكن هذا القول توهم فاسد، فان المراد بالسكر بقرينة قوله تعالى:
{حتى تعلموا ما تقولون}(4: 43).
هي المرتبة التي يفقد السكران معها الشعور، وهذا النهي قد يحمل على الحرمة التكليفية، ولا ينافيها فقد الشعور، لأن إقامة الصلاة في ذلك الحال، وإن كانت غير مقدورة إلا أن فقده لشعوره هذا كان باختياره، والممتنع بالاختيار لا ينافي صحة العقاب عليه عقلا، فيصح تعلق النهي بها قبل أن يتناول المسكر باختياره، ومثل هذا كثير في الشريعة الإسلامية.
وقد يراد من النهي الإرشاد إلى فساد الصلاة في هذا الحال كما هو الظاهر من مثل هذا التركيب، والأمر على هذا الاحتمال واضح جدا، وعلى كل فلا سبب يوجب الالتزام بالنسخ في الآية.

*****

16 ـ {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شآء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم

ــ[337]ــ

فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا}(4: 90).
فقد ذكروا أن الآية منسوخة بالأمر بنبذ ميثاق المشركين، وبالأمر بقتالهم سواء أكانوا اعتزلوا المسلمين أم لم يعتزلوهم، فيكون في الآية موردان للنسخ.
والجواب:
إن الآية الكريمة نزلت في شأن المنافقين الذين تولوا وكفروا بعد إسلامهم في الظاهر، والدليل على ذلك سياق الآية الكريمة، فقد قال الله تعالى:
{فما لكم في المنافقين فئتين والله اركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا 4: 88. ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا: 89. إلا الذين يصلون: 90}.
وعلى ذلك فالحكم في الآية وارد في المرتدين الذين كانوا كفارا ثم أسلموا ثم كفروا بعد إسلامهم، والحكم فيهم بمقتضى الآية هو القتل إلا في موردين:
1 ـ وصولهم إلى قوم بينهم وبين المسلمين معاهدة، واستجارتهم بهم فيجري عليهم حكم القوم الذين استجاروا بهم بمقتضى المعاهدة، ولكن هذا الحكم مشروط ببقاء المعاهدة، فإذا ألغيت بينهم وبين المسلمين لم يبق للحكم موضوع وقد أوضحنا في أول هذا البحث أن ارتفاع الحكم بسبب ارتفاع موضوعه ليس من النسخ في شيء، وقد ألغيت المعاهدة بين المسلمين والمشركين في سورة التوبة وأمهلوا أربعة

ــ[338]ــ

أشهر ليتخيروا إما الإسلام، وإما الخروج عن بلاد المسلمين، وعلى ذلك فلم يبق موضوع للاستجارة التي ذكرتها الآية.
2 ـ مجيئهم إلى المسلمين، وقد حصرت صدورهم عن القتال مع اعتزالهم، وإلقائهم السلم إلى المسلمين بعد الردة، والمراد بإلقاء السلم إلقاء السلم إظهار الإسلام، والإقرار بالشهادتين، ويشهد لهذا قوله تعالى:
{ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا}(4 : 94).
فالآية دالة على قبول المرتد الملي إذا أظهر التوبة والإسلام، وانه لا يقتل بعد التوبة، وقد استقر على هذا مذهب الإمامية: ولم ترد في القرآن آية تدل على وجوب قتل المرتد على الإطلاق، لتكون ناسخة لذلك.
أما إذا أراد القائل بالنسخ: أن يتمسك في نسخ الآية بما دل على قتال المشرك والكافر، فمن الواضح أن ذلك مشروط ببقاء موضوعه، على ما هي القاعدة المتبعة في كل قضية حقيقية في الأحكام الشرعية وغيرها. نعم ورد الأمر بقتل المرتد على الإطلاق في بعض روايات أهل السنة، فقد روى البخاري، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وأبو داود السجستاني، وابن ماجة، عن ابن عباس، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "من بدل دينه فاقتلوه"(1). إلا أنه لا خلاف بين المسلمين في أن هذا الحكم مقيد بعدم التوبة، وإن وقع الخلاف بينهم في المدة التي يستتاب فيها، وفي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث: 2794، و6411. وسنن الترمذي: كتاب الحدود، رقم الحديث: 1378، وسنن النسائي: كتاب تحريم الدم، رقم الحديث: 3991، و3992، 3993 و3994 و3995 و3996 و3997، وسنن أبي داود: كتاب الحدود، رقم الحديث: 3787. وسنن ابن ماجه: كتاب الحدود، رقم الحديث 2526. ومسند أحمد: مسند بني هاشم، رقم الحديث: 1775 و2420 و2421 و2813 و21007 راجع المنتقى: 2 / 745.

ــ[339]ــ

وجوب الاستتابة واستحبابها. فالمشهور بين الإمامية أنه واجب، وأنه لا يحد بمدة مخصوصة، بل يستتاب مدة يمكن منه الرجوع فيها إلى الإسلام، وقيل يستتاب ثلاثة أيام، ونسب ذلك إلى بعض الإمامية، واختاره كثير من علماء أهل السنة، وذهب أبوحنيفة، وأبو يوسف إلى استحباب الإمهال ثلاثة أيام. نعم ذهب علي بن أبي بكر المرغيناني إلى وجوب القتل من غير إمهال، ونسب ابن الهمام إلى الشافعي، وابن المنذر أنهما قالا في المرتد: "إن تاب في الحال وإلا قتل"(1).
وعلى كل فلا إشكال في سقوط حكم القتل بالتوبة، كما صرح به في الروايات المأثورة عن الطريقين، وبعد ذلك فلا تكون الآية منسوخة.

*****

17 ـ {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} ( 5: 42).
وقد اختلفت الأقوال في هذه الآية الكريمة، فقيل: إنها محكمة لم تنسخ وقد أجمعت الشيعة الاثنى عشرية على ذلك، فالحاكم مخير - حين يتحاكم إليه الكتابيون - بين أن يحكم بينهم بمقتضى شريعة الإسلام، وبين أن يعرض عنهم ويتركهم وما التزموا به في دينهم.
وقد روى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:
"إن الحاكم إذا أتاه أهل التوراة، وأهل الإنجيل يتحاكمون إليه كان ذلك إليه، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء ترك" (2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فتح القدير: 4 / 386.
(2) الوسائل: 27 / 296، باب 27، رقم الحديث: 33786.

ــ[340]ــ

وإلى هذا القول ذهب من علماء أهل السنة الشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء، ومالك (1) وذهب جمع منهم إلى أن الآية المباركة منسوخة بقوله تعالى بعد ذلك:
{فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم} (5: 48).
وروي عن مجاهد أنه ذهب إلى أن آية التخيير ناسخة للآية الثانية.
والتحقيق: عدم النسخ في الآية، فان الأمر بالحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله في قوله تعالى: {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} مقيد بما إذا أراد الحاكم أن يحكم بينهم، والقرينة على التقييد هي الآية الأولى. ويدل على ذلك أيضا ـ مضافا إلى شهادة سياق الآيات بذلك ـ قوله تعالى في ذيل الآية الأولى: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} فإنه يدل على أن وجوب الحكم بينهم بالقسط معلق على إرادة الحكم بينهم، وللحاكم أن يعرض عنهم فينتفي وجوب الحكم بانتفاء موضوعه. ومما يدل على عدم النسخ في الآية المزبورة الروايات التي دلت على أن سورة المائدة نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) جملة واحدة، وهو في أثناء مسيره.
فقد روى عيسى بن عبدالله، عن أبيه، عن جده، عن علي (عليه السلام) "إن سورة المائدة كانت من آخر ما نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنها نزلت وهو على بغلته الشهباء، وثقل عليه الوحي حتى وقعت"(2).
وروت أسماء بنت يزيد، قالت:
"إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله إذ أنزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق من عضد الناقة"(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 130، وفي أحكام القرآن للجصاص: 2/ 434 نسبة هذا القول إلى الحسن أيضا.
(2) تفسير البرهان: 1 / 263.
(3) تفسير ابن كثير: 2 / 2.

 
 

ــ[341]ــ

وروت أيضا بإسناد آخر، قالت:
"نزلت سورة المائدة على النبي (صلى الله عليه وآله) جميعا إن كادت لتكسر الناقة"(1).
وروى جبير بن نفير قال:
"حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، فقالت: أما انها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه "(2).
وروى أبوعبيد، عن ضمرة بن حبيب، وعطية بن قيس، قالا:
"قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) المائدة من آخر القرآن تنزيلا، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها"(3).
وغير ذلك من الروايات الدالة على أن سورة المائدة نزلت جملة واحدة، وهي آخر ما نزل من القران، ومع هذه الروايات المستفيضة كيف يمكن دعوى أن تكون إحدى آياتها ناسخة لآية أخرى منها! وهل ذلك إلا من النسخ قبل حضور وقت العمل؟ ونتيجة ذلك أن يكون التشريع في الآية المنسوخة لغوا لا فائدة فيه، على أن بعض الروايات المتقدمة دلت على أن هذه السورة هي آخر ما نزل من القرآن، وإن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مسند احمد: 2 / 458، مسند القبائل، رقم الحديث: 2631. وفي تفسير الشوكاني: 2 / 2: وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، والطبراني، وأبو نعيم في الدلائل، والبيهقي في شعب الايمان عن أسماء بنت يزيد نحوه.
(2) مسند احمد: باقي مسند الانصار، رقم الحديث: 24371. وفي تفسير الشوكاني: 2 / 2 أخرجه أحمد، والنسائي، وابن المنذر، والحاكم
وصححه، وابن مردويه والبيهقي في سننه.
(3) نفس المصدر.

ــ[342]ــ

بعض الروايات المتقدمة دلت على أن هذه السورة هي آخر ما نزل من القرآن، وإن شيئا من اياتها لم ينسخ.

*****

18 ـ {ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} (5: 106).
وقد ذهبت الشيعة الإمامية إلى أن الآية محكمة، فتجوز شهادة أهل الكتاب على المسلمين في السفر إذا كانت الشهادة على الوصية، وإليه ذهب جمع من الصحابة والتابعين، منهم: عبدالله بن قيس، وابن عباس، وشريح، وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وعبيدة، ومحمد بن سيرين، والشعبي، ويحيى بن يعمر، والسدي وقال به من الفقهاء: سفيان الثوري ومال إليه أبوعبيد لكثرة من قال به، وذهب زيد بن أسلم، ومالك بن أنس، والشافعي، وأبو حنيفة: إلى أن الآية منسوخة، وأنه لا تجوز شهادة كافر بحال (1).
والتحقيق بطلان القول بالنسخ في الآية المباركة، والدليل على ذلك وجوه:
1 ـ الروايات المستفيضة من الطريقين الدالة على نفوذ شهادة أهل الكتاب في الوصية، إذا تعذرت شهادة المسلم، فمن هذه الروايات:
ما رواه الكليني، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبدالله (عليه السلام):
"في قول الله تعالى: {أو آخران من غيركم}، قال: إذا كان الرجل في أرض غربة، لا يوجد فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصية"(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 133، 134.
(2) الكافي: 7 / 4، باب الإشهاد على الوصية، رقم الحديث: 3 و 7 / 398، رقم الحديث: 6.

ــ[343]ــ

وما رواه الشعبي: "أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بـ (دقوقا) هذه، ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة فأتيا الأشعري – يعني أبا موسى – فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأحلفهما بعد العصر ما خانا، ولا كذبا، ولا بدلا، ولا كتما، ولا غيرا، وانها لوصية الرجل وتركته، فأمضى شهادتهما"(1).
2 ـ الروايات المتقدمة في أن سورة المائدة نزلت جملة واحدة، وأنها كانت آخر ما نزل، وليس فيها منسوخ.
3 ـ إن النسخ لا يتم من غير أن يدل عليه دليل، والوجوه التي تمسك بها القائلون بالنسخ لا تصلح لذلك.
فمن هذه الوجوه: أن الله سبحانه اعتبر في الشاهد أن يكون عدلا مرضيا، فقال تعالى:
{ممن ترضون من الشهداء 2: 282. واشهدوا ذوي عدل منكم}(2:65).
والكافر لا يكون عدلا ولا مرضيا، فلا بد وأن يكون الحكم بجواز شهادته منسوخا.
والجواب:
أولا: إن الآية الأولى وردت في الشهادة على الدين، والآية الثانية وردت في الشهادة على الطلاق، فلا يكون لهما دلالة على اعتبار العدالة في شهود الوصية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنن أبي داود: كتاب الأقضية، رقم الحديث: 3128، وفي المنتقى: 2 / 942، روى الدارقطني بمعناه.

ــ[344]ــ

ثانيا: إن هاتين الآيتين لو سلم أنهما مطلقتان كانت الآية المتقدمة مقيدة لهما، والمطلق لا يكون ناسخا لدليل المقيد، ولا سيما إذا تأخر المقيد عنه في الزمان، كما في المقام.
ومن هذه الوجوه: أن الإجماع قد انعقد على عدم قبول شهادة الفاسق، والكافر فاسق فلا تقبل شهادته.
والجواب:
إنه لا معنى لدعوى الإجماع هنا بعد ذهاب أكثر العلماء إلى الجواز، وقد عرفت ذلك آنفا، ولا ملازمة عقلا بين رد شهادة المسلم الفاسق، ورد شهادة الكافر إذا كان عادلا في دينه.
ومن هذه الوجوه: أن شهادة الكافر لا تجوز على المسلمين في غير الوصية وقد اختلف في قبولها في الوصية، فيرد ما اختلف فيه إلى ما اجمع عليه.
والجواب:
إن هذا الوجه في منتهى الغرابة بعد أن عرفت قيام الدليل على قبول الشهادة في باب الوصية بلا معارض، وليت هذا المستدل عكس الأمر. وقال: إن شهادة الكافر على الوصية كانت مقبولة في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) بالإجماع، وقد اختلف فيه بعد زمان النبي (صلى الله عليه وآله) فيرد ما اختلف فيه إلى ما اجمع عليه.
وجملة القول: لا سند لدعوى النسخ في الآية غير تقليد جماعة من الفقهاء المتأخرين. وكيف يصح أن ترفع اليد عن حكم ورد في القرآن لفتوى أحد من الناس على خلافه؟ ومن الغريب قول الحسن والزهري: إن المراد بقوله تعالى:
{أو آخران من غيركم}(5: 106).

ــ[345]ــ

آخران من غير عشيرتكم، فلا دلالة في الآية على قبول شهادة الكفار(1).
ويرده - مضافا إلى الروايات التي وردت في تفسير الآية-: أنه مخالف لظاهر القرآن أيضا، لأن الخطاب في الآية للمؤمنين، فلا بد وأن يراد من قوله تعالى: {غيركم} غير المؤمنين، وهم الكفار.
نعم: إطلاق الآية الكريمة يدل على قبول شهادة الكافر في الوصية وإن لم يكن الكافر من الكتابيين، سواء أأمكنت إقامة الشهود من المؤمنين أم لم تمكن، ولكن الروايات المستفيضة قيدت ذلك بشهادة الكتابي، وبما إذا لم يمكن تحصيل الشهود من المؤمنين، وهذا من جملة موارد تقييد إطلاق الكتاب والسنة.

*****

19 ـ {وهو الذي انشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وأتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} (6 : 141).
فقد ذهب أكثر علماء أهل السنة إلى أن الآية منسوخة، ولهم في بيان نسخها وجوه:
1 ـ إنها واردة في الزكاة، وأن وجوبها قد نسخ في غير الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب على ما هو الأشهر، بل ولا قائل من الصحابة والتابعين بوجوبها في كل ما أنبتت الأرض، نعم ذهب أبو حنيفة وزفر إلى وجوبها في غير الحطب والحشيش، والقصب (2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 134.
(2) أحكام القرآن للجصاص: 3 / 9.

ــ[346]ــ

2 ـ إن حكم الآية قد نسخ بالسنة: العشر ونصف العشر، وذهب إلى ذلك السدي، وأنس بن مالك، ونسب ذلك إلى ابن عباس، ومحمد بن الحنفية(1).
3 ـ إن مورد الآية غير الزكاة، وقد نسخ وجوب إعطاء شيء من المال بوجوب الزكاة، ذهب إلى ذلك عكرمة، والضحاك، ونسب ذلك إلى سعيد بن جبير أيضا(2).
والحق: بطلان القول بالنسخ في مدلول الآية الكريمة، والدليل على ذلك وجوه:
الأول: الروايات المستفيضة عن أهل البيت (عليهم السلام) الدالة عن أن الحق المذكور في الآية هو غير الزكاة، وهو باق ولم ينسخ.
منها: ما رواه الشيخ الكليني بإسناده، عن معاوية بن الحجاج، قال:
"سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في الزرع حقان: حق تؤخذ به، وحق تعطيه، قلت: وما الذي أؤخذ به وما الذي أعطيه؟ قال أما الذي تؤخذ به فالعشر ونصف العشر، وأما الذي تعطيه فقول الله عز وجل: {وآتوا حقه يوم حصاده}(3).
وقد روى ابن مردويه بإسناده، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (صلى الله عليه وآله) في قول الله تعالى:
{وآتوا حقه يوم حصاده}، قال: "ما سقط من السنبل"(4).
الثاني: إن سورة الأنعام نزلت بمكة جملة واحدة، وقد صرحت بذلك روايات كثيرة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 140.
(2) نفس المصدر.
(3) الكافي: 3 / 564، رقم الحديث: 1 راجع تفسير البرهان: 1 / 338.
(4) تفسير ابن كثير: 2 / 182.

ــ[347]ــ

منها: ما رواه الشيخ الكليني، بإسناده عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، قال:
"قال أبو عبدالله (عليه السلام) إن سورة الأنعام نزلت جملة، شيعها سبعون ألف ملك حتى نزلت على محمد (صلى الله عليه وآله) فعظموها وبجلوها، فإن اسم الله عز وجل فيها في سبعين موضعا، ولو يعلم الناس ما في قراءتها ما تركوها"(1).
ومنها: ما روي عن ابن عباس قال:
"نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح"(2).
ومما لا ريب فيه أن وجوب الزكاة إنما نزل في المدينة، فكيف يمكن أن يقال: إن الآية المذكورة نزلت في الزكاة !. وحكى الزجاج أن هذه الآية قيل فيها: إنها نزلت بالمدينة(3)، وهذا القول مخالف للروايات المستفيضة المتقدمة، وهو مع ذلك قول بغير علم.
الثالث: إن الإيتاء الذي أمرت به الآية الكريمة قد قيد بيوم الحصاد فلا بد أن يكون هذا الحق غير الزكاة، لأنها تؤدي بعد التنقية والكيل، ومما يشهد على أن هذا الحق غير الزكاة أنه قد ورد في عدة من الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) النهي عن حصاد الليل، معللا في بعضها أنه يحرم منه القانع والمعتر(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير البرهان: 1 / 313.
(2) رواه ابوعبيد، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، راجع تفسير الشوكاني: 2 / 91.
(3) تفسير القرطبي: 7 / 99.
(4) الكافي: 3 / 565، رقم الحديث: 3، و4 / 499، رقم الحديث: 2، و4/ 500، رقم الحديث 6، التهذيب: 4 / 106، باب 1، رقم الحديث: 38. راجع تفسير البرهان: 1 / 338.

ــ[348]ــ

وروى جعفر بن محمد بن إبراهيم، بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده:
"ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن الجداد بالليل، والحصاد بالليل، قال جعفر: أراه من أجل المساكين"(1).
وأما ما قيل في توجيه ذلك: إن يوم الحصاد يمكن أن يكون ظرفا لتعلق الحق بالمال لا للإيتاء فيبطله:
1 ـ انه خلاف الظاهر الذي يفهمه العرف من الآية، بل كاد يكون خلاف صريحها، فإن الظرف إنما يتعلق بما تدل عليه مادة الفعل، ولا يتعلق بما تدل عليه هيئته، فإذا قيل أكرم زيدا يوم الجمعة كان معناه أن يوم الجمعة ظرف لتحقق الإكرام، لا أنه ظرف لوجوبه.
2 ـ ان الزكاة لا تجب يوم الحصاد، بل يتعلق الحق بالمال إذا انعقد الحب، وصدق عليه اسم الحنطة والشعير، وعلى ذلك فذكر يوم الحصاد في الآية قرينة قطعية على أن هذا الحق هو غير الزكاة، ومما يؤيد أن هذا الحق هو غير الزكاة: أنه تعالى نهي في هذه الآية عن الإسراف وذلك لا يناسب الزكاة المقدرة بالعشر ونصف العشر، وإذا اتضح أن الحق الذي امرت الآية الكريمة بايتائه هو غير الزكاة الواجبة لم تكن الزكاة ناسخة له.
وجملة القول: أن دعوى النسخ في الآية المباركة تتوقف على إثبات وجوب حق آخر في الزروع حتى ينسخ بوجوب الزكاة، ولا يستطيع القائل بالنسخ إثبات ذلك، لأن ظهور الأمر في الوجوب، وظهوره في الدوام والاستمرار لا يمكن الاحتفاظ بهما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنن البيهقي: 4 / 133.

ــ[349]ــ

جميعا في الآية، وذلك للعلم بأنه لا يجب حق آخر بعد الزكاة فلا بد - إذن - من التصرف في أحد الظهورين، إما برفع اليد عن الظهور في الوجوب، وإبقائه على الدوام والاستمرار، فيلتزم - حينئذ - بثبوت حق آخر استحبابي باق إلى الأبد، وإما برفع اليد عن الدوام والاستمرار، وإبقائه على الظهور في الوجوب فيلتزم بالنسخ، ولا مرجح للثاني على الأول، بل الترجيح للأول والدليل على ذلك أمران:
1 ـ الروايات المستفيضة عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ببقاء هذا الحق واستحبابه، "وقد أشرنا إلى هذه الروايات آنفا".
2 ـ ان هذا الحق لو كان واجبا لشاع بين الصحابة والتابعين، ولم ينحصر القول به بعكرمة، والضحاك، أو بواحد واثنين غيرهما.
وحاصل ما تقدم: أن الحري بالقبول هو القول بثبوت حق آخر ندبي في الثمار والزروع، وهذا هو مذهب الشيعة الإمامية، وعليه فلا نسخ لمدلول الآية الكريمة.

*****

20 ـ {قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم} (6 : 145).
قال جماعة: إن الآية منسوخة بتحريم النبي (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك لبعض الأشياء غير المذكورة في الآية.
والحق: عدم النسخ لأن مفاد الآية هو الإخبار عن عدم وجدان محرم غير ما ذكر فيها، وهو دليل على عدم الوجود حين نزولها. وعليه فلا معنى لدعوى النسخ

ــ[350]ــ

فيها، فإن النسخ لا يقع في الجملة الخبرية، وإذن فلا بد من الالتزام بأن الحصر في الآية إضافي، فإن المشركين حرموا على أنفسهم أشياء، وهي ليست محرمة في الشريعة الإلهية، وهذا يظهر من سياق الآيات التي قبل هذه الآية، أو الالتزام بأن الحصر حقيقي، وأن المحرمات حين نزول هذه الآية كانت محصورة بما ذكر فيها، فإن هذه الآية مكية وقد حرمت بعد نزولها أشياء أخرى، وكانت الأحكام تنزل على التدريج.
ومن الظاهر أن تحريم شيء بعد شيء لا يكون من النسخ في شيء، وكون الحصر حقيقيا أظهر الاحتمالين وأقربهما إلى الفهم العرفي، ومع ذلك فلا نسخ في مدلول الآية ـ ولو كان

*****

الحصر إضافيا ـ كما عرفت.
21 ـ {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار 8: 15. ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير: 16}.
فقد ذهب بعضهم إلى أن هذا الحكم منسوخ بقوله تعالى:
{الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} (66:8).
فان المسلمين إذا قل عددهم عن نصف عدد الكفار جاز لهم ترك القتال، والفرار من الزحف. ومن القائلين بهذا القول: عطاء بن أبي رياح (1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 154، وتفسير الطبري: 9 / 135.

ــ[351]ــ

والجواب عن ذلك:
أن تقييد إطلاق هذه الآية بآية التخفيف المذكورة مؤكد لبقاء حكمها ومعنى ذلك: أن الفرار من الزحف محرم في الشريعة الإسلامية إذا لم يكن عدد المسلمين أقل من نصف عدد الكفار، وأما إذا كان المسلمون أقل عددا من ذلك فلا يحرم عليهم الفرار، وهذا ليس من النسخ في شيء.
وروي عن عمرو بن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي نضرة، ونافع مولى ابن عمر، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، وزيد بن أبي حبيب، والضحاك: أن الحكم مخصوص بأهل بدر، ولا يحرم الفرار من الزحف على غيرهم. وبه قال أبو حنيفة (1).
وهذا القول أيضا باطل:
فإن مورد الآية وإن كان يوم بدر،إلا أن ذلك لا يوجب اختصاص الحكم به، بعد أن كان اللفظ عاما، وكان الخطاب شاملا لجميع المسلمين ولا سيما إذا كان نزول الآية المباركة بعد انقضاء الحرب من يوم بدر(2).
وذهب ابن عباس (3) وجميع الشيعة الإمامية، وكثير من علماء أهل السنة إلى أن الآية محكمة، وحكمها مستمر إلى يوم القيامة، وهذا هو القول الصحيح وقد عرفت الدليل عليه، والروايات في ذلك متظافرة من الطريقين.
روى الكليني بإسناده عن محمد، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الشوكاني: 2/ 280.
(2) نفس المصدر.
(3) الناسخ والمنسوخ للنحاس: 154، وتفسير الطبري: 9 / 135.

ــ[352]ــ

"سمعته يقول الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمدا، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربا بعد البينة، وكل ما أوجب الله عليه النار"(1).
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
"واجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال (صلى الله عليه وآله): الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (2).

*****

22 ـ {وإن جنحوا للسلم فاجنح له} (8: 61).
فذهب ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وعطاء، وعكرمة، والحسن وقتادة إلى أنها منسوخة بآية السيف (3).
والحق: انها محكمة غير منسوخة، والدليل على ذلك.
أولا: إن آية السيف خاصة بالمشركين دون غيرهم، "وقد تقدم بيان ذلك"، ومن هنا صالح النبي (صلى الله عليه وآله) نصارى نجران في السنة العاشرة من الهجرة(4). مع أن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي: 2 / 277، رقم الحديث: 2. الوافي ج 3 باب تفسير الكبائر ص 74.
(2) صحيح البخاري: كتاب الوصايا، رقم الحديث: 2560. وكتاب الحدود، رقم الحديث: 6351، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، رقم الحديث: 129، وسنن النسائي: كتاب الوصايا، رقم الحديث: 3611، وسنن أبي داود: كتاب الوصايا، رقم الحديث: 2490.
(3) تفسير ابن كثير: 2 / 322.
(4) امتاع الأسماع للمقريزي: ص 502.

ــ[353]ــ

سورة براءة نزلت في السنة التاسعة، وعليه فتكون آية السيف مخصصة لعموم الحكم في الآية الكريمة، وليست ناسخة لها.
وثانيا: أن وجوب قتال المشركين، وعدم مسالمتهم مقيد بما إذا كان للمسلمين قوة واستعداد للمقاتلة وأما إذا لم تكن لهم قوة تمكنهم من الاستظهار على عدوهم فلا مانع من المسالمة كما فعل النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك مع قريش يوم الحديبية، وقد دل على التقييد قوله تعالى:
{فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم} (47 : 35).

*****

23 ـ {يا أيها الني حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون 8: 65. الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين: 66}.
فقد ذكروا أن حكم الآية الأولى قد نسخ بالآية الثانية، وإن الواجب في أول الأمر على المسلمين أن يقاتلوا الكفار، ولو كانوا عشرة أضعافهم ثم خفف الله عن المسلمين فجعل وجوب القتال مشروطا بأن لا يزيد الكفار على ضعف عدد المسلمين.

ــ[354]ــ

والحق: أنه لا نسخ في حكم الآية، فان القول بالنسخ يتوقف على إثبات الفصل بين الآيتين نزولا، وإثبات أن الآية الثانية نزلت بعد مجيء زمان العمل بالآية الأولى، وذلك لئلا يلزم النسخ قبل حضور وقت الحاجة ومعنى ذلك: أن يكون التشريع الأول لغوا، ولا يستطيع القائل بالنسخ إثبات ذلك إلا أن يتمسك بخبر الواحد، "وقد أوضحنا أن النسخ لا يثبت به إجماعا"(1)، أضف إلى ذلك أن سياق الآيتين أصدق شاهد على أنهما نزلتا مرة واحدة.
ونتيجة ذلك: أن حكم مقاتلة العشرين للمائتين استحبابي، ومع ذلك كيف يمكن دعوى النسخ، على أن لازم كلام القائل بالنسخ: ان المجاهدين في بدء أمر الإسلام كانوا أربط جأشا، وأشد شكيمة من المجاهدين بعد ظهور الإسلام، وقوته وكثرة أنصاره، وكيف يمكن القول بأن الضعف طرأ على المؤمنين بعد قوتهم!!
والظاهر أن مدلول الآيتين هو تحريض المؤمنين على القتال، وأن الله يعدهم بالنصر على أعدائهم، ولو كانت الأعداء عشرة أضعاف المسلمين، إلا أنه تعالى لعلمه بضعف قلوب غالب المؤمنين، وعدم تحملهم هذه المقاومة الشديدة لم يوجب ذلك عليهم، ورخص لهم بترك المقاومة إذا زاد العدو على ضعفهم، تخفيفا عنهم، ورأفة بهم، مع وعده تعالى إياهم بالنصر إذا ثبتت أقدامهم في إعلاء كلمة الإسلام.
وقد جعل وجوب المقاومة مشروطا بأن لا يبلغ العدو أكثر من ضعف عدد المسلمين، فان الكفار لجهلهم بالدين، وعدم ركونهم إلى الله تعالى في قتالهم لا يتحملون الشدائد، وإن عقيدة الإيمان في الرجل المؤمن تحدوه إلى الثبات أمام الأخطار، وتدعوه إلى النهضة لإعزاز الإسلام، لأنه يعتقد بنجاحه على كل حال، وربحه في تجارته على كل تقدير، سواء أكان غالبا أم كان مغلوبا، قال الله تعالى:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقدم ذلك في ص 279 من هذا الكتاب.

ــ[355]ــ

{ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما} (4: 104).

*****

24 ـ {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} (9: 19).
فعن ابن عباس، والحسن، وعكرمة: أنها منسوخة (1) بقوله تعالى:
{وما كان المؤمنون لينفروا كافة} (9 : 122).
وهذا القول مبني على أن النفر كان واجبا ابتداء على جميع المسلمين مع أن الآية المباركة ظاهرة في أن الوجوب إنما هو على الذين يستنفرون إلى الجهاد، فقد قال تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة فما متاع الحيوة الدنيا في الآخرة إلا قليل 9 : 38. إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير:39}.
وحاصل الآية أن من أمر بالنفير إلى الجهاد ولم يخرج استحق العذاب بتركه الواجب، ولا صلة لهذا بوجوب الجهاد على جميع المسلمين.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 169، ونسبه القرطبي في تفسيره إلى الضحاك أيضاً ج 8 ص 142.

ــ[356]ــ

وبهذا البيان يتضح بطلان دعوى النسخ (1) في قوله تعالى:
{انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} (9 : 41).
على أنا قد أوضحنا للقارئ - مرارا - أن تخصيص العام ببعض أفراده ليس من النسخ، بل إن قوله تعالى:
{وما كان المؤمنون لينفروا كافة} (9: 122).
بنفسه دليل على عدم النسخ، فانه دل على أن النفر لم يكن واجبا على جميع المسلمين من بداية الأمر، فكيف يكون ناسخا للآية المذكورة.

*****

25 ـ {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين 9 : 43. لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين: 44. إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله: 45}
فعن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة: أن هذه الآيات منسوخة(2) بقوله تعالى:
{فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} (24 : 62).
والحق: ان الآيات الثلاث لا نسخ فيها، لأن صريحها ان المنع من الاستيذان وعتاب النبي (صلى الله عليه وآله) على إذنه إنما هو في مورد عدم تميز الصادق من الكاذب وقد بين سبحانه وتعالى أن غير المؤمنين كانوا يستأذنون النبي (صلى الله عليه وآله) في البقاء فرارا من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نسبها القرطبي في تفسيره إلى قائل ولم يسمه: 8 / 150، ونسبها الطبرسي في مجمع البيان إلى السدي: 3/ 33.
(2) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 170.

ــ[357]ــ

الجهاد بين يديه، فأمره بأن لا يأذن لأحد إذا لم تبين الحال، أما إذا تبين الحال فقد أجاز الله المؤمنين أن يستأذنوا النبي (صلى الله عليه وآله) في بعض شأنهم، وأجاز للنبي (صلى الله عليه وآله) أن يأذن لمن شاء منهم، وإذن فلا منافاة بين الآيتين لتكون إحداهما ناسخة للأخرى.

*****

26 ـ {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه}(9: 120).
فعن ابن زيد: انها منسوخة(1) بقوله تعالى:
{وما كان المؤمنون لينفروا كافة} (9: 122).
والحق: أنه لا نسخ فيها، فان الآية الثانية قرينة متصلة بالآية الأولى، وحاصل المراد منهما أن وجوب النفر إنما هو على البعض من المسلمين على نحو الكفاية، فلا تكون ناسخة، نعم قد يجب النفير إلى الجهاد على جميع المسلمين إذا اقتضته ضرورة وقتية، أو طلبه الولي العام الشرعي، أو لما سوى ذلك من الطوارئ، وهذا الوجوب هو غير وجوب الجهاد كفائيا الذي ثبت بأصل الشرع على المسلمين بذاته، وكلا الوجوبين باق، ولم ينسخ.

*****

27 ـ {واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين}، (10: 109).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: 181 ونسب القرطبي القول بالنسخ فيها إلى مجاهد أيضا: 8/ 392.

ــ[358]ــ

فعن ابن زيد: أن هذه الآية منسوخة بالأمر بالجهاد، والغلظة على الكفار(1) وبطلان هذا القول يظهر مما قدمناه في إبطال دعوى النسخ في الآية الأولى من الآيات التي نبحث عن نسخها، فلا حاجة إلى الاعادة أضف إلى ذلك أنه لا دلالة على أن المراد من الصبر في هذه الآية هو الصبر على الكفار، نعم الصبر عليهم يشمله إطلاق الآية، وعليه فلا وجه لدعوى النسخ فيها.

*****

28 ـ {وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل}(15 : 85).
فعن ابن عباس، وسعيد، وقتادة: انها منسوخة بآية السيف(2).
وغير خفي أن الصفح المأمور به في الآية المباركة هو الصفح عن الأذى الذي كان يصل من المشركين إلى النبي (صلى الله عليه وآله) على تبليغه شريعة ربه، ولا علاقة له بالقتال، ويشهد لهذا قوله تعالى بعيد ذلك.
{فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين 15 : 94. إنا كفيناك المستهزئين : 95}.
وحاصل الآية: ان الله سبحانه يحرض النبي (صلى الله عليه وآله) على المصابرة في تبليغ أوامره، ونشر أحكامه، وأن لايلتفت إلى أذى المشركين واستهزائهم، ولا علاقة لذلك بحكم القتال الذي وجب بعد ما قويت شوكة الإسلام، وظهرت حجته، نعم إن النبي الأكرم لم يؤمر بالجهاد في بادئ الأمر، لأنه لم يكن قادرا على ذلك حسب ما تقتضيه الظروف من غير طريق الإعجاز، وخرق نواميس الطبيعة، ولما أصبح قادرا على ذلك، وكثر المسلمون، وقويت شوكتهم، وتمت عِدتهم وعُدتهم أمر
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 178.
(2) نفس المصدر: ص 180.

ــ[359]ــ

بالجهاد، وقد أسلفنا أن تشريع الأحكام الإسلامية كان على التدريج وهذا ليس من نسخ الحكم الثابت بالكتاب في شيء.

*****

29 ـ {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} (16: 67).
فعن قتادة، وسعيد بن جبير، والشعبي، ومجاهد، وإبراهيم، وأبي رزين: أن هذه الآية منسوخة بتحريم الخمر(1).
والحق: أن الآية محكمة، فإن القول بالنسخ فيها يتوقف على إثبات أمرين:
1 ـ أن يراد بلفظ "سكرا" الخمر والشراب المسكر، والقائل بالنسخ لا يستطيع إثبات ذلك، فان أحد معانيه في اللغة الخل، وبذلك فسره علي بن ابراهيم (2)، وعلى هذا المعنى يكون المراد بالرزق الحسن الطعام اللذيذ من الدبس وغيره.
2 ـ أن تدل الآية على إباحة المسكر، وهذا أيضا يستطيع القائل بالنسخ إثباته، فان الآية الكريمة في مقام الإخبار عن أمر خارجي ولا دلالة لها على إمضاء ما كان يفعله الناس، وقد ذكرت الآية في سياق إثبات الصانع الحكيم بآياته الافاقية، فقال عز من قائل:
{والله أنزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون 16: 65. وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 181.
(2) تفسير البرهان: 1 / 577.

ــ[360]ــ

ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين: 66. ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون: 67. وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون: 68. ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون: 69}.
فذكر سبحانه وتعالى أن من آياته أن ينزل الماء من السماء، وأنه يحيي به الأرض بعد موتها. ثم ذكر تدبيره في صنع الحيوان، وأنه يخرج اللبن الخالص من بين فرث ودم. ثم ذكر ما أودعه في ثمرات النخيل والأعناب من الاستعداد لاتخاذ السكر منها والرزق الحسن، وقد امتازت هي من بين الثمار بذلك. ثم ذكر ما يصنعه النحل من الأعمال التي يحار فيها العقلاء العارفون بمزايا صنع العسل ومبادئه، وأن ذلك بوحي الله تعالى وإلهامه. وإذن فليس في الآية دلالة على إباحة شرب المسكر أصلا. على أن في الآية إشعارا - لو سلم إرادة المسكر من لفظ سكرا - بعدم جواز شرب المسكر، فإنها جعلت المسكر مقابلا للرزق الحسن. ومعنى هذا: أن المسكر ليس من الرزق الحسن، فلا يكون مباحا. وتدل على ما ذكرناه الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) فإنها دلت على أن الخمر لم تزل محرمة.
روى الشيخ الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم، قال:
"سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن الخمر، فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أول ما نهاني عنه ربي عز وجل عبادة الأوثان وشرب الخمر..."(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل: 25 / 304، باب 9، رقم الحديث: 31965.

 
 

ــ[361]ــ

وروي عن الريان عن الرضا (عليه السلام) قال:
"ما بعث الله نبيا إلا بتحريم الخمر"(1).
وقد تقدم في بحث الإعجاز تحريم الخمر في التوراة(2)، ولكن الشيء الذي لا يشك فيه أن الشريعة الإسلامية لم تجهر بحرمة الخمر برهة من الزمن، ثم جهرت بها بعد ذلك، وهذا هو حال الشريعة المقدسة في جميع الأحكام. ومن البين أنه ليس معنى ذلك أن الخمر كان مباحا في الشريعة ثم نسخت حرمته.

*****

30 ـ {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين}(24 : 3).
فعن سعيد بن المسيب، وأكثر العلماء أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:
{وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم...} (24 : 32).
فدخلت الزانية في أيامى المسلمين (3).
والحق: أن الآية غير منسوخة، فان النسخ فيها يتوقف على أن يكون المراد من لفظ النكاح هو التزويج، ولا دليل يثبت ذلك. على أن ذلك يستلزم القول بإباحة نكاح المسلم الزاني المشركة، وبإباحة نكاح المشرك المسلمة الزانية، وهذا مناف لظاهر الكتاب العزيز، ولما ثبت من سيرة المسلمين، وإذن فالظاهر أن المراد من النكاح في الآية هو الوطء، والجملة خبرية قصد بها الاهتمام بأمر الزنا. ومعنى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل: 5 / 320، باب 11، رقم الحديث: 6670.
(2) تقدم ذلك في ص 58 من هذا الكتاب.
(3) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 193.

ــ[362]ــ

الآية: أن الزاني لا يزني إلا بزانية، أو بمن هي أخس منها وهي المشركة، وأن الزانية لا تزني إلا بزان، أو بمن هو أخس منه وهو المشرك. وأما المؤمن فهو ممتنع عن ذلك، لأن الزنا محرم، وهو لا يرتكب ما حرم عليه.

*****

31 ـ {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} (45: 14).
فذهبت جماعة إلى أن هذه الآية الكريمة منسوخة بآية السيف، وقالوا: إن هذه الآية مكية، وقد نزلت في عمر بن الخطاب حين شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد عمر أن يبطش به: فأنزل الله تعالى هذه الآية ثم نسخت بقوله تعالى:
{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم...} (9 : 5).
واستندوا في ذلك إلى ما رواه عليل بن أحمد، عن محمد بن هشام، عن عاصم بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس(1).
ولكن هذه الرواية ضعيفة جدا، ولا أقل من أن في سندها عاصم بن سليمان وهو كذاب وضاع (2) مع أن الرواية ضعيفة المتن، فان المسلمين ـ قبل الهجرة ـ كانوا ضعفاء ولم يكن عمر مقداما في الحروب، ولم يعد من الشجعان المرهوبين، فكيف يسعه أن يبطش بالمشرك؟!
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 218.
(2) قال ابن عدي: "عاصم بن سليمان: يعد ممن يضع الحديث"، وقال أيضا: "عامة أحاديثه مناكير متنا واسنادأ، والضعف على رواياته بين"، وقال الفلاس: "كان يضع الحديث، ما رأيت مثله قط"، وقال ابوحاتم والنسائي: "متروك". وقال الدارقطني: "كذاب"، وقال أيضا في العلل: "كان ضعيفا آية من الآيات في ذلك" وقال ابن حبان: "لا يجوز كتب حديثه إلا تعجبا" وقال أبو داود الطيالسي: "كذاب". وقال الساجي: "متروك يضع الحديث"، وقال الأزدي: "ضعيف مجهول"، لسان الميزان: 3 / 218، 219.

ــ[363]ــ

على أن لفظ الغفران المذكور في الآية يدل على التمكن من الانتقام. ومن المقطوع به أن ذلك لم يكن ميسورا لعمر قبل الهجرة، فلو أراد البطش بالمشرك لبطش به المشرك لا محالة.
والحق: أن الآية المباركة محكمة غير منسوخة، وأن معنى الآية: ان الله أمر المؤمنين بالعفو والاغضاء عما ينالهم من الإيذاء والاهانة في شؤونهم الخاصة ممن لا يرجون أيام الله، ويدل عليه قوله تعالى بعد ذلك:
{ليجزي قوما بما كانوا يكسبون 45 : 14. من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون:15}.
فإن الظاهر منه أن جزاء المسيء الذي لا يرجو أيام الله ولا يخاف المعاد، سواء أكان من المشركين، أم من الكتابيين، أم من المسلمين الذين لا يبالون بدينهم إما هو موكول إلى الله الذي لا يفوته ظلم الظالمين وتفريط المفرطين، فلا ينبغي للمسلم المؤمن بالله أن يبادر إلى الانتقام منه، فإن الله أعظم منه نقمة وأشد أخذا، وهذا الحكم تهذيبي أخلاقي، وهو لا ينافي الأمر بالقتال للدعوة إلى الإسلام أو لأمر آخر، سواء أكان نزول هذه الآية قبل نزول آية السيف أم كان بعده.

*****

32 ـ {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء} (47 : 4).
فذهبت جماعة إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وذهب آخرون إلى انها

ــ[364]ــ

ناسخة لها(1).
والحق: أنها ليست ناسخة ولا منسوخة، وتحقيق ذلك يحتاج إلى مزيد من البسط في الكلام.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 220.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net