الغضب، الضلال، الاعراب - التفسير 

الكتاب : البيان في تفسـير القرآن - خطبـة الكتاب   ||   القسم : التفسير   ||   القرّاء : 2198


ــ[490]ــ

الغضب:
السخط، وتقابله الرحمة، والمغضوب عليهم هم الذين توغلوا في الكفر وعندوا عن الحق، ونبذوا آيات الله، وراء ظهورهم، ولا يراد به مطلق الكافر:
{وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ منَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(16 : 106).
الضلال:
التيه ويقابله الهدى، والضالّون هم الذين سلكوا غير طريق الهدى فأفضى بهم إلى الهلاك الأبدي والعذاب الدائم، ولكنهم دون المغضوب عليهم في شدة الكفر، لأنهم وإن ضلوا الطريق المستقيم عن تقصير في البحث والفحص، إلا أنهم لم يعاندوا الحق بعد وضوحه، وقد ورد في المأثور أن المغضوب عليه هم اليهود، والضالين هم النصارى. وقد تقدم (1) أن الآيات القرآنية لا تختص بمورد، وأن كل ما يذكر لها من المعاني فهو من باب تطبيق الكبرى.

الإعراب

{غير المغضوب عليهمْ} بدل من جملة {الذين أنعمتَ عليهم}، أو صفة للذين وذلك: أن نعمة الله كرحمته قد وسعت جميع البشر، فمنهم من شكر، ومنهم من كفر:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الصفحة 25 من هذا الكتاب.

ــ[491]ــ

{ألم تَرَوْا أَنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مّا فِي السّماواتِ وَمَا فِي الأرضِ وَاَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَه ظَاهِرةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النّاسِ من يجادِلُ فِي الله بِغَيْر عِلْمٍ ولا هُدىً ولا كِتابٍ منِيرٍ} (30 : 31).
وإذاً ففي توصيف من أنعم الله عليهم بأنهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين تقييد لإطلاقه، وتضييق لسعته، فلا يشمل هؤلاء الذين لم يؤدوا شكر النعمة، ويكون مدلول الآية أن العبد يطلب من الله الهداية إلى طريق سلكه فريق خاص من الذين أنعم الله عليهم وهم الذين لم يبدّلوا نعمة الله كفراً، فحازوا بإطاعتهم واستقامتهم نعمة الآخرة كما كانوا حائزين نعمة الدنيا، فاتصلت لهم السعادة في الدنيا والعقبى، ونظير الآية المباركة أن يقال: يجوز اقتناء كل كتاب غير كتب الضلال، وعلى ذلك فلا موقع لقول بعضهم: إن كلمة غير متوغلة في الإبهام ولا تعرف بما تضاف إليه فلا يصح جعلها صفة للمعرفة ولا لما ذكروه جواباً عن ذلك.
وخلاصة القول: إن الحكم المذكور في القضية ـ خبرية كانت أو إنشائية – إذا كان عاماً لجميع الأفراد، فإنه يصح تخصيصه متى أُريد ذلك - بكلمة غير، كما يصح تخصيصه بغيرها، فتقول: جاءني جميع أهل البلد، أو أكرم جميعهم غير الفاسقين.
"الضالين": عطف على المغضوب عليهم: وأُتي بكلمة "لا" تأكيداً للنفي لئلا يتوهم السامع أن المنفي هو المجموع، وكلمة "غير" تدل على النفي التزاماً فاجري عليها حكم غيرها من دوالّ النفي. تقول: جالس رجلاً غير فاسق ولا سيء الخلق، اعبد الله بغير كسل ولا ملل، وتوهم بعض مقاربي عصرنا عدم جواز ذلك فأتعب نفسه في توجيه الآية المباركة ولم يأت بشيء، واعترف بعجزه عن الجواب.

التفسير

وبعد أن لقّن الله عبيده أن يعترفوا بين يديه بالتوحيد في العبادة والاستعانة لقَّنهم أن يطلبوا منه الهداية إلى الصراط المستقيم. وقد اشتلمت هذه السورة الكريمة

ــ[492]ــ

في بداءتها على تمجيد الله سبحانه، والثناء عليه بما هو أهله واشتملت في نهايتها على سؤال الهداية منه. وبين تلك البداءة وهذه الخاتمة أنزل الله تعالى قوله: {إِيَّاكَ نَعبُدُ وإيَّاك نَسْتَعينُ} فهو نتيجة للتمجيد السابق وتوطئة للسؤال اللاحق، فان في التمجيد السابق ملاك حصر العبادة والاستعانة به تعالى فالمستحق للعبادة إنما هو الله بذاته برحمته وسلطانه، وغيره لا يستحق أن يُعبَد أو يُستعان به.
وإذا كانت العبادة والاستعانة منحصرتين بالله سبحانه فلا مناص للعبد من أن يدعو ربه الذي حصر عبادته واستعانته به. ومن هنا ورد عن الطريقين "أن الله تبارك وتعالى قد جعل هذه السورة نصفين: نصف له ونصف لعبده، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله تعالى: مجَّدني عبدي، وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، قال الله تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"(1).
ثم إنك عرفت أن الطريق التي يسلكها البشر في أعمالهم وإيمانهم ثلاثة:
أحدها: الطريق الذي مهَّده الله لعباده، يسلكه من هداه الله إليه بفضله وإحسانه.
ثانيها: الطريق الذي يسلكه الضالُّون.
ثالثها: الطريق الذي يسلكه المغضوب عليهم. وقد بيَّن الله سبحانه مغايرة الطريق المستقيم للطريقين الآخرين ببيان أن سالكي هذا الطريق غير سالكي ذينك الطريقين. وبذلك بيَّن أن
من اجتنب الطريق المستقيم فلا مناص له من الخذلان، إما بضلاله فحسب وإما بضلاله مع استحقاقه الغضب الإلهي. أعاذنا الله من الخذلان وهدانا إلى صراطه المستقيم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عيون أخبار الرضا ـ باب ما جاء عن الرضا من الأخبار المتفرقة ص 166، طبعة إيران سنة 1317 هـ . وتقدم نظير هذا عن أبي هريرة في الصفحة 442 من هذا الكتاب.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net