العلم بصدور حدث وصلاة بعد الوضوء والشّك في المتقدّم منهما 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء السادس:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2386


ــ[103]ــ

   [ 582 ] مسألة 43 : إذا كان متوضئاً وحدث منه بعده صلاة وحدث ولا يعلم أيهما المقدّم وأن المقدّم هي الصلاة حتى تكون صحيحة أو الحدث حتى تكون باطلة ، الأقوى صحّة الصلاة لقاعدة الفراغ ، خصوصاً إذا كان تأريخ ((1)) الصلاة معلوماً لجريان استصحاب بقاء الطّهارة أيضاً إلى ما بعد الصلاة (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصلاتين وإعادتهما استحباباً أو لزوماً ، إلاّ بناء على جريان الاستصحاب في الصلاة الاُولى ، فإن الإعادة تختص حينئذ بالثانية أيضاً لزوماً أو استحباباً . فالمتحصل أن قياس أحد العلمين الإجماليين بالآخر مما لا وجه له .

    المتوضئ إذا صلّى وصدر منه حدث وتردّد في المتقدِّم منهما

   (1) لا وجه لما صنعه (قدس سره) من الجمع في المسألة بين قاعدة الفراغ واستصحاب بقاء الطّهارة إلى زمان الصلاة ، لأن القاعدة حاكمة على الاستصحاب كما لا يخفى .

   ثمّ إن تفصيل الكلام في هذه المسألة أن مقتضى قاعدة الفراغ هو الحكم بصحّة الصلاة مطلقاً ، سواء علم تأريخ الصلاة وجهل تأريخ الحدث والطّهارة ، أم انعكس وعلم تأريخهما دون تأريخ الصلاة ، أم جهل تأريخ كل من الطّهارة والحدث والصـلاة إلاّ أنها تختص بما إذا احتمل من نفسه إحراز شرط الصلاة قبل الدخول فيها ، دون ما إذا علم أنه كان غافلاً عن طهارته التي هي شرط الصلاة أو قد صلاّها مع التردّد في طهارته ، وذلك لما أشرنا إليه غير مرّة من أنه يعتبر في جريان القاعدة أن يكون المكلّف أذكر حال العمل وأن لا تكون صورة العمل محفوظة عنده حين شكّه ، فإذا احتمل من نفسه إحراز الطّهارة قبل الصلاة فقد عرفت أنها مورد لقاعدة الفراغ في جميع الصور الثلاث ، وأمّا إذا علم بغفلته عن الشرط وكانت صورة العمل محفوظة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا خصوصية لذلك .

ــ[104]ــ

عنده فلا تجري القاعدة حينئذ وتصل النوبة إلى الاستصحاب ، وله صور ثلاث كما مرّ .

    الصورة الاُولى :

   أن يعلم تأريخ الصلاة دون تأريخ حدثه وانقضاء طهارته . مقتضى استصحاب بقاء طهارته إلى زمان الفراغ عن الصلاة الحكم بوقوع الصلاة مع الطّهارة فتصح ، ولا يعارضه استصحاب عدم وقوع الصلاة إلى زمان انقضاء الطّهارة على مسلك الماتن وصاحب الكفاية (قدس سرهما) (1) لأن تأريخ الصلاة معلوم فلا شك في وقوعها بحسب الأزمنة التفصيلية ، فلا يجري الاستصحاب فيها بحسب عمود الزمان للعلم بتأريخها ، وأما إجراء الاستصحاب فيها بالإضافة إلى الحادث الآخر ـ وهو انقضاء الطّهارة وتحقق الحدث بأن يقال : الأصل عدم وقوع الصلاة إلى آخر زمان الطّهارة ـ فهو أيضاً غير جار ، لعدم إحراز اتصال زمان الشك باليقين ، لاحتمال تخلل اليقين بالصلاة بين زماني اليقين بعدم تحقق الصلاة مع الطّهارة والشك فيه ، ومن هنا قال الماتن : خصوصاً إذا كان تأريخ الصلاة معلوماً .

   وأمّا على ما سلكناه من جريان الاستصحاب في كل من الحادثين معلوم التأريخ منهما ومجهوله فلا مانع من استصحاب عدم تحقق الصلاة إلى آخر زمان انقضاء الطّهارة الذي هو زمان الحدث ، وذلك لأن تأريخ الصلاة وإن كان معلوماً ولا شك فيها بحسب الأزمنة التفصيلية وعمود الزمان ، إلاّ أن العلم بتأريخها في تلك الأزمنة التفصيلية غير مناف للشك في تأريخها بحسب الأزمنة الإجمالية ، وهي ما بين زماني الطّهارة والحدث ، لأنا إذا راجعنا وجداننا مع العلم بتأريخها بحسب الأزمنة التفصيلية نرى أنا نشك في وقوعها فيما بين الطّهارة والحدث ، وحيث إنا كنا على يقين من عدمها في تلك الأزمنة الإجمالية فنستصحبه ونقول : الأصل عدم وقوع الصلاة فيما بينهما أي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول : 421

ــ[105]ــ

إلى زمان انقضاء الطّهارة ، وليس هذا من الشبهة المصداقيّة للاستصحاب بوجه ، لأننا لا نحتمل يقيننا بوقوع الصلاة فيما بين الحدث والطّهارة في شيء من الأزمنة .

   وعلى الجملة لا ينبغي الإشكال في جريان الاستصحاب فيما علم تأريخه ، وهو نظير ما إذا علمنا بحياة شخصين أحدهما مقلَدنا في الأحكام ثمّ علمنا بموت أحدهما تفصيلاً فلم نتمكن من إجراء الاستصحاب في حياة ذلك المسجّى للقطع بموته ، فهل يكون هذا مانعاً عن إجراء الاستصحاب في حياة أحدهما المعلومة إجمالاً ـ من حيث تردده بين الميت والحي ـ فلا نتمكن من إجراء الاستصحاب في بقاء حياة مقلدنا مع أنا شاكين في بقائه بالوجدان ؟ كلا ثمّ كلا ، فلنا أن نشير إلى مقلدنا الذي لا نميزه ونقول كنا على يقين من حياته فنشك فهو حي بمقتضى الاستصحاب . فتحصل أن العلم بتأريخ أحدهما في الأزمنة التفصيلية غير مانع عن الشك في تأريخها من حيث الأزمنة الإجمالية .

   ثمّ إنه إذا بنينا على جريان الاستصحاب فيما علم تأريخه فهل يحكم بتساقط الأصلين ويرجع إلى قاعدة الاشتغال المقتضية لإعادة الصلاة ، أو أن الحكم هو استصحاب بقاء الطّهارة إلى زمان الفراغ من الصلاة فلا تجب إعادتها ؟

   التحقيق هو الثاني ، وذلك لعدم معارضته باستصحاب عدم وقوع الصلاة إلى زمان انقضاء الطّهارة ، وهذا لا لأن الأصل لا يجري فيما علم تأريخه من الحادثين ، لأنه يجري فيه كما يجري في مجهوله ، بل لما أشرنا إليه في بحث استصحاب الزمان وقلنا إن الأفعال المقيّدة بقيود إن اُخذ فيها زائداً على اعتبار وجود هذا ووجود ذاك ـ بأن يكون المقيّد موجوداً في زمان يكون القيد فيه موجوداً ـ أمر آخر بسيط ولو كان هو عنوان الظرفية بأن يعتبر كون القيد ظرفاً للمقيّد ، فلا يمكن إجراء الاستصحاب في قيده وإحراز الواجب المعتبر بالأصل أو بضمّ الوجدان إليه(1) ، فلو علمنا بطهارتنا ثمّ شككنا في الحدث ـ من غير وجود العلم الإجمالي أصلاً ـ فلا يمكننا استصحابها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 3 : 123 ـ 125 .

ــ[106]ــ

والحكم بوقوع صلاتنا مع الطّهارة ، لأن استصحاب وجود الطّهارة لا يثبت وقوع الصلاة فيها أعني عنوان الظرفية إلاّ على القول بالأصل المثبت ، فلا أثر للاستصحاب في الطّهارة ، كما قلنا إنه عليه لا يمكن إجراء الاستصحاب في وجود الزمان على نحو مفاد كان التامّة لاثبات أن الفعل المقيّد به كالصوم والصلاة وقعا في النهار أعني ظرفية الزمان لهما ، مع أن جريان الاستصحاب في بقاء الطّهارة مورد للنص الصحيح وهو صحيحة زرارة (1) .

   فمن ذلك وغيره مما ذكرناه في بحث الاُصول نستكشف أن المعتبر في الأفعال المقيّدة بقيود ليس إلاّ وجود هذا في زمان يكون الآخر فيه موجوداً من دون أن يعتبر فيها شيء آخر ولو عنوان الظرفية ، وعليه فلو استصحبنا الزمان كالنهار وأحرزنا الصوم أو الصلاة بالوجدان فنضم الوجدان إلى الأصل وبه نحرز المأمور  به وهو وجود المقيّد ووجود قيده ونقطع بتحققه وتسليمه إلى المولى لا محالة . وكذلك الحال في مثل الصلاة والطّهارة ، فإذا أثبتنا وجود الطّهارة بالاستصحاب وعلمنا بوجود الصلاة بالوجدان فقد تحقّق وجـود كل منهما في زمان كان الآخر فيه موجـوداً والمفروض أنه هو المأمور  به ، فبضم الوجدان إلى الأصل أحرزنا تحقّق المأمور  به وتسليمه إلى المولى في مقام الامتثال .

   ولا يعارض استصحاب الطّهارة حينئذ استصحاب عدم تحقق المركب من الجزأين بأن نقول كنّا على يقين من عدم المركب من الجزأين خارجاً والأصل عدمه ، وذلك لأنه لا وجود للمركب غير وجود أجزائه والمفروض أن أحد جزأيه محرز بالوجدان والآخر محرز بحكم الشارع فلا شك لنا في تحقّق المركّب .

   ودعوى أن المتيقن حينئذ إنما هو وجود أصل الصلاة وأما وجـودها في زمان الطّهارة فهو مشـكوك فيه والأصل عدم تحقّـق الصلاة في زمان قيـدها ، يدفعها أنه لا  أثر لوجود الصلاة في زمان الطّهـارة ، لما عرفت من عدم اعتبار الظرفيـة ولا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3 : 482 /  أبواب النجاسات  ب 44 ح 1 .

ــ[107]ــ

غـيرها من العـناوين في الأفعـال المقيّـدة بقيـود ، بل المعـتبر ليس إلاّ وجــود هـذا ووجـود ذاك والمفـروض أنا علمـنا بوجود كل منهما ، أحدهما بالوجـدان والآخر بالاستصحاب .

   فتحصـل : أن اسـتصحاب عدم وقوع الصلاة في زمان الطّهارة غير جار لأنه ممّا لا  أثر له ، فاستصحاب بقاء الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة بلا معارض ومقتضاه الحكم بصحّة الصلاة . هذا كله في الصورة الاُولى .

    الصورة الثانية :

   ما إذا علم تأريخ انقضاء الطّهارة أي الحدث وجهل تأريخ الصلاة مع عدم جريان قاعدة الفراغ للعلم بغفلته عن الشرط حال الصلاة . فعلى مسلكهما (قدس سرهما) لا مجال للاستصحاب فيما علم تأريخه وهو انقضاء الطّهارة أي الحدث بالإضافة إلى الأزمنة التفصيلية وعمود الزمان بأن يجري الأصل في عدمه ، وأن يقال الأصل عدم انقضاء الطّهارة وعدم الحدث إلى زمان الصلاة ، أو يقال الأصل عدم انقضائها وعدم الحدث في هذه الساعة أو الساعة الثانية أو الثالثة للعلم بتأريخه ، ولا بالإضافة إلى الحادث الآخر وهو الصلاة لعدم إحراز الاتصال ، لاحتمال تخلل اليقين بوجود الحدث فيما بين زماني اليقين من عدمه والشك فيه ، كما لا يجري الأصل فيما جهل تأريخه فلا بدّ من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال وإعادة الصلاة .

   وأما على ما سلكناه فلا مانع من جريان الأصل في كل مما علم تأريخه وما جهل في نفسهما ، إلاّ أنك عرفت أنه في المقام لا يمكن استصحاب عدم وقوع الصلاة إلى آخر زمان الطّهارة لأنه لا أثر له ، فاستصحاب بقاء الطّهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة بلا معارض وهو يقتضي الحكم بصحّة الصلاة كما في الصورة الاُولى .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net