كفاية قصد غاية واحدة عند اجتماع غايات متعدّدة - إذا توضأ بنيّة غاية ثمّ أراد أن يأتي بغاية اُخرى 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء السادس:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2261


ــ[46]ــ

وأ نّه إذا نوى واحداً منها أيضاً كفى عن الجميع (1) وكان أداء بالنسبة إليها وإن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإلهي المستقل في داعويته ، وانضمام الضميمة الراجحة إليه غير كاف في القربية .

   والذي يشهد لما ذكرناه أنه لو أتى بالعبادة بداعي الضميمة الراجحة فقط بأن تكون مستقلّة في داعويتها لم يمكن القول بوقوع العبادة امتثالاً لأمرها وإن كانت واقعة امتثالاً لتلك الضميمة الراجحة كتعليم الوضوء أو الصلاة للغير ، لأنها أيضاً عبادة مستحبة إلاّ أنها لا توجب وقوع العبادة امتثالاً لأمرها ، فإذا لم تكن الضميمة الراجحة مقرّبة من ناحية الأمر المتعلق بالعبادة في نفسها فلا يكون المجموع منها ومن الأمر المتعلق بالعبادة مقرباً أيضاً ، لأن المركب من غير المقرب والمقرب لا يكون مقرّباً ، وهذا بخلاف المقام وذلك لأنه لو كان قصد بوضوئه ذلك التوصل إلى أية غاية من غاياته كفى ذلك في مقربية الوضوء ووقوعه امتثالاً لأمره ، لما مرّ من أن عبادية الوضوء لم تنشأ عن الأمر الغيري المتعلق به ، ولا عن قصد شيء من غاياته حتى يقال إن المكلّف في مفروض الكلام لما لم يقصد التوصّل إلى خصوص غاية من غاياته ولا قصد بذلك امتثال أمره الغيري وقع باطلاً لا محالة ، بل عباديته ناشئة عن الأمر النفسي المتعلق به ، فهو عبادة في نفسه والعبادة يكفي في صحّتها الاتيان بذاتها مضافة بها إلى الله سبحانه نحو إضافة ، والإضافة تحصل بقصد التوصّل به إلى شيء من غاياته أو إلى مجموع تلك الغايات فلا محالة يقع صحيحاً وامتثالاً للجميع ، ويمكن إدخال ذلك تحت عبارة الماتن (قدس سره) في قوله : كما لا إشكال في أنه إذا نوى الجميع وتوضّأ وضوءاً واحداً لها كفى وحصل امتثال الأمر بالنسبة إلى الجميع .

    إذا نوى واحداً من الغايات

   (1) وذلك لتحقق الوضوء بإتيانه بقصد غاية معيّنة من غاياته حيث لا يعتبر في صحّته ووقوعه قصد بقيّة الغايات أيضاً ، ومع تحققه له أن يدخل في أية غاية متوقفة على الطهارة سواء قلنا إن الطّهارة هي نفس الوضوء أعني الغسلتين والمسحتين كما

ــ[47]ــ

لم يكن امتثالاً إلاّ بالنسبة إلى ما نواه ، ولا ينبغي((1)) الإشكال في أن الأمر متعدِّد حينئذ وإن قيل إنه لا يتعدّد وإنما المتعدِّد جهاته ، وإنما الإشكال في أنه هل يكون المأمور به متعدِّداً أيضاً وأن كفاية الوضوء الواحد من باب التداخل أو لا بل يتعدّد ((2)) ذهب بعض العلماء إلى الأوّل وقال : إنه حينئذ يجب عليه أن يعيّن أحدها وإلاّ بطل ، لأن التعيين شرط عند تعدّد المأمور به . وذهب بعضهم إلى الثاني وأن التعدّد إنما هو في الأمر أو في جهاته .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوّيناه ، أم قلنا إن الطّهارة أمر يترتب على تلك الأفعال ، وذلك لتحقق الطّهارة على الفرض . نعم يقع حينئذ امتثالاً من جهة الأمر المتوجه إلى ما قصده من الغايات وأداء بالإضافة إلى بقيّة غاياته التي لم يقصد التوصل به إليها هذا .

   ثمّ إن في هذه المسألة جهة اُخرى للكلام ، وهي أنه إذا توضأ بنيّة شيء من غايات الوضوء وبعد ذلك بدا له وأراد أن يأتي بغاية اُخرى أيضاً من غاياته فقد عرفت أنه لا يجب عليه حينئذ أن يتوضأ ثانياً ، بل الوضوء الذي أتى به للتوصل به إلى صلاة الفريضة مثلاً كاف في صحّة بقيّة غاياته ، إلاّ أن الكلام في أن هذا من باب التداخل أو من جهة وحدة المأمور  به .

   والكلام في ذلك تارة في تعدّد الأمر واُخرى في تعدّد المأمور  به ، وقد نفى الماتن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التحقيق أنه إذا بنينا على عدم اتصاف المقدّمة بالوجوب أو الاستحباب الغيري كما قوّيناه في محله فلا موضوع لهذا البحث من جهة تعدّد الغايات ، ولو قلنا باتصافها به فان لم نعتبر الايصال في اتصاف المقدّمة بالمطلوبية فلا إشكال في وحدة الأمر والمأمور به وأن التعدّد إنما هو في الجهات ، والوجه فيه ظاهر ، وإن اعتبرنا الايصال فيه فالظاهر أن كلاًّ من الأمر والمأمور به متعدِّد وأن الاكتفاء بالوضوء الواحد من باب التداخل في المسببات ، وأما الوضوء الواجب بالنذر فتعدّد المأمور به فيه يتوقف على جعل الناذر وقصده ، فان قصد التعدّد تعدّد ، وإلاّ فلا .

(2) الظاهر أن جملة (بل يتعدد) زائدة وهي من سهو القلم .

ــ[48]ــ

الإشكال في تعدّد الأمر حينئذ وذكر أن الإشكال في أن المأمور  به أيضاً متعدِّد أو أن التعدّد في جهاته ، ونسب إلى بعض العلماء القول بتعدّد المأمور  به كالأمر وفرع عليه لزوم تعيين أحدها ، لأنه لو لم يعيّن المأمور  به عند تعدّده بطل ، وقد اختار هو (قدس سره) عدم تعدّد المأمور  به ، ثمّ تعرض إلى مسألة النّذر وقال : إنه يتعدّد المأمور  به فيها تارة ولا يتعدّد اُخرى .

   وتوضيح الكلام في هذا المقام : أنه إذا قلنا بأن المقدّمة لا تتصف بالأمر الغيري المقدمي لا بالوجوب ولا بالإستحباب كما قوّيناه في محلِّه وقلنا إنّ الوجوب أو الاستحباب لا يتعدّى ولا يسري من ذي المقدّمة إلى مقدّماته ، نعم هي واجبة عقلاً (1) فلا يبقى مجال للبحث في هذه المسألة ، حيث لا أمر غيري في الوضوء حينئذ ليقال إنه واحد أو متعدِّد وأن المأمور  به أيضاً متعدِّد أو واحد . فالنزاع يبتني على القول باتصاف المقدّمة بالأمر الغيري المترشح من ذيها شرعا .

   وحينئذ إن قلنا بما سلكه صاحب الكفاية (قدس سره)(2) من أن الأمر الغيري إنما يتعلّق بذات المقدّمة كالغسلتين والمسحتين لا بهما مقيّداً بعنوان المقدمية أو الإيصال لأن المقدمية جهة تعليلية لا تقييدية ، فالصلاة واجبة لعلة ما فيها من المصلحة ومقدماتها واجبة لعلة كونها مقدّمة لها فالمتصف بالأمر الغيري هو ذات المقدّمة لا هي بوصف كونها مقدّمة أو مع قيد الإيصال ، فلا مناص من الالتزام بوحدة الأمر لأن طبيعي الوضوء وذاته شيء واحد لا يعقل الحكم بوجوبه أو باستحبابه مرتين لوضوح أنه من أظهر أنحاء اجتماع المثلين أو الأمثال وهو أمر مستحيل حتى بناء على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي ، فلا بدّ من الالتزام بوحدة وجوبه غاية الأمر أنه متأكد وهو آكد من بقيّة أفراد الوجوبات الغيرية المتعدِّدة متعلقاتها .

   وأمّا إذا قلنا حينئذ ـ أي على تقدير الالتزام باتصاف المقدّمة بالأمر الغيري ـ  بأن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 438 .

(2) كفاية الاُصول : 114 .

ــ[49]ــ

متعلقه ليس هو طبيعي المقدّمة ، بل هو حصّة خاصّة منه وهي التي تقع في سلسلة علّة ذي المقدّمة أعني المقدّمة الموصلة في الخارج إلى ذيها كما ذهب إليه صاحب الفصول (قدس سره) (1) وقوّيناه في محلِّه (2) وقلنا إن المقدّمة على تقدير الالتزام بوجوبها أو باستحبابها الغيريين لا موجب للالتزام بوجوب طبيعي المقدّمة أو استحبابها وإن لم توصل إلى ذيها خارجاً ، فلا مناص وقتئذ من الالتزام بتعدد الأمر وذلك لأن هناك حينئذ حصصاً كثيرة متعدِّدة ، فالوضوء المقيّد بكونه موصلاً إلى صلاة الفريضة واجب بوجوب ناشئ من وجوب الفريضة ، والوضوء المقيّد بكونه موصلاً إلى قراءة القرآن مستحب باستحباب القراءة ، كما أن الوضوء المقيّد بكونه موصلاً إلى صلاة القضاء واجب بوجوب ناشئ من وجوب القضاء وهكذا ، ولا يمكن أن يقال حينئذ إن الوضوء المقيّد بكونه موصلاً إلى صلاة القضاء مستحب باستحباب القراءة أو واجب بوجوب صلاة الفريضة وهكذا ، وعليه فكما يتعدد الأمر كذلك يتعدّد المأمور  به كما عرفت .

   فمن هنا يظهر أن ما أفاده الماتن من نفي الإشكال في تعدّد الأمر وجعل الإشكال في تعدّد المأمور  به ممّا لا وجه له ولا نعرف له وجهاً صحيحاً ، لأن الجهتين متلازمتان ، ففي كل مورد التزمنا بوحدة الأمر كما بناء على مسلك صاحب الكفاية (قدس سره) فلا مناص من الالتزام بوحدة المأمور  به أيضاً ، كما أنه إذا قلنا بتعدد الأمر كما على المختار لا بدّ من الالتزام بتعدّد المأمور  به كما مرّ ، وعليه فاذا جمع تلك الحصص في مورد واحد بأن توضأ بقصد التوصّل إلى غاية واحدة أو مجموعها وكان موصلاً إلى المجموع خارجاً ، فيكون عدم الحاجة إلى الوضوء مرّة ثانية للغاية الاُخرى من جهة التداخل لا محالة .

   وعلى الجملة قد عرفت أن هذه المسألة تبتني على ما هو المعروف بينهم من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفصول : 86 / 12 .

(2) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 420 .

ــ[50]ــ

اتصاف المقدّمة بالأمر الغيري شرعاً ، كما أن تعدّد المأمور  به أو وحدته يبتنيان على ما هو الصحيح من اختصاص الأمر الغيري بالمقدّمة الموصلة ، لأن الحصص حينئذ متعدِّدة فإن الوضوء الموصل إلى الفريضة حصّة منه واجبة بوجوب الفريضة ، والوضوء الموصل إلى النافلة حصّة اُخرى منه مستحبة باستحباب ناشئ من استحباب النافلة أو القراءة أو غيرهما ، فالحصص متعدِّدة كما أن الأمر متعدِّد ، إلاّ أن هذه الحصص قد تجتمع في مورد واحد وتوجد بوجود فارد ، كما إذا أوصل وضوءه إلى جميع غاياته الواجبة والمستحبة ، وعليه فعدم لزوم التعدّد في الوضوء وكفاية الوضوء مرّة واحدة يكون من باب التداخل لا محالة ، ولعل هذا كله ظاهر ولا كلام فيه ، وإنما الكلام فيما فرعه ورتبه على هذا القول من لزوم تعيين أحد الواجبات أعني المأمور  به المتعدِّد فيحكم ببطلانه عند عدم تعيينه مع تعدّده لعدم الترجيح من غير مرجح .

   الصحيح عدم اعتبار التعيين حينئذ ، وذلك لما مرّ غير مرّة من أن عبادية الوضوء لم تنشأ عن الأمر الغيري المتعلق به ، لأنا نلتزم بعباديته حتى على القول بعدم وجوب المقدّمة وإنكار الأمر الغيري رأساً ، وإنما عباديته نشأت عن الأمر النفسي المتعلق به وعليه فلو أتى بالوضـوء قاصداً به أمره النفسي فقد وقع وضـوءه صحيحاً مقرّباً ويصح معه الدخول في غاياته وإن لم يقصد أمره الغيري أصلاً أو قصده على وجه الترديد ، بأن لم يدر أنه يصلّي بعد وضوئه هذا أو يقرأ القرآن أو يزور الإمام (عليه السلام) لأن الترديد حينئذ إنما هو في قصد أمره الغيري ولا ترديد في قصد أمره النفسي ، وقد ذكرنا أن الأمر الغيري لا يعتبر قصده في عبادية الوضوء . ولا يقاس المقام بسائر العبادات النفسية كصلاتي القضاء والأداء حيث يجب تعيين أحدهما في صلاته وإلاّ بطلت صلاته لا محالة ، لأن عباديتها إنما هي من جهة أمرها النفسي فلا مناص من قصد أمرها النفسي في وقوعها صحيحة ، فإما أن يقصد الأمر بالأداءأو الأمر بالقضاء ، وأما في المقام فقد عرفت أنه قصد أمره النفسي ولم يقصد أمره الغيري

ــ[51]ــ

وقد مرّ أن قصد الأمر الغيري غير معتبر في صحّة الوضوء ، لعدم استناد عباديته إلى الأمر الغيري هذا .

   بل لو قلنا بأن عبادية الوضوء نشأت من أمره الغيري أيضاً لا يجب تعيين المأمور به عند اجتماع غايات متعـدِّدة ، وذلك لأن تعـيين المأمور  به لم يدل على اعتبـاره دليل وإنما نقـول باعتبـاره في المـوارد التي لا يتعيّن المأمور  به ولا يتحـقق إلاّ بتعيينه وقصده وهذا كما إذا صلّى ركعتين بعد طلوع الفجر ، لأنه لا بدّ من تعيين أنهما فريضة أو نافلة فلو لم يعين إحداهما بطلت ، لتقوم كل من الفريضة والنافلة بقصدها وبتعيينها .

   وهذا بخلاف المقام ، لأن الواجب متعيّن في نفسه ولا حاجة فيه إلى التعيين ، وذلك لأن الحصّة الموصلة من الوضوء إلى صلاة الفريضة ممتازة عن الحصّة الموصلة إلى قراءة القرآن ، وهي غير الحصّة الموصلة منه إلى زيارة الإمام (عليه السلام) فالحصص في أنفسها ممتازة كما أن ما يأتي به متعين في علم الله ، لعلمه تعالى بأنه موصل للقراءة أو للزيارة ، فبناء على أن عبادية الوضوء ناشئة عن أمره الغيري لا مناص من قصد أمره الغيري في صحّة الوضوء ، إلاّ أنه لا يجب عليه تعيين ذلك الأمر الغيري وأنه يأتي بالوضوء بغاية كذا ، بل لو أتى به للتوصل به إلى شيء من غاياته من دون علمه بأنه يأتي بالفريضة بعد ذلك أو بالزيارة أو بغيرهما صح ، لأنه أتى به وأضافه إلى الله سبحانه بقصد أمره الغيري وهو متعيّن في علم الله سبحانه ، لعلمه تعالى بأن هذا الوضوء هو الذي يوصله إلى الفريضة أو إلى النافلة أو إلى الزيارة وإن لم يعلم به المتوضي ، لأنه إنما يعلم به بعد الإتيان بالغاية . ومع تعيّن المأمور  به في نفسه وفي علم الله سبحانه لا حاجة إلى تعيينه في مقام الامتثال ، لأنه مما لم يدلّ دليل على اعتباره في الواجبات وإنما نعتبره فيما إذا توقف تحقق الواجب وتعيينه إلى التعيين كما في مثل النافلة والفريضة أو القضاء والأداء ، هذا كله في غير النّذر .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net