العلم الإجمالي ببطلان الوضوء الأوّل أو التّجديدي وحكم الصّلاة المأتي بها بعدهما 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء السادس:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2378


ــ[86]ــ

أحد الوضوءين (1) ولم يعلم أيهما ، لا إشكال في صحّة صلاته ، ولا يجب عليه الوضوء للصلاة الآتية أيضاً بناء على ما هو الحق من أن التجديدي إذا صادف الحدث صحّ (2) ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   المتوضئ لو جدّد وضوءه وصلّى ثمّ علم ببطلان أحد الوضوءين

   (1) أي بطلانه في نفسه لفقده شيئاً من أجزائه أو شرائطه ، لا بانتقاضه بعد علمه بتحقق كل منهما صحيحاً في نفسه .

   (2) وقد تعرض (قدس سره) في هذه المسألة والمسائل الآتية لعدّة فروع يقرب بعضها من بعض .

   المسألة الاُولى : ما إذا صلّى ثمّ علم ببطلان أحد وضوءيه من الأوّل والتجديدي بأن ظهر له بطلان أحدهما في نفسه لفقده شيئاً من شرائطه وأجزائه ، لا أنه علم بانتقاضه بعد وقوعه صحيحاً . والوجه فيما أفاده في هذه المسألة ـ بناء على ما هو الحق الصحيح من أن الوضوء التجديدي يرفع الحدث إذا صادفه في الواقع ـ ظاهر وهو العلم بطهارته ووضوئه الرافع للحدث ، وغاية الأمر لا يدري أن سببه هو الوضوء الأوّل أو الثاني وهو غير مضرّ في الحكم بطهارته فتصح صلاته ، كما أن له الدخول بذلك الوضوء في كل أمر مشروط بالطّهارة . ثمّ إنه (قدس سره) لم يتعرض لما هو خلاف الحق والمشهور من عدم كون الوضوء التجديدي رافعاً للحدث على تقدير مصادفته الواقع فهل يحكم حينئذ بصحّة صلاته ووضوئه أو لا يحكم بصحّة شيء منهما أو فيه تفصيل ؟ .

   لا إشكال في أن استصحاب الحدث السابق على كلا الوضوءين جار في نفسه ومقتضاه الحكم ببطلانهما وبطلان الصلاة ، وذلك لليقين به قبلهما ولا يقين بالوجدان بارتفاعه ، لاحتمال أن يكون الباطل الوضوء الأوّل والصحيح هو التجديدي الذي لا يترتب عليه ارتفاع الحدث على تقدير المصادفة فمقتضاه البطلان ، وإنما الكلام في

ــ[87]ــ

أن قاعدة الفراغ هل تجري في الوضوء الأوّل أو الصلاة في نفسها حتى تتقدم على استصحاب الحدث أو أنها لا تجري فللكلام جهتان :

   الجهة الاُولى : في أن قاعدة الفراغ هل تجري في نفس الصلاة ؟ والجهة الثانية : في جريانها في الوضوء الأوّل وعدمه .

   أمّا الجهة الاُولى فالتحقيق أن القاعدة غير جارية في نفس الصلاة سواء قلنا بجريانها في الوضوء أم لم نقل . أما إذا قلنا بجريانها في الوضوء فلأجل أنه لا يبقى معه شك في صحّة الصلاة حتى تجري فيها القاعدة ، لأن الشك فيها مسبب عن الشك في الوضوء ومع الحكم بصحّته بالقاعدة لا يبقى شك في صحّة الصلاة ، إذ الأصل الجاري في السبب حاكم على الأصل الجاري في المسبب . وأما إذا لم نقل بجريانها في الوضوء ـ  ولو بدعوى أنه طرف للعلم الإجمالي ببطلانه أو بطلان الوضوء التجديدي كما يأتي ـ فلأن قاعدة الفراغ كما ذكرناه غير مرّة إنما تجري فيما إذا كانت صورة العمل غير محفوظة حين الشك في صحّته، بأن يشك في أنه هل أتى به مطابقاً للمأمور  به أم فاقداً لبعض شرائطه أو أجزائه . وأما إذا كانت صورة العمل محفوظة كما إذا علم أنه توضأ من هذا المائع الموجود بين يديه ـ وهو مشكوك الإطلاق والإضافة مثلاً ـ أو صلّى إلى تلك الجهة ـ وهي مشكوك كونها قبلة ـ ولكنه احتمل صحّته لأجل مجرد المصادفة الاتفاقية فهي ليست مورداً للقاعدة ، لاعتبار أن يكون المكلّف أذكر حال العمل منه حينما يشك (1) وأن يكون أقرب إلى الحق منه بعده (2) كما في رواياتها ، وهو غير متحقق عند كون صورة العمل محفوظة ، والأمر في المقام كذلك ، لأن صلاته هذه إنما وقعت بذلك الوضوء الأوّل الذي يشك في صحّته وفساده ، فالصلاة خارجة عن موارد القاعدة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 7 . وهي مضمرة بكير بن أعين ، قال : الرجل يشك بعدما يتوضأ ، قال : هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك .

(2) الوسائل 8 : 246 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3 . وفيه : وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك .

ــ[88]ــ

   ولا يُقاس هذا بملاقي أحد أطراف العلم الإجمالي وغيره من موارد الشك السببي والمسببي حيث يجري الأصل فيها في المسبب إذا لم يجر في السبب ، وذلك لأنه وإن كان صحيحاً بكبرويته ، لوضوح أن الأصل إذا لم يجر في السبب لمانع فلا محالة تنتهي النوبة إلى الأصل المسببي ، إلاّ أنه فيما إذا كان الأصل في المسبب جارياً في نفسه لاشتماله على شرائطه ، لا في مثل الصلاة في مفروض الكلام الذي لا تجري فيه القاعدة في نفسها لعدم وجدانها الشرط المعتبر في جريانها .

   وأمّا الجهة الثانية أعني جريان قاعدة الفراغ في الوضوء الأوّل فالصحيح أنها جارية في الوضوء الأوّل ، للشك في صحّته وفساده وبها يحكم بصحّته وصحّة الصلاة ، ويجوز له أن يدخل في كل ما هو مشروط بالطّهارة . والذي يتوهم أن يكون مانعاً عن جريانها في ذلك الوضوء إنما هو وجود العلم الإجمالي ببطلانه أو بطلان الوضوء التجديدي ، كما إذا علم بأنه قد ترك مسح رأسه في أحد الوضوءين ومعه لا تجري القاعدة في شيء منهما ، لأن جريانها في كليهما تعبد بخلاف المعلوم ، وجريانها في بعض دون بعض ترجيح من غير مرجح . إلاّ أن العلم الإجمالي المفروض غير مانع عن جريان القاعدة في الوضوء الأوّل بوجه ، لأنا إن قلنا بما ربّما يظهر من بعض كلمات شيخنا الأنصاري (قدس سره) من أن تأثير العلم الإجمالي وتنجيزه متوقف على أن يكون متعلقه حكماً إلزامياً في جميع أطرافه وإذا كان متعلقه في بعضها حكماً غير إلزامي فهو غير منجز للتكليف ، كما إذا علم إجمالاً ببطلان إحدى صلاتيه من الفريضة أو النافلة فلا تجب عليه إعادة الفريضة لعدم كون الحكم في طرف النافلة إلزامياً ، فالأمر واضح ، لأن الحكم في أحد طرفي العلم الإجمالي في المقام أيضاً غير إلزامي وهو الوضوء التجديدي لأن إعادته غير واجبة ، فالعلم الإجمالي غير مؤثر في تنجز متعلقه فلا مانع من إجراء القاعدة في كل من الوضوء الأوّل والتجديدي بوجه .

   وأمّا إذا قلنا بما قوّيناه أخيراً وقلنا بأن العلم الإجمالي منجز لمتعلقه عند تعارض الاُصول في أطرافه سواء كان متعلقه حكماً إلزامياً في جميعها أم كان حكماً غير

ــ[89]ــ

إلزامي في بعضها وإلزامياً في الآخر ، فأيضاً لا مجال للمنع عن جريان القاعدة في الوضوء الأوّل ، وذلك لعدم المعارض وعدم جريان القاعدة في الوضوء التجديدي بناء على ما اخترناه وفاقاً للماتن (قدس سره) من عدم انحصار استحباب التجديد بالفرد الأوّل ، بل الفرد التجديدي الثاني والثالث والرابع وهكذا أيضاً مستحب .

   والسرّ في عدم جريان القاعدة في التجديدي حينئذ هو أن القاعدة إنما تجري فيما أمكن فيه التدارك إما على نحو اللزوم وإما على نحو الاستحباب فبها ترفع كلفة تدارك العمل السابق ، وهذا كما في مثال ما إذا علم ببطلان الفريضة أو النافلة ، حيث إن كلاً منهما إذا كانت باطلة يمكن تداركها فيجب إعادتها أو تستحب ، فالقاعدة إذا جرت في شيء منهما تقتضي عدم لزوم تداركها أو عدم استحباب التدارك ، فتتعارض القاعدة في الفريضة معها في النافلة فلا يمكن إجراؤها في كليهما لأنه تعبد بخلاف المعلوم ولا في بعضها دون بعض لأنه بلا مرجح .

   وأما إذا لم يمكن التدارك بوجه فلا معنى لجريان قاعدة الفراغ في مثله ، وهذا كما في الصلاة المبتدأة ، لأنه إذا شك بعدها في صحّتها وفسادها لا تجري فيها القاعدة ، لأنها سواء صحّت أم فسدت فقد مضت ولا أثر لبطلانها ، حيث إن الصلاة خير موضوع ومستحبة في جميع الأوقات ، فالصلاة بعد الصلاة التي يشك في صحّتها مستحبة في نفسها صحّت الصلاة السابقة أم فسدت ، فلا أثر لبطلانها أي لا يمكن تداركها حتى تجري فيها القاعـدة وبها يحكم بعدم كلفة المكلّف في تداركها وإعادتها لزوماً أو استحباباً . وهذا من غير فرق بين كونها طرفاً للعلم الإجمالي وكونها مشكوكة بالشك البدوي ، لأنها في نفسها ليست مورداً للقاعدة كما مر .

   والأمر في المقام ـ بناء على ما اخترناه ـ كذلك حيث لا أثر للوضوء التجديدي صحّة وفساداً ، لأن المفروض أنه لا يرفع الحدث الواقعي على تقدير المصادفة ، حيث إن كلامنا على هذا الفرض ، كما أن بطلانه لا يوجب الإعادة لعدم إمكان تداركـه حيث إن الفرد التجديدي الثاني مستحب في نفسه صح الفرد الأوّل أم لم يصح ، كان




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net