الجهة الرابعة : في من يتّقى منه 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1929


    الجهة الرابعة : في مَن يتّقى منه : لا ينبغي التردد في أن التقيّة المحكومة بالوجوب أو الجواز لا يختص بالعامة على وجه الخصوص ، بل تعم كل ظالم وجائر إذا خيف ضرره وهو مورد للتقية الواجبة أو الجائزة ، ويدلنا على ذلك مضافاً إلى العمومات (3)

ــــــــــــــ

(3) الوسائل 16 : 214 / أبواب الأمر والنهي ب 25 .

ــ[258]ــ

وإلى حديث رفع الاضطرار(1) ما دلّ على أنه ما من محرم إلاّ وقد أحله لمن اضطر إليه(2) وحديث لا ضرر ولا ضرار(3) وموثقة أبي بصير قال : «قال أبو عبدالله (عليه السلام) التقيّة من دين الله ؟ قلت من دين الله ؟ قال : إي والله من دين الله ولقد قال يوسف (أيّتها العير إنّكم لسارقون ) والله ما كانوا سرقوا شيئاً ، ولقد قال إبراهيم : (إنِّي سقيم ) والله ما كان سقيماً» (4) حيث إن تطبيقه (عليه السلام) التقيّة التي هي من دين الله على قولي يوسف وإبراهيم (عليهما السلام) دليل قطعي على أن التقيّة التي هي من دين الله سبحانه غير مختصة بالعامة ، بل كل أحد خيف من ضرره وجبت عنه التقيّة أو جازت . وما رواه محمد بن مروان قال : «قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) ما منع ميثم (رحمه الله) من التقيّة ؟ فو الله لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه : إلاّ من اُكره وقلبه مطمئن بالايمان» (5) وغير ذلك من الأخبار .

   وإنما الكلام في الأحكام الوضعية المترتبة على التقيّة كالحكم بصحة العمل مع التقيّة وإجزائها ، فهل الصحة والإجزاء يترتبان على كل تقيّة أو يختصان بالتقية من العامة بالخصوص ؟

   والصحيح أن يقال : إنه إن تمّ هناك شيء من الأدلة اللفظية المستدل بها على سقوط التكاليف الغيرية عند التقيّة ، فلا مناص من الحكم بالصحة والإجزاء في جميع موارد التقيّة ولو كانت من غير العامة ، بمقتضى عموم الأدلة المذكورة كقوله (عليه السلام) «التقيّة في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله» (6) .

   وقد ادّعى شيخنا الأنصاري (قدس سره) أن الحلية أعم من الحلية النفسية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 15 : 369 / أبواب جهاد النفس ب 56 ح 1 ، 3 .

(2) الوسائل 23 : 228 / أبواب الأيمان ب 12 ح 18 .

(3) الوسائل 25 : 399 / أبواب الشفعة ب 5 ح 1 ، 420 / أبواب إحياء الموات ب 7 ، ح 2 .

(4) الوسائل 16 : 215 / أبواب الأمر والنهي ب 25 ح 4 .

(5) الوسائل 16 : 226 / أبواب الأمر والنهي ب 29 ح 3 .

(6) الوسائل 16 : 214 / أبواب الأمر والنهي ب 25 ح 2 .

ــ[259]ــ

والحلية الغيرية (1) ، وأما إذا لم يتم شيء من تلك الأدلة وانحصر دليل صحة التقيّة والإجزاء بالسيرة كما هو الحق ، فالظاهر اختصاص الحكمين بخصوص التقيّة من العامّة ، لأنها التي تحققت فيها السيرة ولم يردع عنها الأئمة (عليهم السلام) ولا علم لنا بتحقق السيرة في غيرها .

   كما أنه بناء على ما ذكرناه لا يجرى الحكم بالصحة والإجزاء في التقيّة من جميع العامة ، بل يختص بالتقية من العامة المعروفين القائلين بخلافة الخلفاء الأربعة ، وأما التقيّة من الخوارج الملتزمين بخلافة الخليفتين الأولين فهي خارجة عن الحكم بالصحة والإجزاء ، وذلك لعدم كثرة الابتلاء بالتقية منهم في تلك الأزمنة حتى نستكشف من عدم ردعهم (عليهم السلام) صحة العمل المأتي به تقيّة وإجزائه عن المأمور  به الواقعي . هذا على أن التقيّة من النواصب داخلة في التقيّة من غير العامة من الكفّار ، لأن النواصب محكومة بالكفر .

   ثم إن التقيّة مختصة بالأحكام ، وأما التقيّة من العامة ـ المعروفين الذين هم محل الابتلاء كثيراً ـ في الموضوعات الخارجية ، كما إذا اعتقد عامي أن ثوباً من الحرير وكانت الصلاة واجبة في الثوب الحرير في مذهبهم ، فان التقيّة حينئذ في لبس الثوب الذي يعتقده العامي حريراً تقيّة في الموضوع الخارجي قد اشتبه أمره على العامي وغير راجعة إلى التقيّة في الأحكام ، ولم يتحقق في مثلها سيرة من المتدينين على التبعية حتى يحكم بصحة التقيّة وإجزائها .

   نعم ، بناء على تمامية الأدلة اللفظية المتقدمة فمقتضى عمومها وإطلاقها عدم الفرق في صحة التقيّة وإجزائها بين التقيّة في الأحكام والتقيّة في الموضوعات .

   والظاهر عدم التزام الفقهاء (قدس سرهم) بصحة التبعية في الموضوعات ، وهذا من أحد المفاسد المترتبة على القول بسقوط الجزئية والشرطية والمانعية في موارد التقيّة اعتماداً على الأدلة اللفظية المتقدمة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رسالة في التقيّة : 323  السطر 15 .

ــ[260]ــ

   تنبيه : ما قدمناه من أن العمل المأتي به تقيّة إذا كان مما يبتلي به غالباً وهو بمرأى من الأئمة (عليهم السلام) فسكوتهم وعدم ردعهم عن ذلك العمل وعدم تعرضهم لوجوب إعادته أو قضائه يكشف كشفاً قطعياً عن صحته وإجزائه عن الاعادة والقضاء وسقوط المأمور  به الأوّلي بسببه وارتفاع جميع آثاره ، إنما يختص بما إذا كانت الآثار المترتبة عليه من الآثار التي تترتب على فعل المكلف بما هو فعله ، كما في غسل اليد منكوساً أو غسل رجليه أو التكتف في الصلاة إلى غير ذلك من الأفعال المترتبة عليها آثارها ، فان أمثالها إذا استندت إلى التقيّة ارتفعت عنها آثارها كما عرفت .

   وأما إذا لم تكن الآثار المترتبة عليه من آثار فعل المكلف ، فالتقية في مثله لا يرفع عنه آثارها بوجه ، سواء استندنا في الحكم بصحة العمل المتقى به وإجزائه إلى السيرة العملية أم إلى الأدلّة اللفظية كقوله (عليه السلام) «ما صنعتم من شيء ...» (1) لاختصاصها بما إذا أتى المكلّف بعمل وصنع صنعاً يترتب عليه آثاره ، وعليه فلو فرضنا أنه غسل ثوبه المتنجس مرة فيما يجب غسله مرتين ـ تقيّة ـ أو غسله من دون تعفير فيما يجب تعفيره أو من غير إزالة عين النجس ، لعدم كونه نجساً عندهم كما في المني على ما ينسب إلى بعضهم ، لم يحكم بذلك على ارتفاع نجاسة الثوب أو الاناء ، ولا بسقوط اعتبار الغسل مرة ثانية أو التعفير أو غير ذلك مما يعتبر في التطهير واقعاً وذلك لأن النجاسة ووجوب الغسل مرتين أو مع التعفير أو غيرهما ليست من الآثار المترتبة على فعل المكلّف بما هو فعله ، وإنما هي من الآثار المترتبة على ملاقاة النجس وهي ليست من أفعال المكلّفين . نعم لو صلّى في ذلك الثوب تقيّة أو اضطراراً حكمنا بصحّتها .

   وهذا نظير ما قدمناه في محله عند التعرض لحديث الرفع من أن الاضطرار والاكراه إنما يوجبان ارتفاع الآثار المترتبة على الفعل المكره عليه أو المضطر إليه ، ولا يرتفع بهما الآثار المترتبة على أمر آخر غير الفعل ، كما إذا اضطر إلى تنجيس شيء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 23 : 224 / أبواب كتاب الأيمان ب 12 ح 2 .

 
 

ــ[261]ــ

طاهر ، لأنه لا يحكم عند استناد ذلك إلى الاضطرار بارتفاع نجاسة الملاقي لحديث الرفع ، لأنها لم تترتب على فعل المكلف بما هو فعله ، بل إنما ترتبت على ملاقاة النجس وهي قد تكون من فعله وقد تكون من أمر آخر (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 : 269 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net