حكم جفاف اليد وأنه المسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد أو التيمم 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2442


ــ[193]ــ

   [ 521 ] مسألة 31 : لو لم يمكن حفظ الرطوبة في الماسح من جهة الحر في الهواء أو حرارة البدن أو نحو ذلك ولو باستعمال ماء كثير بحيث كلما أعاد الوضوء لم ينفع ، فالأقوى جواز المسح ((1)) بالماء الجديد ، والأحوط المسح باليد اليابسة ثم بالماء الجديد ثم التيمم أيضاً (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   نعم ، الحركة اليسيرة في الممسوح غير مضرة بصدق المسح ، فما أفاده الماتن (قدس سره) هو الصحيح .

    إذا لم يمكن حفظ الرطوبة :

   (1) المشهور بينهم أنه إذا لم يمكن حفظ الرطوبة في اليد جاز المسح بالماء الجديد بل في الجواهر أنه لم يعثر على مفت بالتيمم في حقه (2) . والماتن (قدس سره) بعد الحكم بجواز المسح بالماء الجديد احتاط بالجمع بين المسح باليد اليابسة والمسح بالماء الجديد والتيمم . والكلام في هذه المسألة يقع من جهتين :

   إحداهما : ما ذكره الماتن من احتمال وجوب المسح باليد اليابسة ، لأنه لو لم يحتمل ذلك لم يحتط بالجمع بينه وبين المحتملين الآخرين ، فنتكلم في أن ذلك محتمل في المسألة أو أنه غير محتمل في محل الكلام .

   وثانيتهما : في أن الواجب في المسألة هل هو التيمم أو المسح بالماء الجديد .

   أمّا الجهة الاُولى ، فالصحيح أن وجوب المسح باليد اليابسة غير محتمل في المسألة ، وذلك لأن المسح بالماء الجديد إما واجب كما إذا تم أحد الوجوه المستدل بها على وجوبه وعمدتها قاعدة الميسور ، بدعوى أن المسح بالماء الجديد ميسور المسح بالبلّة الوضوئية المفروض تعذره كما يأتي تفصيله .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل الأقوى وجوب التيمّم عليه ، والاحتياط أولى .

(2) الجواهر 2 : 194 .

ــ[194]ــ

   وإمّا أنه غير مانع عن المسح الواجب ، كما إذا لم يتم شيء من الوجوه المستدل بها على وجوب المسح بالماء الجديد ، وقلنا بوجوب المسح مطلقاً ولو باليد اليابسة ، وذلك لأنه لم يدلّنا أيّ دليل على وجوب كون المسح باليد اليابسة بحيث لو مسح بيده وهي متعرِّقة مثلاً أو مبتلّة بالماء الخارجي بطل مسحه ، فان الأخبار البيانية التي منعت عن المسح بالماء الجديد بقوله (عليه السلام) «ولم يعدهما في الاناء» (1) ونحو ذلك ، فانما تختص بما إذا كانت اليد مبتلة ببلّة الوضوء ، إذ المستفاد من الروايات المتقدمة على اختلاف في متنها أنه (عليه السلام) إنما لم يعد يديه في الاناء لكونهما مبتلتين ببلّة الوضوء ، وقد عرفت أنه مع التمكن منها لا يجوز المسح بالماء الجديد ، ولا دلالة في الروايات المذكورة على أن اليد إذا لم تكن مبتلة ببلّة الوضوء وجب أن يمسح باليد اليابسة ، بحيث لو مسح بيده وهي رطبة بطل مسحه ، بل لا مانع عن المسح باليد حينئذ ولو كانت مبتلة بالماء الجديد أو بغيره من المياه المضافة ، فان اللازم وقتئذ إنما هو مطلق المسح باليد سواء أ كانت رطبة أم يابسة ، وعليه فهذا الاحتمال ساقط والأمر يدور بين وجوب المسح بالماء الجديد ووجوب التيمم في حقه .

   وأمّا الجهة الثانية : فقد استدل للمشهو بوجوه :

   الأوّل وهو العمدة : قاعدة الميسور ، بتقريب أن الواجب في المسح المأمور به في الوضوء أن يكون المسح بالبلة المقيدة بكونها بلّة الوضوء ، وحيث إن تلك الخصوصية متعذرة فلا محالة يسقط التقييد ويجب المسح بمطلق البلّة ولو كانت بلّة خارجية ، لأن المسح بالبلة الخارجية ميسور البلّة المقيدة بكونها من بلّة الوضوء ، ولا يسقط الميسور بالمعسور أبداً .

   ويندفع بالمنع عن كل من الكبرى والصغرى المذكورتين . أما الكبرى فلما ذكرناه في محلِّه من أن تلك القاعدة مضافاً إلى ضعف مدركها ، لأنه نبوي وعلوي وكلاهما ضعيف ، أن أخـبارها قاصرة الدلالة على أن المركّب إذا تعذّر شرط أو جزء منه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 390 / أبواب الوضوء ب 15 ح 6 ، 10 .

ــ[195]ــ

وجب الاتيان بما تيسّر من أجزائه وقيوده ، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محلِّه (1) .

   وأمّا بحسب الصغرى ، فلأن الخصوصيات المتعذرة مختلفة ، فقد تكون الخصوصية المتعذرة غير مقومة للمأمور به بالنظر العرفي ، كما إذا أمره بالصلاة في المسجد فصلّى في غيره ، أو أمره باتيان ماء بارد وتعذر عليه تحصيل البارد فأتى بماء غير بارد ، فان الصلاة في غير المسجد ميسور الصلاة في المسجد عرفاً ، وكذلك الاتيان بالماء غير البارد متيسر الاتيان بالماء البارد حسب النظر العرفي كما هو واضح ، وفي مثله لا مانع من دعوى عدم سقوط الميسور بالمعسور إذ تمت أدلته بحسب السند والدلالة .

   وقد تكون الخصوصية المتعذرة مقومة للمأمور  به لدى العرف ، بحيث إنهم يرون فاقدها مغايراً لواجدها فضلاً عما إذا اشتمل على خصوصية اُخرى مغايرة للخصوصية المتعذرة عندهم ، كما إذا أمره السيد بالاتيان بماء الرمان وتعذرت عليه خصوصية كون الماء مضافاً إلى الرمان فأتى بماء البطيخ أو الرقي أو بالماء المطلق بدعوى أنه ميسور ذلك المعسور ، أو أمره بالاتيان بغلام زيد أو ابنه ولم يتمكن المكلف من ذلك فأتى بغلام عمرو أو ابنه مدعياً أن خصوصية إضافة الغلام إلى زيد متعذرة فغلام عمرو ميسور لذلك المعسور ، لم يسمع منه ذلك لدى المحاكم العرفية ، لأن للخصوصيات المتعذرة مدخلية في تحقّق المأمور  به وفاقدها مغاير عندهم لواجـدها لا أنه ميسور لذلك المعسور كما لا يخفى .

   وما نحـن فيه من هذا القبيل ، إذ المأمور  به هو المسح بالبلّة المضافة إلى الوضوء وهي مع البلّة المضـافة إلى النهر الجاري متباينـان ولا يعد إحداهما ميسـوراً من الاُخرى .

   فتحصل أن دعوى وجوب المسح بالماء الجديد نظراً إلى أ نّه ميسور للمأمور  به المتعذر خصوصيته ، ساقطة بحسب الكبرى والصغرى .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 : 477 .

ــ[196]ــ

   وأمّا رواية عبد الأعلى مولى آل سام (1) فهي مضافاً إلى ضعف سندها (2) فانما دلت على أن المسح على البشرة غير واجب ، لأجل كونه حرجاً في مقابل ما توهمه السائل من وجوبه . وأما قوله «فامسح على المرارة» فهو حكم جديد وغير مستند إلى أنه ميسور للمعسور ، فلا دلالة لها على تلك القاعدة .

   ونظيرها دعوى وجوب المسح المطلق عند تعذر المسح ببلّة الوضوء مستنداً إلى تلك القاعدة ، لأنها أيضاً ضعيفة لما مر ، إلاّ أنها دون الدعوى المتقدمة في الضعف ، لأن مغايرة المسح ببلّة الوضوء مع المسح بالبلة المتخصصة بخصوصية اُخرى كبلة ماء النهر أظهر وأوضح من مغايرته مع المسح المطلق .

   الثاني : استصحاب وجوب المسح ، فقد استدلّ به بعضهم على وجوب المسح ببلّة الوضوء أو المسح باليد اليابسة ، وذلك لأن المتوضئ قد كان المسح واجباً عليه قبل أن تحدث الحرارة في بدنه أو في الهواء أو قبل طروء القلّة على الماء فنستصحب بقاءه على الوجوب بعد تعذّر المأمور  به ـ أعني حالة حدوث الحرارة أو القلّة ـ وهو يقتضي الحكم بوجوب المسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد وعدم وجوب التيمم في حقه .

   ويندفع هذا الوجه ، مضافاً إلى أنه من الاستصحابات الجارية في الشبهات الحكمية ولا نقول بها ، بأنه من القسم الثالث من أقسام الاستصحاب الكلي ولا مجال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 464 / أبواب الوضوء ب 39 ح 5 .

(2) بعبد الأعلى مولى آل سام لعدم توثيقه في الرجال ، وما وقع في أسانيد تفسير علي بن إبراهيم القمي هو عبد الأعلى بن أعين العجلي دون مولى آل سام ، ولم يثبت اتحادهما ، وأما ما ورد في رواية الكليني في الحديث الأول من باب فضل الأبكار من كتاب النكاح من التصريح بأن عبد الأعلى بن أعين هو عبد الأعلى مولى آل سام ، حيث قال : عبد الأعلى بن أعين مولى آل سام [ الكافي 5 : 334 / 1 ] فلا دلالة له على الاتحـاد ، لأن غاية ما يثبت بذلك هو أن عبد الأعلى مولى آل سام هو ابن أعين ، وهذا لا يكفي في الحكم بالاتحاد ، لأن من الجائز أن يكون عبد الأعلى العجلي غير عبد الأعلى مولى آل سام ، ويكون والد كل منهما مسمّى بأعين ، ولعلّه لأجل ذلك يراهما الشيخ متعدِّداً ، لأنه قد عدَّ كلاًّ منهما مستقلاًّ في أصحاب الصادق (عليه السلام) فلاحظ  [ رجال الطوسي : 242 ] .

ــ[197]ــ

للاستصحاب في مثله ، وذلك لأن الوجوب المتعلق بالمسح ببلّة الوضوء قد زال وارتفع يقيناً ونشك في حدوث فرد آخر من الوجوب متعلقاً بالمسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد وعدمه ، ولا مجال للاستصحاب في القسم الثالث من الكلي على ما برهنا عليه في محلِّه (1) .

   الثالث : التمسك باطلاق الأخبار الآمرة بالمسح ، لأنها وإن كانت مقيدة بأن يكون المسح بالبلة الباقية من الوضوء في اليد ، بمقتضى صحيحة زرارة وغيرها مما دلّ على اعتبار كون المسح ببلّة الوضوء ، إلاّ أن تلك المقيدات مختصة بحال التمكن من المسح ببلّة الوضوء ولا إطلاق لها حتى يشمل صورة تعذّر المسح ببلّته ، فلا بدّ وقتئذ من التمسّك باطلاق ما دلّ على أصل وجوب المسح في الوضوء ، وحينئذ إما أن يمسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد ، هذا .

   ويمكن المناقشة في ذلك بأن الروايات التي ورد فيها الأمر بالمسح في الوضوء لم ترد في مقام البيان من هذه الجهة ولا نظر لها إلى كيفية المسح بوجه ، وذلك نظراً إلى أن المسح في الوضوء في تلك الأزمنة كعصر الصادقين (عليهم السلام) كان من الاُمور الواضحة الجلية عند الجميع ، وكان يعرف كيفيته الصبيان والصغار فضلاً عن الأكابر والرجال، بل إنما هي بصدد البيان من الجهات المختلف فيها بين العامّة والخاصّة، كبيان أن الرجل لا بدّ من أن يمسح لا أن يغسل ، وأن الرأس يمسح مقدمه لا جميعه . إذن فلا إطلاق في الأخبار المذكورة حتى نتمسّك باطلاقها .

   نعم ، يمكن التمسك باطلاق الآية وهو العمدة في المقام وتقريب إطلاقها أن يقال : إنها قد اشتملت على الأمر بمسح الرأس والرجل ولم يقيده ببلّة الوضوء ، بل مقتضى إطلاقها جواز المسح بالماء الجديد أو باليد اليابسة ، وإنما رفعنا اليد عن إطلاقه عند التمكن من المسح ببلّة الوضوء بمقتضى الأخبار الدالّة على ذلك ، وأما إذا لم يتمكّن المتوضئ من المسح ببلّة الوضوء ، فمقتضى إطلاق الآية المباركة جواز المسح بالماء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 3 : 114 .

ــ[198]ــ

الخارجي أو المسح باليد اليابسة .

   هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال بالاطلاق في محل الكلام ، ومع هذا كلّه يمكن المناقشة فيه من وجهين :

   أحدهما : أن المسح المأمور  به في الآية المباركة يحتمل أن يكون بالمعنى الأوّل من المعنيين المتقدمين للمسح أعني إزالة الأثر ، على ما أشرنا إليه (1) عند التكلّم على دلالة الآية المباركة على التبعيض ، حيث احتملنا أن يكون إدخال كلمة الباء في أثناء الكلام مع تماميته بغيرها من جهة إرادة كون اليد ممسوحة والرأس والرجلين ماسحاً .

   وهذا لا بمعنى إسكان اليد وإمرار الرأس أو الرجل بها ، لما عرفت من أن المعنى الأوّل للمسح لا يعتبر فيه إمرار الممسوح على الماسح ولا إمرار الماسح على الممسوح فانه أمر يتأتى بكل منهما ، بل بمعنى إزالة الأثر الموجود في اليد بمسح الرأس أو الرجلين ، ومعناه أن الرأس أو الرجلين قد أزال الأثر عن اليد .

   وعليه فقد فرض في الآية المباركة وجود أثر في اليد حتى يزيله الرأس أو الرجل وليس ذلك إلاّ البلل ورطوبة الوضوء ، فلا إطلاق في الآية المباركة حتى يدلنا على كفاية المسح باليد اليابسة أو بالماء الخارجي .

   ثم إن ما ذكرناه في المقام لا ينافي ما قدّمناه (2) من أن المسح المأمور  به في الوضوء ليس بمعنى إزالة الأثر بل بمعنى الامرار ، وذلك لأنه إنما كان كذلك بالنظر إلى دلالة الأخبار وهو غير مدلول الآية المباركة ، فالآية دلت على أن اليد لا بدّ أن تكون مبتلة ببلّة الوضوء والأخبار دلت على إمرار اليد على الرأس والرجلين ، فاذا ضممنا أحدهما إلى الآخر فيكون حاصل مدلولهما أن الوضوء يعتبر فيه أن تكون اليد مبتلة ببلّة الوضوء ، وأن تكون اليد المبتلة مارة على الرأس والرجلين دون العكس .

   وثانيهما : أ نّا لو سلمنا إطلاق الآية المباركة والروايات فلا نسلم اختصاص الأدلة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 192 .

(2) في ص 192 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net