ثمرة الاعتقاد بالبداء - حقيقة البداء عند الشيعة 

الكتاب : البيان في تفسـير القرآن - خطبـة الكتاب   ||   القسم : التفسير   ||   القرّاء : 2445

ثمرة الاعتقاد بالبداء:
والبداء: إنما يكون في القضاء الموقوف المعبر عنه بلوح المحو والإثبات، والالتزام بجواز البداء فيه لا يستلزم نسبة الجهل إلى الله سبحانه وليس في هذا الالتزام ما ينافي عظمته وجلاله.
فالقول بالبداء: هو الاعتراف الصريح بأن العالم تحت سلطان الله وقدرته في حدوثه وبقائه، وإن إرادة الله نافذة في الأشياء أزلا وأبدا، بل وفي القول بالبداء يتضح الفارق بين العلم الإلهي وبين علم المخلوقين، فعلم المخلوقين - وإن كانوا أنبياء أو أوصياء - لا يحيط بما أحاط به علمه تعالى، فان بعضا منهم إن كان عالما - بتعليم

ــ[391]ــ

الله إياه - بجميع عوالم الممكنات لا يحيط بما أحاط به علم الله المخزون الذي استأثر به لنفسه، فإنه لا يعلم بمشيئة الله تعالى - لوجود شيء - أو عدم مشيئته إلا حيت يخبره الله تعالى به على نحو الحتم.
والقول بالبداء: يوجب انقطاع العبد إلى الله وطلبه إجابة دعائه منه وكفاية مهماته، وتوفيقه للطاعة، وإبعاده عن المعصية، فإن إنكار البداء والالتزام بأن ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة - دون استثناء - يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه، فإن ما يطلبه العبد من ربه إن كان قد جرى قلم التقدير بإنفاذه فهو كائن لا محالة، ولا حاجة إلى الدعاء والتوسل، وإن كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبدا، ولم ينفعه الدعاء ولا التضرع، وإذا يئس العبد من إجابة دعائه ترك التضرع لخالقه، حيث لا فائدة في ذلك، وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومين (عليهم السلام) أنها تزيد في العمر أو في الرزق أو غير ذلك مما يطلبه العبد.
وهذا هو سر ما ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) من الاهتمام بشأن البداء.
فقد روى الصدوق في كتاب "التوحيد" بإسناده، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال:
"ما عبد الله عزوجل بشيء مثل [افضل من] البداء"(1).
وروى باسناده، عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:
"ما عظم الله عز وجل بمثل البداء"(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) و (2) التوحيد: ص 331 ـ 333 باب 54، البداء، الحديث 1 و 2. راجع الكافي: 1 / 146، الحديث 1.

ــ[392]ــ

وروى باسناده، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:
"ما بعث الله عزوجل نبيا حتى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار بالعبودية وخلع الأنداد، وأن الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء"(1).
والسر في هذا الاهتمام: أن إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأن الله غير قادر على أن يغير ما جرى عليه قلم التقدير. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فإن كلا القولين يؤيس العبد من إجابة دعائه، وذلك يوجب عدم توجهه في طلباته إلى ربه.
حقيقة البداء عند الشيعة:
وعلى الجملة: فان البداء بالمعنى الذي تقول به الشيعة الإمامية هو من الإبداء الاظهار حقيقة، وإطلاق لفظ البداء عليه مبني على التنزيل والإطلاق بعلاقة المشاكلة. وقد اطلق بهذا المعنى في بعض الروايات من طرق أهل السنة.
روى البخاري بإسناده عن أبي عمرة، أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:
"إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأعمى وأقرع، بدا لله عزوجل أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص..."(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التوحيد: 333، الحديث: 3. راجع الكافي: 1 / 147، الحديث: 3.
(2) صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، رقم الحديث 3205 وصحيح مسلم: كتاب الزهد والرقائق، رقم الحديث: 5265.

ــ[393]ــ

وقد وقع نظير ذلك في كثير من الاستعمالات القرآنية، كقوله تعالى:
{الآن علم الله أن فيكم ضعفا}(8: 66).
وقوله تعالى:
{لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا}(12:8).
وقوله تعالى:
{لنبلوهم أيهم أحسن عملا}(8 : 7).
وما أكثر الروايات من طرق أهل السنة في أن الصدقة والدعاء يغيران القضاء(1).
أما ما وقع في كلمات المعصومين (عليهم السلام) من الإنباء بالحوادث المستقبلة فتحقيق الحال فيها: أن المعصوم متى ما أخبر بوقوع أمر مستقبل على سبيل الحتم والجزم ودون تعليق، فذلك يدل أن ما أخبر به مما جرى به القضاء المحتوم وهذا هو القسم الثاني "الحتمي" من أقسام القضاء المتقدمة. وقد علمت أن مثله ليس موضعا للبداء، فإن الله لا يكذب نفسه ولا نبيه. ومتى ما أخبر المعصوم بشيء معلقا على أن لا تتعلق المشيئة الإلهية بخلافه، ونصب قرينة متصلة أو منفصلة على ذلك فهذا الخبر إنما يدل على جريان القضاء الموقوف الذي هو موضع البداء. والخبر الذي أخبر به المعصوم صادق وإن جرى فيه البداء، وتعلقت المشيئة الإلهية بخلافه. فإن الخبر – كما عرفت - منوط بأن لا تخالفه المشيئة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر التعليقة رقم (11) للوقوف على روايات تفيد أن الدعاء يغير القضاء ـ في قسم التعليقات.

ــ[394]ــ

وروى العياشي، عن عمرو بن الحمق قال:
"دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) حين ضرب على قرنه، فقال لي: يا عمرو إني مفارقكم، ثم قال: سنة السبعين فيها بلاء... فقلت: بأبي أنت وأمي قلت: إلى السبعين بلاء، فهل بعد السبعين رخاء؟ قال: نعم يا عمرو إن بعد البلاء رخاء.." وذكر آية {يمحو الله…}" (1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير العياشي: 2 / 217، رقم الحديث: 68.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net