كفاية المسمى في المسح 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 4290


ــ[119]ــ

   ويكفي المسمّى ولو بقدر عرض إصبع واحدة أو أقل (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان فلم يثبت أن مقدم الرأس هو الناصية، وحيث إن المقدّم مفهوم مبين لدى العرف والناصية مجملة فلا مناص من حملها على المبين ، والحكم بجواز المسح على مطلق الربع المقدم من الرأس ، هذا .

   وهناك احتمال خامس متحد بحسب النتيجة مع الاحتمال الرابع ، وهو الحكم باجمال كل من الناصية ومقدم الرأس وسقوط كل واحدة من الطائفتين عن الاعتبار ومعه يحكم بجواز المسح على مطلق الربع المقدّم من الرأس ، وكل ذلك لما عرفت من أن مقتضى إطلاق الآية المباركة والأخبار جواز المسح على كل جزء من أجزاء الرأس من المقدّم والمؤخر واليمين واليسار ، إلاّ أ نّا علمنا خارجاً بمقتضى المخصص المنفصل عدم جواز مسح بالربع المؤخر ولا الأيسر ولا الأيمن من الرأس ، وانحصر ما يجوز مسحه بخصوص الربع المتقدم منه ، وبما أن المخصص ، أعني ما دلّ على انحصار محل المسح بالربع المقدم مجمل من حيث السعة والضيق ، إذ لم يظهر أن المراد منه خصوص الناصية أو مطلق الربع المقدّم ، وهو من المخصص المنفصل ، فلا جرم سقط عن الاعتبار من هذه الجهة ، فلا يمنع عن الرجوع إلى مقتضى العموم أو الاطلاق وهو يقتضي جواز المسح بكل جزء من أجزاء مقدم الرأس ، سواء أ كان هو خصوص الناصية أو المقدار الزائد عنها ، لأنه لم يثبت دليل مخصص بالاضافة إلى المقدار الزائد عن الناصية من مقدم الرأس ، هذا ومع ذلك كله المسح على خصوص الناصية أحوط وأولى كما ذكره الماتن (قدس سره) لأنها المقدار المتيقن مما يجوز المسح عليه من مقدم الرأس .

    كفاية المسمّى في المسح :

   (1) المعروف بين الأصحاب (قدس سرهم) أن المسح الواجب في الوضوء إنما هو أقل مقدار يتحقق به المسح عرفاً ، أعني أول مراتب وجوده ، بل المسألة إجماعية . وعن بعضهم أن نقل الاجماع على ذلك مستفيض ، ويدل عليه إطلاق الكتاب المجيد

ــ[120]ــ

حيث أمر الله سـبحانه بمسح الرأس بقوله عزّ من قائل (فامسحوا برؤوسكم )(1) وقد دلّتنا الصحيحة الواردة في تفسيره أن المراد مسح بعض الرؤوس لا جميعها ، فاذا علمنا بالمراد من الآية المباركة بالصحيحة المفسرة لها كما يأتي نقلها صحّ لنا التمسك بإطلاق أمره سبحانه ، لأنه أمر بمسح الرأس وهذا يتحقّق بأقل ما يتحقّق به المسح عرفاً وإن كان أقل من عرض إصبع واحدة .

   وأمّا الصحيحة المذكورة الواردة في تفسير الآية المباركة فهي التي رواها الصدوق (قدس سره) باسناده عن زرارة قال : «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ألا تخبرني من أين علمت وقلت : إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين ؟ فضحك فقال : يا زرارة قاله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونزل به الكتاب من الله عزّ وجلّ ، لأن الله عزّ وجلّ قال (فاغسلوا وجوهكم ) فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل ، ثم قال (وأيديكم إلى المرافق ) فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين ، ثم فصّل بين الكلام فقال (وامسحوا برؤوسكم ) فعرفنا حين قال (برؤوسكم ) أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء ، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال : (وأرجلكم إلى الكعبين ) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما ، ثم فسّر ذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للناس فضيعوه» الحديث (2) .

   ولكنها غير صالحة للاستدلال بها ـ في نفسها واستقلالها ـ على المدعى بدعوى أنها مطلقة ، والسر فيه : أن الصحيحة إنما سيقت لبيان عدم وجوب غسل الرأس بتمامه ، وأن الواجب الذي صنعه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنما هو مسح بعض الرأس في مقابل العامّة القائلين بوجوب غسل الرأس بتمامه ، كما يشير إليه قوله (عليه السلام) «فضيّعوه» .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة 5 : 6 .

(2) الوسائل 1 : 412 / أبواب الوضوء ب 23 ح 1 ، الفقيه 1 : 56 / 212 .

 
 

ــ[121]ــ

   إذن لا إطلاق للصحيحة من حيث المقدار الذي لا بدّ من مسحه ، فلو كنّا نحن والصحيحة لاحتملنا أن يكون الواجب مسح تمام الربع المقدّم من الرأس أو تمام المؤخر مثلاً ، فان مسح ذلك بتمامه أو ببعضه مما لا يمكن استفادته من الصحيحة ، نعم إطلاق الآية المباركة في نفسها تام ولا مانع من الاستدلال به على التقريب المتقدم فلاحظ .

   بقي الكلام في وجه استفادة التبعيض من الآية المباركة ، وأنه من جهة استعمال كلمة الباء في التبعيض أو لأجل تضمينها معنى «من» أو لأجل استعمالها في التبعيض مجازاً أو لغير ذلك من الوجوه ، ولكن تحقيق ذلك مما لا يترتب عليه ثمرة عملية ، لأن ما يهمنا إنما هو معرفة الأحكام الشرعية ، والصحيحة كما تقدم صريحة في الحكم ، وأن الواجب إنما هو مسح بعض الرأس ، وأما أنه من أية جهة فلا ثمرة في تحقيقه .

   نعم ، أنكر سيبويه مجيء الباء بمعنى التبعيض (1) وعليه استند العلاّمة (قدس سره) في انكاره ذلك كما حكي (2) ولكنه لا ينافي الصحيحة المتقدِّمة ، لأنّ دلالتها على وجوب مسح البعض يمكن أن تكون مستندة إلى مجيء الباء بمعنى التبعيض كما صرح النحاة بجوازه ـ عدى سيبويه ـ أو مستندة إلى التضمين أو المجاز ، وكيف كان لا إشكال في دلالة الصحيحة على ذلك .

   ويمكن أن يقال : إنّ نظره (عليه السلام) في قوله : «لمكان الباء» إلى أن استفادة التبعيض من الآية المباركة إنما هي من جهة الاتيان بالباء وتغيير اسلوب الكلام لا  أنها من جهة استعمال الباء في التبعيض . إذن فالباء يدلنا على التبعيض ، لا أنها مستعملة فيه ، وبيان ذلك : أن المسح والغسل ممّا يتعدّى إلى المفعول بنفسه من دون حاجة إلى الاستعانة بالباء ، فيصح أن يقال : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم كما في الآية المباركة وامسحوا رؤوسكم وأرجلكم ، من دون الاتيان بالباء ، فالاتيان بها مع عدم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما حكى عنه في مصباح الفقيه (الطهارة) : 145 السطر 19 .

(2) حكى عنه في مصباح الفقيه (الطهارة) : 145 السطر 19 ،  لاحظ المنتهى 1 : 40 ، 41 والمختلف 1 : 122  والتذكرة 1: 162 .

ــ[122]ــ

الحاجة إلى إتيانها ، وتغيير اُسلوب الكلام يدلنا على أن المراد في الأمر بمسح الرأس إنما هو مسح البعض ، بخلاف الأمر بالغسل في الوجه واليدين فان المراد منه غسل الجميع دون البعض ، هذا .

   ويحتمل قوياً أن يكون الوجه في استفادة البعض من الآية المباركة أمراً آخر وراء ذلك كلّه ، وإن احتاج إلى العناية في الكلام .

   وتقريب ذلك أن يقال : إن الماسح حقيقة وإن كان هو اليد والممسوح هو الرأس ، إلاّ أن الاتيان بكلمة الباء والعناية بذكرها في الكلام يدلنا على أن المراد بالعكس ، وأن الرأس جعل آلة وسبباً لمسح اليد ، بمعنى أن الماسح هو الرأس والممسوح هي اليد نظير قولنا : مسحت يدي بالحائط ، فان معناه أن الحائط قد صار سبباً لمسح ما بيدي من الرطوبة أو الدهن أو غيرهما ، وهذا وإن كان على خلاف الواقع في المقام إلاّ أن مقتضى العناية الواقعة في الكلام هو ما ذكرناه فيقال : إن الرأس صار سبباً لمسح ما بيد المتوضئ من الرطوبة ، فاذا صار الماسح هو الرأس يتعيّن أن يكون المسح ببعضه لا بتمامه كما هو الحال في المثال المتقدم ، فان صحة قولك : مسحت يدي بالحائط غير متوقفة على مسح جميع الحائط باليد ، بل يصح ذلك بمسح اليد بشيء من الحائط . إذن فالمسح بالرأس بنفسه يقتضي المسح بالبعض لا بتمامه ، هذا تمام الكلام في هذه الصحيحة .

   ومما يدلنا على ما سلكه المشهور في المسألة ، صحيحة الأخوين ـ أعني زرارة وبكيراً ـ أنهما سألا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى أن قال : «فاذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ...» (1) .

   وصحيحتهما الاُخرى أيضاً عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال في المسح : «تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك ، وإذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 388 / أبواب الوضوء ب 15 ح 3 .

ــ[123]ــ

من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك» (1) فان مقتضى إطلاقهما صحة الاجتزاء بأقل ما يتحقق به المسح عرفاً ، وعليه فلا دليل على أن يكون المسح بمقدار عرض إصبع واحدة كما يحكى عن جماعة .

   وقد تصدّى بعض الأصحاب لتأويله بأنهم لم يريدوا بذلك التحديد ، وإنما قصدوا به بيان أقل ما يتحقّق به المسمّى ، ويردّه : أن كلماتهم آبية عن هذا التأويل ، فقد حكي عن الشيخ في التهذيب ما مضمونه : أ نّا لو خلينا وأنفسنا لقلنا بجواز مطلق المسح واكتفينا بمجرّد تحقّق المسمّى ، إلاّ أن السـنّة منعتنا عن ذلك (2) فان هذا الكلام كالصريح في أن غرضه إنما هو تحديد المسح الواجب بالاصبع الواحدة .

   وكيف كان فقد استدلوا على ذلك بمرسلة حماد عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يتوضأ وعليه العمامة ، قال : يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه فيمسح على مقدّم رأسه» (3) .

   وبما رواه عن الحسين قال : «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) رجل توضأ وهو معتم فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد ، فقال : ليدخل إصبعه» (4) ويحتمل إتحاد الروايتين .

   ويدفع الاستدلال بهما ـ على تقدير اعتبار سندهما ـ أن إدخال الاصبع الواحدة تحت العمامة للمسح ليس مستنداً إلى وجوب كون المسح بمقدار الاصبع الواحدة ، بل من أجل أنه أقل المقدار الميسور لدى المسح ، إذ لا يتحقق إلاّ بادخال الاصبع الواحدة أو الاصبعين تحت العمامة لا محالة ، فالاصبع الواحدة أقل الميسور في المسح فقوله (عليه السلام) : «يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه» لا دلالة له على كونه مستنداً إلى وجوب كون المسح بمقدار الاصبع الواحدة .

   وبعبارة اُخرى : لا كلام لنا فيما يتحقّق به المسح ، وإنما الكلام في المقدار الذي يجب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 414 / أبواب الوضوء ب 23 ح 4 .

(2) التهذيب 1 : 89 .

(3) ، (4) الوسائل 1 : 416 / أبواب الوضوء ب 24 ح 1 ، 2 .

ــ[124]ــ

مسحه من الرأس ، ولا دلالة للروايتين على أنه لا بدّ أن يكون بمقدار عرض الاصبع الواحدة ، هذا على أن الاصبع شبه المدورات كما أن الرأس أيضاً كذلك ، ومن الظاهر أن مسح باطن الاصبع الذي هو من قبيل المدور على ما يماثله مما يشبه بالمدورات لا يمكن أن يكون بمقدار عرض الاصبع الواحدة كما أشار إليه المحقق الهمداني (قدس سره) في مطاوي كلامه (1) ، إذن الرواية لا دلالة لها على لزوم كون المسح بقدر عرض الاصبع الواحدة .

   وأمّا وجوب كون المسح بمقدار عرض ثلاث أصابع مضمومة كما ربما يحكى القول به عن جماعة منهم الصدوق (قدس سره) في الفقيه (2) فهو أيضاً كسابقه مما لا دليل عليه ، وما استدلوا به على ذلك من صحيحة زرارة قال «قال أبو جعفر (عليه السلام) المرأة يجزئها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع ، ولا تلقي عنها خمارها» (3) وما رواه معمر بن عمر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «يجزئ من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع وكذلك الرجل» (4) . مما لا يمكن المساعدة عليه، لأن الرواية الثانية مضافاً إلى ضعف سندها بمعمر بن عمر إذ لم يوثق في
الرجال(5) إنما تدل على أن المسح بثلاث أصابع مجزئ في الوضوء ، وأما أن ما يجزئ عنه أعني ما هو الواجب في الوضوء أيّ شيء فلا يكاد يستفاد منها أبداً ، ولعله يجزئ عن مسح تمام الربع المقدم من الرأس ، أو عن المسح بمقدار عرض إصبع واحدة أو غير ذلك من المحتملات ، فلا دلالة للرواية على أن ذلك هو المقدار الواجب مسحه بحيث لا يجزئ الأقل منه ، وعليه لا بدّ من حملها على الاستحباب وكونه أفضل أفراد المسح .

   ومن هنا يظهر الجواب عن الرواية الاُولى أيضاً ، لأنها وإن كانت صحيحة بحسب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه  2 : 345 .

(2) الفقيه 1 : 28 .

(3) ، (4) الوسائل 1 : 416 / أبواب الوضوء ب 24 ح 3 ، 5 .

(5) راجع معجم رجال الحديث 19 : 290 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net