انحصار غايات العبادة في ثلاثة - عدم لزوم التلفظ بالنيّة 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3606


   ومحقق الاضافة والطاعة أحد أمرين لا ثالث لهما  :

   أحدهما : أن يؤتى بها بقصد امتثال أمر الله سبحانه .

   وثانيهما : أن يؤتى بها بقصد ما هو ملاك أمره أعني المحبوبية لله سبحانه ، فان العمل بذلك يضاف إلى الله تعالى ويقع عبادة وطاعة أي تذلّلاً وتخضّعاً ويوجب التقرّب لا  محالة ، وأما إذا أتى بها لا بقصد أمرها ولا بقصد كونها محبوبة ، بل بقصد الدخول في الجنة أو الفرار عن النار أو نحوهما من الاُمور الدنيوية أو الاُخروية ، فلا يمكن أن تقع عبادة وطاعة بشيء من ذلك ولا تضاف بها إلى الله سبحانه بوجه ، لأن تلك الاُمور إنما هي في طول الطاعة والعبادة وهي اُمور مترتبة عليها لا أنها في عرضها ومحققة لعنوان الطاعة والعبادية ، ومع عدم تحقق المقرّبية والاضافة لا تتحقّق العبادة لا محالة ومع عدم تحقّقها لا يترتّب عليها شيء من تلك الاُمور اُخروية كانت أم دنيوية ، لأن تلك المنافع والآثار ليست من الآثار الوضعية المترتبة على ذوات تلك الأفعال ، كعدم الابتلاء بالفقر مثلاً المترتب عى صلاة الليل ، حيث ورد ما مضمونه أن دعوى الفقر والجوع ممن يأتي بصلاة الليل دعوى كاذبة (1) وفي بعض الروايات سئل (عليه السلام) عن الاتيان بصلاة الليل في جواب من سأله عن الفقر وشكى إليه الحاجة وأفرط في الشكاية (2) .

   ومن الظاهر أن تلكم الأفعال غير دافعة للفقر بحسب الوضع والتكوين ، وإنما الدافع له خصوصية العبادة وهي لا تتحقق إلاّ إذا اُتي بها بأحد الأمرين المتقدمين المحققين لعنوان الطاعة والعبادة ، وعليه فالاُمور المذكورة في المتن من الغايات المترتبة على الطاعة والعبادة ، لا أنها محققة لعنوانهما كما لا يخفى .

   ثم إن غايات العبادات منحصرة في ثلاثة لا رابع لها ، فان العاقل لا يأتي بعمل من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 8 : 158 / أبواب بقية الصلوات المندوبة ب 39 ح 41 ، 13 .

ــ[416]ــ

دون أن يقصد غاية مترتبة على ذلك الفعل ، والغاية المترتبة على الفعل إما أن لا تكون عائدة إلى نفس الفاعل وإنما تعود إلى المعبود فقط ، فيأتي بالعبادة لأنه أهل لها ولا ينظر إلى الحور أو القصور ولا له طمع في الجنة ولا أنه يخاف من النار ولا أنه يقصد شيئاً من المنافع الدنيوية أو الاُخروية من عمله ، وهذا القسم من العبادة إنما تتأتى من المعصومين (عليهم السلام) وأما من غيرهم فلا يمكن التصديق بتحققها ، نعم هي من الاُمور الممكنة والمحتملة ، وقد حكي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال : «ما  عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك» وقد رواها المجلسي في مرآة العقول (1) ولعلّها من الأخـبار الواردة عن طرق العامّة ومن هنا لم نعثر عليها في رواياتنا ولم يرد من طرقنا إلاّ في الكتاب المذكور .

   وإمّا أن تعوّد الغاية إلى نفس الفاعل وهي على قسمين : لأن القوى الكامنة في الانسان قد يلائم شيئاً مترتباً على العبادة فيأتي بها للتوصل إلى وجود ذلك الشيء الملائم له كدخول الجنة أو الحور أو القصور ، وقد لا يلائم شيئاً فيأتي بالعبادة للتوصل بها إلى التباعد عن ذلك الشيء كالنار والعقوبة ، هذا فيما يرجع إلى الاُمور الاُخروية . وكذلك الحال فيما يرجع إلى الاُمور الدنيوية فانه ربما يأتي بالصوم أو الصلاة أو زيارة الحسين (عليه السلام) ليتوصّل بذلك إلى المال أو الولد أو الصحة والشفاء من المرض أو غير ذلك من الاُمور . وقد يأتي بالعبادة للتوصل بها إلى عدم زوال ملكه ونعمه فيصلِّي لله شكراً لئلاّ يذهب ماله ويزول ملكه .

   وقد أشار عزّ من قائل إلى جميع أنحاء الغايات المترتبة على العبادة في سورة الفاتحة بقوله : (الحمد لله ربّ العالمين * الرّحمن الرّحيم * مالك يوم الدّين ) فأشار بالجملة الاُولى إلى كماله الذاتي حيث أتى بكلمة «الله» أعني الربوبية لكل شيء ، وبهذا الكمال الذاتي استحق العبادة وصار أهلاً لها . ثم أشار إلى رأفته ورحمته بقوله : (الرّحمن الرّحيم ) وقد دلّ ذلك على أن بعبادة الله عزّ وجلّ يمكن أن يصل الانسان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مرآة العقول 8 : 89 ، الوافي 4 : 361 .

ــ[417]ــ

ولا يلزم التلفّظ بالنيّة (1) بل ولا إخطارها بالبال (2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلى رحمته وما يلائم لاحدى قواه من المال والجنة والحور والقصور وغيرها . وأشار ثالثاً إلى يوم الحساب ، وأن العقاب بيده وأن بعبادته يوفق الانسان إلى الفرار عن عقوبته .

   وعلى الجملة : أن ما أفاده الماتن (قدس سره) هو الصحيح ، والطاعة إنما تتحقق بأحد الأمرين المتقدمين ، ومعهما لا يضر بالعبادة قصد شيء من الغايات المتقدمة . نعم لا يكفي في العبادية قصد هذه الغايات ما دام لم يكن العمل طاعة بذاته أو قصد امتثال أمر الله سبحانه أو محبوبية العمل كما مر .

 عدم لزوم التلفظ بالنيّة :

   (1) إلاّ في تلبية الحج لزوماً أو احتياطاً لأنه منصوص .

   وقد يقال بكراهة التلفظ بالنيّة ، فان اُريد بها الكراهة مطلقاً في الصلاة وفي غيرها أو في خصوص الصلاة على وجه الاطلاق فلا نرى له وجهاً ، وإن اُريد بها الكراهة بعد الاقامة فهو صحيح ، لأن التكلم بين الاقامة والصلاة أمر مكروه والتلفظ بالنيّة من أحد مصاديق التكلم .

   وقد يكون التلفظ بالنيّة محرّماً مفسداً للعمل وهذا كالتكلم والتلفظ بالنيّة في صلاة الاحتياط ، بناء على أنها جزء من الصلاة أو كالجزء لها ، ولذا يعتبر فيها أن لا يأتي بالمنافيات التي منها التكلّم والتلفّظ المنطبق على التلّفظ بالنيّة .

   نعم ، يستحب التلفظ بالنيّة في الحج بأن يقول : إني آتي بالحج قربة إلى الله ، وهذا غير التلفظ بتلبية الحج فلا تغفل .

    عدم لزوم الإخطار بالبال :

   (2) لأن الدليل على اعتبار نيّة القربة في الوضوء إنما هو الارتكاز المتشرعي ولا دلالة له على اعتبار اخطارها بالقلب ، بل إنما يدلنا على اعتبار صدور الوضوء




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net