صفات الله الذاتية والفعلية - الكلام النفسي 

الكتاب : البيان في تفسـير القرآن - خطبـة الكتاب   ||   القسم : التفسير   ||   القرّاء : 7611

صفات الله الذاتية والفعلية:
والفارق بين صفات الله الذاتية وصفاته الفعلية أن صفات الله الذاتية هي التي يستحيل أن يتصف سبحانه بنقيضها أبدا. إذا فهي التي لا يصح سلبها عنه في حال. ومثال ذلك: العلم والقدرة والحياة، فالله تبارك وتقدس لم يزل ولا يزال عالما قادرا حيا، ويستحيل أن لا يكون كذلك في حال من الأحوال.
وأن صفاته الفعلية هي التي يمكن أن يتصف بها في حال وبنقيضها في حال آخر. ومثال ذلك: الخلق والرزق، فيقال: إن الله خلق كذا ولم يخلق كذا، ورزق فلانا ولدا ولم يرزقه مالا. وبهذا يظهر جليا أن التكلم إنما هو من الصفات الفعلية، فانه يقال: كلم الله موسى ولم يكلم فرعون، ويقال: كلم الله موسى في جبل طور ولم يكلمه في بحر النيل.

ــ[409]ــ

الكلام النفسي:
اتفقت الأشاعرة على وجود نوع آخر من الكلام غير النوع اللفظي المعروف وقدسوه بالكلام النفسي، ثم اختلفوا فذهب فريق منهم إلى أنه مدلول الكلام اللفظي ومعناه، وذهب آخرون إلى أنه مغاير لمدلول اللفظ، وأن دلالة اللفظ عليه دلالة غير وضعية، فهي من قبيل دلالة الأفعال الاختيارية على إرادة الفاعل وعلمه وحياته.
والمعروف بينهم اختصاص القدم بالكلام، إلا أن الفاضل القوشجي نسب إلى بعضهم القول بقدم جلد القرآن وغلافه أيضا(1). وقد عرفت أن غير الأشاعرة متفقون على حدوث القران، وعلى أن كلام الله اللفظي ككلماته التكوينية مخلوق له، وآية من آياته. ولا يترتب على الكلام في هذه المسألة وتحقيق القول فيها غرض مهم، لأنها خارجة عن أصول الدين وفروعه، وليست لها أية صلة بالمسائل الدينية والمعارف الإلهية، غير أنني أحببت التكلم فيها ليتضح لإخواننا الأشاعرة - وهم أكثر المسلمين عددا - أن ما ذهبوا إليه واعتقدوا به وحسبوه مما يجب الاعتقاد به أمر خيالي لا أساس له من العقل والشرع.
وتوضيح ذلك:
أنه لا خلاف في أن الكلام المؤلف من الحروف الهجائية المندرجة في الوجود أمر حادث يستحيل اتصاف الله تعالى به في الأزل وغير الأزل. والخلاف إنما هو في وجود سنخ آخر من الكلام مجتمعة أجزاؤه وجودا، فأثبتته الأشاعرة وقالت بأنه من صفات الله الذاتية كما يتصف غيره به أيضا. ونفاه غيرهم وحصروا الكلام في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح التجريد: ص 354، المقصد الثالث.

ــ[410]ــ

اللفظي، وقالوا: إن قيامه بالمتكلم قيام الفعل بالفاعل والصحيح هو القول الثاني.
ودليلنا على ذلك: أن الجمل: إما خبرية وإما إنشائية. أما الجمل الخبرية، فانا إذا فحصنا مواردها لن نجد فيها إلا تسعة أمور، وهي التي لا بد منها في الإخبار عن ثبوت شيء لشيء أو عدم ثبوته له:
أولا ـ مفردات الجملة بموادها، وهيئاتها.
ثانيا ـ معاني المفردات، ومداليلها.
ثالثا ـ الهيئة التركيبية للجملة.
رابعا ـ ما تدل عليه الهيئة التركيبية.
خامسا ـ تصور المخبر مادة الجملة، وهيئتها.
سادسا ـ تصور مدلول الجملة بمادتها، وهيئتها.
سابعا ـ مطابقة النسبة لما في الخارج، أو عدم مطابقتها له.
ثامنا ـ علم المخبر بالمطابقة، أو بعدمها، أو شكه فيها.
تاسعا ـ إرادة المتكلم لإيجاد الجملة في الخارج مسبوقة بمقدماتها.
وقد اعترفت الأشاعرة بأن الكلام النفسي ليس شيئا من الأمور المذكورة وعلى هذا فلا يبقى للكلام النفسي عين ولا أثر، أما مفاد الجملة فلا يمكن ان يكون هو الكلام النفسي، لأن مفاد الجملة الخبرية - على ما هو المعروف - ثبوت شيء لشيء أو سلبه عنه، وعلى ما هو التحقيق - عندنا - هو قصد الحكاية عن الثبوت أو السلب، فقد أثبتنا أن الهيئة التركيبية للجملة الخبرية بمقتضى وضعها أمارة على

ــ[411]ــ

قصد المتكلم للحكاية عن النسبة، وشأنها في ذلك شأن ما سوى الألفاظ من الامارات الجعلية.
وقد حققنا: أن الوضع هو التعهد بجعل لفظ خاص أو هيئة خاصة مبرزا لقصد تفهيم أمر تعلق غرض المتكلم بتفهيمه، وقد أوضحنا ذلك كله في محله(1) هذا هو مفاد الجملة الخبرية، والكلام النفسي - عند القائل به - موجود نفساني من سنخ الكلام مغاير للنسبة الخارجية ولقصد الحكاية.
وأما الجمل الإنشائية فهي كالجمل الخبرية، والفارق بينهما أن الجمل الإنشائية ليس في مواردها خارج تطابقه النسبة الكلامية أو لا تطابقه وعليه فالأمور التي لا بد منها في الجمل الإنشائية سبعة، وهي بذاتها الأمور التسعة التي ذكرناها في الجمل الخبرية ما عدا السابع والثامن منها، وقد علمت أن الكلام النفسي عند القائلين به ليس واحدا منها.
ولعل سائلا يقول: ما هو مفاد هيئة الجملة الإنشائية؟.
المعروف بين العلماء انها موضوعة لإيجاد معنى من المعاني نحو إيجاد مناسب لعالم الإنشاء، وقد تكرر في كلمات كثير منهم أن الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ، وقد ذكرنا في مباحثنا الأصولية أنه لا أصل للوجود الإنشائي، واللفظ والمعنى وإن كانت لهما وحدة عرضية منشأها ما بينهما من الربط الناشئ من الوضع، فوجود اللفظ وجود له بالذات ووجود للمعنى بالعرض والمجاز، ومن أجل ذلك يسري حسن المعنى أو قبحه إلى اللفظ، وبهذا المعنى يصح أن يقال: وجد المعنى باللفظ وجودا لفظيا، إلا أن هذا لا يختص بالجمل الإنشائية، بل يعم الجمل الخبرية والمفردات أيضا.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في كتابنا "أجود التقريرات" في الاصول، المطبوع مع تعليقاتنا. (المؤلف).

ــ[412]ــ

أما وجود المعنى بغير وجوده اللفظي فينحصر في نحوين، وكلاهما لا مدخل للفظ فيه أبدا:
أحدهما: وجوده الحقيقي الذي يظهر به في نظام الوجود من الجواهر والأعراض، ولا بد في تحقيق هذا الوجود من تحقق أسبابه وعلله، والألفاظ أجنبية عنها بالضرورة.
ثانيهما: وجوده الاعتباري، وهو نحو من الوجود للشيء إلا أنه في عالم الاعتبار لا في الخارج، وتحقق هذا النحو من الوجود إنما هو باعتبار من بيده الاعتبار، واعتبار كل معتبر قائم بنفسه، ويصدر منه بالمباشرة، ولا يتوقف على وجود لفظ في الخارج أبدا، أما إمضاء الشارع أو إمضاء العقلاء للعقود أو الايقاعات الصادرة من الناس، فهو وإن توقف على صدور لفظ من المنشئ أو ما بحكم اللفظ، ولا أثر لاعتباره إذا تجرد عن المبرز من قول أو فعل، إلا أن الامضاء المذكور متوقف على صدور لفظ قصد به الانشاء، وموضع البحث هو مفاد ذلك اللفظ الذي جيء به في المرحلة السابقة على الإمضاء.
وعلى الجملة: إن الوجود الحقيقي والاعتباري للشيء لا يتوقفان على اللفظ، وأما إمضاء الشرع أو العقلاء للوجود الاعتباري فهو وإن توقف على صدور لفظ أو ما بحكمه من المنشئ، إلا أنه يتوقف عليه بما هو لفظ مستعمل في معناه، وأما الوجود اللفظي فهو عام لكل معنى دل عليه باللفظ، فلا أساس للقول المعروف: "الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ".
والصحيح: إن الهيئات الإنشائية وضعت لإبراز أمر ما من الأمور النفسانية وهذا الأمر النفساني قد يكون اعتبارا من الاعتبارات كما في الأمر والنهي والعقود والايقاعات، وقد يكون صفة من الصفات، كما في التمني والترجي، فهيئات الجمل

ــ[413]ــ

أمارات على أمر ما من الأمور النفسانية وهو في الجمل الخبرية قصد الحكاية، وفي الجمل الإنشائية أمر آخر.
ثم إن الاتيان بالجملة المبرزة - بوضعها - لأمر نفساني قد يكون بداعي إبراز ذلك الأمر، وقد يكون بداع آخر سواه، وفي كون الاستعمال في هذا القسم الأخير مجازا أو حقيقة كلام ليس هنا محل ذكره، وللاطلاع على تفصيل الكلام في ذلك يراجع تعليقاتنا الاصولية.
والذي يظهر من موارد استعمال لفظ الطلب: أنه موضوع للتصدي لتحصيل شيء ما، فلا يقال: طلب الضالة، ولا طلب الآخرة، إلا عند التصدي لتحصيلهما، وفي لسان العرب: "الطلب محاولة وجدان الشيء وأخذه"، وبهذا الاعتبار يصدق على الآمر أنه طالب، لأنه يحاول وجدان الفعل المأمور به، فإن الآمر هو الذي يدعو المأمور إلى الاتيان بمتعلقه، وهو بنفسه مصداق للطلب، لا أن الأمر لفظ والطلب معناه فلا أساس للقول بأن الأمر موضوع للطلب، ولا للقول بأن الطلب كلام نفسي يدل عليه الكلام اللفظي.
وقد أصابت الأشاعرة في قولهم: "إن الطلب غير الإرادة" ولكنهم أخطؤوا في جعله صفة نفسية، وفي جعله مدلولا عليه بالكلام اللفظي.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net